فهرس الكتاب

الصفحة 3901 من 11127

2488 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ) بفتح الحاء المهملة والكاف (الأَنْصَارِيُّ) الحارثيُّ المروزيُّ، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين المهملة، الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) ابن عديٍّ الثوريِّ، والد سفيان الثوري (عَنْ عَبَايَةَ) بفتح العين المهملة وتخفيف الموحدة وبعد الألف مثناة تحتية مفتوحة (ابْنِ رِفَاعَةَ) بكسر الراء (ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ جَدِّهِ) رافع بن خديج بن رافع بن عديٍّ الأوسيِّ الأنصاريِّ الحارثيِّ، أنَّه (قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) قال صاحب «التلويح» وذي الحليفة هذه ليست الميقات، وإنَّما هي التي من تهامة عند ذات عرق، ذكره ياقوت وغيره.

وفي رواية مسلم هكذا عن رافع بن خَديج قال كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة من تهامة.

وذكر القابسيُّ أنَّها المهلُّ التي بقرب المدينة، وقاله أيضًا النوويُّ، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ في الحديث ردًّا لقولهما كما ستقف.

وقال ابنُ التين وكانت سنة ثمان من الهجرة في قصَّة حُنين.

(فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ فَأَصَابُوا إِبِلًا وَغَنَمًا، قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ) أي في أواخرهم وأعقابهم، وهي جمع أخرى، وكان يفعل ذلك رفقًا بمن معه، ولحمل المنقطع (فَعَجِلُوا) بكسر الجيم(وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 11 ص 444

بِالْقُدُورِ)أي بإكفائها (فَأُكْفِئَتْ) على البناء للمفعول؛ أي قلبت وأُمِيلت وأُريق ما فيها.

قال ثعلب كفأتُ القدرَ، إذا كببته، وكذا قال الكسائيُّ وأبو عليٍّ القالي وابن القوطيَّة في آخرين، فعلى هذا إنما يقال فكُفِئت، وإنما يقال أُكفئت على قول ابن السِّكيت في «الإصلاح» ؛ لأنَّه نقل عن ابن الأعرابيِّ وأبي عُبيد وآخرين يقال أُكْفئت.

وقال ابن التِّين صوابه كفئت بغير ألف، من كفأت الإناء مهموزًا، وقد اختلف في سببِ أمره بإكفاء القُدُور، فقيل إنَّهم كانوا انتهبوها قبل القسمة، ولا على وجه الحاجة إلى أكلها [وفيه] نظر؛ لقوله فأصاب الناسَ جوعٌ فهو بيانٌ لوجه الحاجة.

وقال النوويُّ إنَّما أمرهم بذلك لأنَّهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإسلام، والمحلُّ الذي لا يجوز الأكل فيه من مالِ الغنيمة المشتركة، فإنَّ الأكل فيها قبل القَسْم إنَّما يُباح في دار الحرب.

وقال المهلَّب إنَّما أمرهم به عقوبةً لهم لتركهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في أُخريات القوم مُتعرِّضًا لمن يقصدُه من عدوٍّ واستعجالهم، فحرم الشَّارع ما استعجلوه عقوبة لهم بنقيضِ قصدهم، كما منع القاتل من الميراث، وكذا قال القرطبيُّ.

فإن قيل كيف جاز تضييعُ ذلك وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال

فالجواب _ والله أعلم _ أنَّ المأمور به إنَّما هو إتلاف المرق، وأمَّا اللَّحم فلم يتلفوه بل الظَّاهر أنَّه جُمِعَ وردَّ إلى المغنم.

فإن قيل لم يُنقلْ أنَّهم حملوه إلى المغنم، قيل ولم ينقل أيضًا أنَّهم أحرقوه ولا أتلفوه، فوجبَ تأويله على وفقِ القواعد الشَّرعية بخلاف لحم الحمر الأهلية يوم خيبر؛ لأنَّها صارت نجسةً، فافهم.

(ثُمَّ قَسَمَ) صلى الله عليه وسلم (فَعَدَلَ) أي ساوى (عَشْرَةً مِنَ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ) والظاهر أنَّ هذا محمولٌ على أنَّه كان بحسب قيمتها يومئذٍ، ولا يخالف قاعدة الأُضْحية من إقامة بعيرٍ مقام سبع شياه؛ لأنَّ هذا هو الغالب في قيمة الشِّياه والإبل المعتدلةِ.

(فَنَدَّ) بفتح النون وتشديد

ج 11 ص 445

الدال المهملة؛ أي نفرَ وذهب على وجهه شاردًا، يُقال ندَّ يندُّ ندًا وندودًا (مِنْهَا بَعِيرٌ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ) أي أعجزهم، يُقال عيي؛ أي عجز، وعيى بأمره إذا لم يهتدِ لوجهه، وأعياني هو.

(وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ) أي قليلةٌ (فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ) أي قصد، قال الأصمعيُّ أهويت بالشَّيء، إذا أومأت إليه (فَحَبَسَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ) أوابد جمع آبِدة _ بالمد وكسر الموحدة المخففة _ يقال منه أبدتْ تأبُد _ بضم الباء _، وتأبِد _ بكسرها _ وهي التي نفرتْ من الإنس وتوحَّشت.

وقال القزَّاز مأخوذةٌ من الأبد، وهو الدَّهر لطولِ مقامها، وقال أبو عبيد أخذت من تأبَّدت الدار تأبُّدًا، وأبدت تأبد أبودًا، إذا خلا منها أهلها.

ويُقال تأبَّد فلانٌ إذا توحَّش وانقطع عن المكان الَّذي كان فيه. قال الكرمانيُّ وسُمِّيت أوابد الوحش بذلك لانقطاعها عن النَّاس.

(فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا) أي من الأوابد (فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) أي ارموه بالسَّهم، قال عَبَاية (فَقَالَ جَدِّي) أي رافع بن خديج رضي الله عنه (إِنَّا نَرْجُو أَوْ نَخَافُ) قال الكرمانيُّ نرجو بمعنى نخاف، ولفظ «أو نخاف» شكٌّ من الراوي. وقال ابن التِّين هما سواء، قال تعالى {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} [الكهف 110] أي يخافه.

(الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى) بضم الميم، جمع مُدْية وهي السِّكين (أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ) وفي رواية لمسلم بكسر اللام وسكون المثناة التحتية وبالطاء المهملة، هي قِطَعُ القصب، قاله القرطبي.

والواحد لِيْطة، وقيل قشوره، وفي «سنن أبي داود» أنذكِّي بالمروة، فإن قيل ما معنى هذا السُّؤال عند ذكر لقاء العدوِّ؟

فالجواب إنَّهم كانوا عازمين على قتال العدوِّ وصانوا سيوفهم وأسنَّتهم وغيرها عن استعمالها؛ لأنَّ ذلك يُفسد الآلة، ولم يكن لهم سكاكين صغار معدَّة للذبح فسألوا لذلك.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) أي ما أساله وصبَّه بكثرة وأجراه كما يجري

ج 11 ص 446

الماء في النَّهر، ويروى بالزاي، من النَّهز، وهو الدَّفع وهو غريبٌ (وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ) جواب «ما» لتضمُّنه معنى الشَّرط (لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ) كلمة «ليس» بمعنى إلا، وإعراب ما بعده النصب، قاله الكرمانيُّ وتبعه العيني (وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ) أي سأبيِّن لكم العلَّة في ذلك (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) قال التيميُّ العظم غالبًا لا يقطع إنَّما يجرح ويُدمِي فتزهق النَّفس من غير أن يتيقَّن وقوع الذكاة، فلهذا نهى عنه.

وقال النوويُّ لا يجوز بالعظم؛ لأنَّه يتنجَّس بالدم، وهو زاد إخواننا من الجنِّ، ولهذا نهى عن الاستنجاء به. وقال البيضاوي هو قياس حذف عنه المقدمة الثانية لظهورها عندهم، وهي أنَّ كل عظم لا يحلُّ الذبح به.

(وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ) لأنَّ الحبشة كفَّار لا يجوز التَّشبُّه بهم، وفي الحديث «من تشبَّه بقومٍ فهو منهم» رواه أبو داود.

وقال الخطابيُّ ظاهره يوهم أنَّ مدى الحبشة لا يقعُ بها الذكاة، ولا خلاف في أنَّ مسلمًا لو ذكَّى بمدية حبشيٍّ كافر جاز، فمعنى الكلام أنَّ أهل الحبشة يُدْمُون مذابح الشَّاة بأظفارهم حتَّى تزهق النفس خنقًا وتعذيبًا، ويُحلِّونها محلَّ الذَّكاة، فلذلك ضرب المثل به.

وفي الحديث عدم جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة عند الانتهاء إلى دار الإسلام، وفيه جواز قسم الغنم والبقر والإبل بغير تقويمٍ، وبه قال مالك والكوفيُّون وأبو ثور إذا كان على التَّراضي.

وقال الشافعيُّ لا يجوز قسم شيءٍ من الحيوان بغير تقويمٍ، قال إنَّما كان ذلك على طريق القيمة ألا ترى أنَّه عدل عشرة من الغنم ببعيرٍ، وهذا معنى التقويم.

وقال القرطبيُّ وهذه الغنيمة لم يكن فيها غير الإبل [1] ولم يقدر عليه جاز أن يذكَّى [بما يذكّى] به الصَّيد، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وهو قول عليٍّ وابن مسعود وابن عبَّاس وابن عمر وطاوس وعطاء والشَّعبي والأسود بن يزيد النَّخعي والحكم وحمَّاد والثَّوري وأحمد والمزني وداود.

وقال النَّووي والجمهور ذهبوا إلى حديث أبي العشراء عن أبيه قال قلتُ يا رسول الله

ج 11 ص 447

أما تكون الذَّكاة إلَّا في اللَّبة والحَلْق؟ قال «لو طعنتُ في فخذها لأجزأ عنك» . وحديث أبي العشراء رواه الأربعة، وقال الترمذيُّ بعد أن رواه قال أحمد بن منيع قال يزيد هذا في الضرورة. وقال أيضًا هذا حديثٌ غريب لا نعرفه إلَّا من حديث حمَّاد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث، واختلفوا في اسم أبي العشراء فقال بعضُهم اسمه أسامة بن قِهْطم، ويقال يسار بن بَرْز، ويقال ابن بَلْز، ويقال اسمه عطارد. وقال عليُّ بن المديني المشهور أنَّ اسمه أسامة بن مالك بن قِهْطم، فنسب إلى جدِّه، وقِهْطَم بكسر القاف، وقيل قحطم، بالحاء المهملة.

وقال مالك وربيعة واللَّيث لا يؤكل إلَّا بذكاة الإنسيِّ بالنَّحر أو الذَّبح استصحابًا لمشروعيَّة أصل ذكاته؛ لأنَّه وإن كان قد لحق بالوحش في الامتناع فلم يلتحقْ بها لا في النوع ولا في الحكم، ألا يرى أنَّ مُلْك مالكه باقٍ عليه، وهو قول سعيد بن المسيِّب أيضًا.

وقال مالك ليس في الحديث أنَّ السَّهم قتله، وإنما حبسه، ثمَّ بعد أن حبسَه فلا يُؤكل إلَّا بالذَّبح. ولا فرق بين أن يكون وحشيًّا أو إنسيًّا، وقوله فاصنعوا به، هكذا قال مالك نقول بموجبه؛ أي نرميه ونحبسه، فإن أدركناه حيًّا ذكَّيناه، وإن تلف بالرَّمي فهل نأكله أو لا؟ وليس في الحديث تعيين أحدهما فلحق بالمُجملات فلا ينهضُ حجَّة، وقالوا في حديث أبي العشراء ليس بصحيحٍ؛ لأنَّ الترمذي قال فيه ما قال، وقد ذكرناه الآن.

وقال أبو داود لا يصلح هذا إلَّا في المتردِّية والمستوحشة، قالوا ولئن سلَّمنا صحته لما كان فيه حجَّة إذ مقتضاه جواز الذَّكاة في أيِّ عضوٍ كان مطلقًا في المقدور على تذكيته وغيره، ولا قائل به في المقدور عليه، فظاهره ليس بمراد قطعًا.

وقال الشَّيخ زين الدين ليس العمل على عموم هذا الحديث، ولعلَّه خرج جوابًا بالسؤال عن المتوحِّش أو المتردِّي الذي لا يقدرُ على ذبحه.

وقد روى أبو الحسن الميموني أنَّه سأل أحمدَ بن حنبل عن هذا الحديث فقال هو عندي غلط، قلت فما تقول؟ قال أمَّا أنا فلا يُعجبني ولا أذهب إليه إلَّا في موضع ضرورة، كيف ما أمكنتك

ج 11 ص 448

الذَّكاة لا تكون إلَّا في الحلق أو اللبة. قال فينبغي للذي يذبحُ أن يقطع الحلق أو اللّبة. وقد روى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة، عن سعيد بن مسروق، عن عَباية بن رفاعة بن رافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ بعيرًا تردَّى في بئرٍ بالمدينةِ فلم يُقدَر على مَنحره، فوُجِئ بسكِّين من قِبَل خاصرته حتى مات، فأخذ منه ابنُ عمر رضي الله عنهما عشيرًا بدرهمين.

العشير لغة في العشر، كالنَّصيف والنصف، وقيل العشير الأمعاء، ومع هذا قول الجماعة الذين ذُكِروا من الصَّحابة والتابعين فيه الكفاية في الاحتجاج به.

وفيه أنَّ من شَرْطِ الذَّكاة إنهار الدَّم ولم يخصَّ بشيءٍ من العُرُوق في شيءٍ من الكتب الستة إلَّا في روايةٍ رواها ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» من رواية مَنْ لم يسمَّ، عن رافع بن خديجٍ قال سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذَّبيحة باللِّيطَة فقال ما فرى الأوداج إلَّا سنٌّ أو ظفر، ولا شكَّ أنَّ ذلك مخصوص بمكان الذَّبح والنَّحر لغلبة الدم فيه، ولكونه أسرع في إزهاقِ نفس الحيوان وإراحته من التَّعذيب.

وقد اختلف العلماء فيما يجب قطعه في الذَّبح وهو أربعة الحلقوم والمري والودجان، فاشترطَ قَطَعَ الأربعة اللَّيث وداود وأبو ثور وابن المنذر من أصحاب الشَّافعي ومالك في رواية.

واكتفى الشافعيُّ وأحمد في المشهور عنه بقطعِ الحلقوم والمري فقط، واكتفى مالك بالحلقومِ والوَدَجين، واكتفى أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية بقطع ثلاثة من الأربعة، وعن أبي يوسف اشتراط الحُلقوم واثنين من الثلاثة الباقية، وعنه أيضًا اشتراط الحلقوم والمري وأحد الوَدَجين، واشترط محمد بن الحسن أكثر كل واحدٍ من الأربعة.

وفيه أيضًا اشتراط التَّسمية؛ لأنَّه قرنها بالذكاة وعلَّق الإباحة عليها، فقد صار كلُّ واحدٍ منهما شرطًا، وهو حجَّةٌ على الشافعيِّ في عدم اشتراط التَّسمية حيث قال لو ترك التَّسمية عامدًا أو ناسيًا تُؤكل ذبيحته، وبه قال أحمد في رواية. وقال صاحب «الهداية» قال مالك لا يُؤكل في الوجهين.

وتعقَّبه العيني بأنَّ مذهبه ليس كذلك، بل مذهبه ما ذكره ابن قدامة في «المغني» أن عند مالك

ج 11 ص 449

يحلُّ إذا تركها ناسيًا، ولا يحلُّ إذا تركها عامدًا، وهو مثل مذهبنا فإنَّ عندنا إذا تركها عامدًا فالذَّبيحة ميتة لا تُؤكل، وإذا تركها ناسيًا أكل ما ذبحه، والمشهورُ عن أحمد مثل مذهبنا.

وقولنا يُروى عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وطاوس وابن المسيِّب والحسن والثَّوري وإسحاق وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى. وفي «التيسير» في سورة الأنعام وداود بن علي يُحرِّم متروك التسمية ناسيًا، وقال في «النوازل» وفي قول بشر لا تُؤكل إذا ترك التَّسمية عامدًا أو ناسيًا.

وقال القدوريُّ في «شرح مختصر الكرخي» وقد اختلفت الصَّحابة في النِّسيان؟ فقال عليٌّ وابن عباس رضي الله عنهم إذا ترك التَّسمية أُكِل، وقال ابن عمر رضي الله عنهما لا يُؤكل، والخلاف في النِّسيان يدلُّ على اتِّفاقهم في العمد، وصورة ترك التَّسمية عمدًا أن يعلم أنَّ التَّسمية شرط، وتركها مع ذكرها أمَّا لو تركها مَن لم يعلم باشتراطها فهو في حُكم الناسي ذكره في «الحقائق» .

وكذلك الحكم على الخلاف إذا تركها عمدًا عند إرسال البازيِّ والكلب والرمي. قال صاحب «الهداية» وهذا القول من الشافعيِّ مخالفٌ للإجماع؛ لأنَّه لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التَّسمية عمدًا، وإنَّما الخلاف بينهم في متروك التَّسمية ناسيًا.

والحديث الذي رواه الدارقطنيُّ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( المسلم يكفيه اسمهُ، فإن نسي أن يسمِّي حين يذبح فليسمِّ وليذكر اسم الله ثم ليأكل ) )، حديث ضعيفٌ؛ لأنَّ في سنده محمد بن يزيد بن سنان قالوا كان صدوقًا ولكن كان شديدَ الغفلة.

وقال ابنُ القطان وفي سنده مَعْقل بن عبد الله، وهو وإن كان من رجال مسلم لكنَّه أخطأ في رفع هذا الحديث. وقد رواه سعيدُ بن منصور عبد الله بن الزبير الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن عَمرو عن أبي الشَّعثاء، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما على أنَّه قوله.

وكذلك الحديث الذي رواه الدارقطنيُّ من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سأل رجلٌ النَّبي صلى الله عليه وسلم الرجلُ منَّا يذبح وينسى أن يسمِّي الله

ج 11 ص 450

قال «اسم الله على كلِّ مسلمٍ» ، وفي لفظٍ (( على فم كلِّ مسلم ) )ضعيف؛ لأنَّ في سنده مروان بن سالم ضعَّفه أحمد والنسائي والدَّارقطني أيضًا.

فإن قيل روى أبو داود بسنده عن الصَّلت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( ذبيحةُ المسلم حلالٌ ذُكِرَ اسم الله أو لم يذكر ) ).

فالجواب أنَّ هذا مرسل وليس بحجَّة عنده، وقال ابن القطان وفيه مع الإرسال أنَّ الصَّلت السَّدوسي لا يُعرف له حال، ولا يُعرف بغير هذا، ولا روى عنه غير ثور بن يزيد.

وفيه أيضًا عدم جواز الذبح بالسنِّ والظُّفر، ويدخل فيه ظفر الآدميِّ وغيره من كلِّ الحيوانات وسواء المتَّصل والمنفصل بحسب ظاهر الحديث، وسواء الطَّاهر والنَّجس.

وقال النوويُّ ويلتحقُ به سائر العظام من كلِّ حيوانٍ المتَّصل والمنفصل، وقيل كلُّ ما صدق عليه اسم العظم فلا تجوز الذَّكاة بشيءٍ منه، وهو قول النَّخعي والحسن بن صالح واللَّيث وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود. وقال أبو حنيفة وصاحباه لا يجوز بالسنِّ والعظم المتَّصلين، ويجوز بالمنفصلين، وعن مالك روايات أشهرها جوازه بالعظم دون السنِّ كيف كانا، والثانية كمذهب الشافعيِّ، والثالثة كمذهب أبي حنيفة، والرابعة يجوز بكلِّ شيءٍ بالسنِّ والظُّفر، وعن ابنِ جريج جواز التَّذكية بعظم الحمار دون القرد.

وقال صاحب «الهداية» ويجوز الذَّبح بالظَّفر والقرن والسنِّ إذا كان منزوعًا ويُنهر الدم ويُفري الأوداج. وذكر في «الجامع الصغير» محمد عن يعقوب، عن أبي حنيفة أنَّه قال أكره هذا الذبح وإن فُعِل فلا بأس بأكله.

واحتجَّ أصحابنا في ذلك بما رواه أبو داود والنَّسائي وابن ماجه، عن سِمَاك بن حربٍ، عن مُرِّي بن قَطَري، عن عديِّ بن حاتم قال قلتُ يا رسول الله! أرأيت أحدنا صاد صيدًا وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقَّة العصا؟ فقال (( أَمْرر الدَّم بما شئت واذكر اسم الله ) )، وفي لفظ النسائي (( أنهر الدم ) )، وكذلك رواه أحمد في «مسنده» .

قال الخطابيُّ ويروى «أمِرَّ» ، قال والصواب أمْرِر _ بسكون الميم وتخفيف الراء _، قال العينيُّ وبهذا اللَّفظ رواه ابن حبَّان في «صحيحه» ، والحاكم في «المستدرك» ،

ج 11 ص 451

وقال صحيحٌ على شرط مسلم ولم يخرِّجه.

وقال السهيليُّ في «الروض الأنف» أَمِر الدَّم _ بكسر الميم _؛ أي أسله، يقال دم مائر؛ أي سائل، قال هكذا رواه النَّقاش وفسَّره، ورواه أبو عُبيد بسكون الميم، وجعله من مَرَيْت الضَّرْع، والأوَّل أشبه بالمعنى، وجمع الطبرانيُّ بين الروايات الثلاثة.

وفيه روايةٌ رابعة عند النسائيِّ في «سننه الكبرى» (( أهرق ) )فيكون الجميع برواية أبي عبيد خمس روايات، بيان ذلك أنَّ الأولى «أمرر» ، من الإمرار. والثانية «أَمِر» من المَيْر أجوف يائي، والثالثة «أنهر» ، من الإنهار، والرابعة «أهرق» ، من الإهراق، وأصله أَرِق، من الإراقة، والهاء زائدة، والخامسة من المري ناقصٌ يائيُّ.

والجواب عن قوله «ليس السنُّ والظفر» ، أنَّه محمولٌ على غير المنزوع، فإنَّ الحبشة كانوا يفعلون كذلك إظهارًا للجلادة، فإنهم لا يُقلِّمون ظفرًا، ويحدُّون الأسنان بالمبرد، ويقاتلون بالخدش والعضِّ، ولأنَّهما إذا ذُكِرا مطلقين يُراد بهما غير المنزوع، أمَّا المنزوع فيذكر مقيَّدًا يُقال سنٌّ منزوعٌ وظفرٌ مَنزوع.

وقال ابن القطَّان في الحديث المذكور شكٌّ في قوله «أمَّا السنُّ فعظم…الى آخره» هل هو من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم، أو لا؟ ثمَّ روَىَ عن أبي داود هذا الحديث، وفيه قال رافع «وسأحدِّثكم عن ذلك أمَّا السنُّ فعظم، وأمَّا الظُّفر فمُدى الحبشة» .

ولم يكن أيضًا في حديث مسلم، أمَّا السِّن…الى آخره من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم.

وفيه أنَّ الذَّكاة لا بدَّ فيها من آلةٍ حادَّةٍ تُجري الدَّم، وأنَّه لا يكفى في ذلك الرَّضُّ والدَّفع بالشَّيء الثَّقيل الذي لا حدَّ له وإن أزال الحياة، وهذا مجمعٌ عليه وسواء في ذلك الحديد والزُّجاج والقصب والحجر وكلُّ ما له حدٌّ إلَّا ما يستثنى منه في الحديث، وفيه أنَّه قد استدلَّ بقوله (( ما أنهر الدم ) )، على أنَّه يجزئ فيما شرع ذبحه النَّحر، وفيما شرع نحره الذَّبح وهو قول كافَّة العلماء إلَّا داود ومالكًا في إحدى الرِّوايات عنه، وعن مالك في رواية الكراهة، وفي رواية التَّفرقة؛ فيجزئ ذبح المنحور، ولا يجزئ نحر المذبوح، وقد أجمعوا على أفضلية

ج 11 ص 452

نحر الإبل وذبح الغنم، واختلفوا في البقر، والصَّحيح إلحاقها بالغنم وهو قول الجمهور، وقيل يتخيَّر فيها بين الأمرين.

فائدة روي في «المنتقى» في البعير إذا صالَ على إنسانٍ فقتله وهو يريد الذَّكاة حلَّ أكله.

ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله (( ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير ) )، والحديث أخرجه المؤلف في «الجهاد» [خ¦3075] و «الذبائح» أيضًا [خ¦5498] .

وأخرجه مسلمٌ في «الأضاحي» ، وأبو داود في «الذَّبائح» ، والترمذيُّ في «الصَّيد» و «السير» ، والنَّسائي في «الحج» و «الصيد» و «الذَّبائح» و «الأضاحي» ، وابن ماجه في «الأضاحي» وفي «الذَّبائح» مقطعًا في موضعين.

[1] في العمدة زيادة [والغنم، ولو كان فيها غير ذلك لقوِّم جميعًا وقسمه على القمة وفيه أن ماندَّ من الحيوان الإنسيِّ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت