2494 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ الأُوَيْسِيُّ) بضم الهمزة وفتح الواو وسكون المثناة التحتية وبالسين المهملة، نسبة إلى جدِّه أويس، إذ هو عبدُ العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عَمرو بن أويس القرشيُّ العامريُّ، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف، أبو إسحاق القرشي الزُّهري، كان على قضاء بغداد (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان، أبو محمَّد مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) هو ابن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ح) تحويل من سند إلى سند آخر معلَّق، وصله الطَّبري في «تفسيره» من طريق عبدِ الله بن صالح، عن اللَّيث مقرونًا بطريقِ ابن وهبٍ عن يونس.
(وَقَالَ اللَّيْثُ) أي ابن سعدٍ المصري (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري،
ج 11 ص 463
أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا} إِلَى {وَرُبَاعَ} [النِّساء 3] ) يعني قوله تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّساء} أي إن خفتم ألَّا تعدلوا في يتامى النِّساء إذا تزوَّجتم بهنَّ، فتزوَّجوا ما طاب من غيرهن، إذ كان الرَّجل يجدُ يتيمةً ذاتَ مالٍ وجمال فيتزوَّجها ضنًّا بها، فربما يجتمع عنده عدد ولا يقدر على القيام بحقوقهنَّ، ومعنى طاب حلَّ. وقرأ ابنُ أبي عبلة {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} هي نكرات، ومنعها عن الصَّرف للعدلِ والوصف، وقيل للعدل والتَّأنيث؛ لأنَّ العدد كله مؤنَّث. وقال الزَّمخشري لما فيه من العدلين؛ عدلها عن صيغتها وعدلها عن تكرارِها، والواو جاءت على طريق البدلِ كأنَّه قال وثلاث بدلُ مثنى، ورباع بدل ثلاث، ولو جاءتْ «أو» لجاز أن لا يكون لصاحبِ المثنى ثلاث، ولا لصاحبِ الثَّلاث رباع، والمقام مَقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوزُ الجمعُ بين أكثر من أربعٍ لذكره.
وقال الشَّافعي وقد دلَّت سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبِّئة عن الله تعالى أنَّه لا يجوز لأحدٍ غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمعَ بين أكثر من أربع، وهذا الذي قاله الشَّافعي مجمَعٌ عليه بين العلماء إلَّا ما حُكي عن طائفة من الشِّيعة في الجمعِ بين أكثر من أربع إمَّا سبع أو تسع.
وقال بعضُهم لا حصرَ، وقد يتمسَّك بعضُهم بفعل النَّبي صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع، أمَّا تسع، كما ثبت في «الصَّحيحين» [خ¦284] ، وإمَّا إحدى عشر، كما جاء في بعض ألفاظ البخاري [خ¦268] . وهذا عند العلماء من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك لغيره من الأمَّة.
وحاصل معنى الآية والله تعالى أعلم إذا كانت تحت حَجْر أحدكم يتيمة وخاف أن لا يُعطيها مهرَ مثلها فليعدلْ إلى ما سواها من النِّساء إلى أربع، فإنهنَّ كثير ولم يضيِّق الله عليه.
(فَقَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (يَا ابْنَ أُخْتِي) وذلك لأنَّ عروة ابن أسماء أخت عائشة رضي الله عنهما (هِيَ الْيَتِيمَةُ) أي المراد من اليتيمة المذكورة في الآية في ضمنِ اليتامى هي اليتيمةُ (تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا) بفتح الحاء وكسرها. وقال ابنُ الأثير
ج 11 ص 464
يجوز أن يكون من حجر الثَّوب وهو الحضن، والمصدر بالفتح لا غير، وو «ليها» هو القائمُ بأمرها.
(تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ) بضم الياء، من الإقساط، وهو العدل يُقال أَقْسَط يُقْسِط، فهو مُقْسِط إذا عدل، وقَسَط يَقْسِط من باب ضرب يضرب فهو قاسطٌ إذا جار، فكأنَّ الهمزة في أقسط للسَّلب، كما يُقال شكى إليه فأشكاه.
(فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ فَنُهُوا) بضم النون والهاء؛ لأنها صيغة مجهولٍ، وأصله نهيوا فاعلُ، فصار نهوا على وزن فعوا؛ لأن المحذوف لام الفعل (أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ) أي طريقتهنَّ (مِنَ الصَّدَاقِ وَأُمِرُوا) على البناء للمفعول (أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ، قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا) أي طلبوا الفتوى في أمر النِّساء، والفتوى والفتيا بمعنى واحدٍ، وهو اسمُ ما يفتى به من جوابِ المشكل، والمفتي من يبيِّن المشكل من المسائل، وأصلُه من الفتيِّ وهو الشَّاب القوي، فالمفتي يقوِّي ببيانه ما أشكل، (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ) وهي قوله تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ} إلى {وَرُبَاعَ} (فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} إِلَى) قوله تعالى ( {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء 127] ) يعني قوله عزَّ وجلَّ {وَيَسْتَفْتُونَكَ} أي يطلبون منك الفتوى {فِي النِّسَاءِ} أي في أمر النِّساء من الميراث وغيره {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} يُبيِّن لكم حكمه فيهنَّ {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} عطف على اسم الله أو ضميره المستكن في {يُفْتِيكُمْ} وساغ للفصل، فيكون الإفتاء مسنَدًا إلى الله تعالى، وإلى ما في القرآن من قوله تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النِّساء 4] الآية، كما سيجيء عن عائشة رضي الله عنها، والمراد قوله تعالى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} كما ستقف عليه، ويجوز أن يكون {وما يتلى عليكم} مبتدأ، و {في الكتاب} خبرُه، والجملة اعتراض لتعظيم المتلوِّ عليهم، والمراد به اللَّوح المحفوظ، ويجوز أن ينتصبَ على معنى ويبيِّنُ لكم ما يُتلى عليكم،
ج 11 ص 465
أو يخفضَ على القَسَم كأنَّه قيل وأُقْسِم بما يُتلى عليكم في الكتاب، ولا يجوزُ عطفه على المجرورِ في {فيهنَّ} لاختلالهِ لفظًا ومعنى.
{فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} صلة {يُتْلَى} إن عُطِف الموصول على ما قبله؛ أي يتلى عليكم في شأنهنَّ، وإلَّا فبدل من {فيهنَّ} أو صلة أُخرى لـ {يُفْتِيكُمْ} على معنى الله يُفتيكم فيهنَّ بسبب يتامى النِّساء، كما تقول كلَّمتك اليوم في زيدٍ، وهذه الإضافة بمعنى «من» لأنَّها إضافة الشَّيء إلى جنسهِ.
{اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} أي فُرِض لهنَّ من الميراث، فقد رويَ في سبب نزول هذه الآية أيضًا أنَّ عُيينة بن حُصين أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال أُخْبِرْنَا أنَّك تُعطي الابنة والأخت النِّصف، وإنَّما كنَّا نورِّث من يشهدُ القتال، ويحوز الغنيمة فقال صلى الله عليه وسلم (( كذلك أُمِرت ) )فعلى هذا يكون المراد من قوله تعالى {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النِّساء 127] قوله تعالى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النِّساء 11] الآية، أو المعنى والله تعالى أعلم [ما] قدَّر لهنَّ من صداق أمثالهنَّ.
فعلى هذا يكون المراد من قوله تعالى {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} قوله تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} الآيةَ كما سيجيءُ من عائشة رضي الله عنها.
{وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} في أن تنكحوهنَّ لجمالهنَّ، أو عن أن تنكحوهنَّ لدَمَامتهنَّ، وكان الرَّجل منهم يضمُّ اليتيمة إلى نفسه وما لها، فإن كانت جميلة تزوَّجها وأكلَ المال، وإن كانت دميمة عضلها عن التزوُّج حتَّى تموتَ فيرثها.
ورُوِي أنَّ عمر رضي الله عنه كان إذا جاءه وليُّ اليتيمةِ نظر، فإن كانت جميلة غنيَّة قال زوِّجها غيرك والتمسْ لها من [هو] خيرٍ منك، وإن كانت دميمةٍ ولا مال لها قال تزوَّجْها فأنت أحقُّ بها. والواو تحتمل الحال والعطف.
{وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} عطف على {يتامى النِّساء} ، والعرب ما كانوا يورِّثونهم كما لا يورِّثون النِّساء {وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} أيضًا عطف عليه؛ أي ويُفتيكم أو ما يتلى في أن تقوموا، هذا إذا جعلتَ {في يتامى} صلة لأحدهما، فإن جعلته بدلًا فالوجه نصبهما عطفًا على موضع {فيهنَّ} ، ويجوز أن ينصبَ {وَأَنْ تَقُومُوا} بإضمار فعلٍ؛ أي ويأمركم أن تقوموا، وهو خطابٌ للأئمَّة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم، أو للقوَّام بالنَّصفة في شأنهم {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} [النِّساء 11] وعدٌ لمن آثر الخيرَ في ذلك. قالتْ عائشة رضي الله عنها (وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء 127] هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ بِيَتِيمَتِهِ) وفي رواية الكُشميهني . قال
ج 11 ص 466
العينيُّ هذا هو الصَّواب، وضبطه الحافظ الدِّمياطي هكذا، انتهى.
(الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ فَنُهُوا) أي الأولياء غير المحارم (أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلاَّ بِالْقِسْطِ) أي بالعدل، وأن يبلغوا بهنَّ أعلى سنَّتهنَّ من الصَّداق (مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ) إذا كنَّ قليلة المال والجمال، والمقصود أنَّ الرَّجل إذا كان في حجره يتيمة يحلُّ له تزويجها، فتارةً يرغبُ في أن يتزوَّجها، فأمره الله تعالى أن يجعلَها أسوة أمثالها من النِّساء في المهرِ، فإن لم يفعلْ فليعدل إلى غيرها من النِّساء، فقد وسَّع الله عزَّ وجلَّ.
وهذا المعنى مُستفادٌ من الآية الأولى التي في أوَّل السُّورة، وتارةً لا يكون للرَّجل فيها رغبة لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله عزَّ وجلَّ أن يعضلها عن الأزواج خشيةَ أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها، كما قال عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {فِي يَتَامَى النِّساء اللَّاتِي} [النِّساء 128] الآية، كان الرَّجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيُلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك بها لم يقدر أحدٌ أن يتزوَّجها أبدًا، فإن كانت جميلة فهويها تزوَّجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرِّجال حتَّى تموت، فإذا ماتت ورثها فحُرِّم ذلك ونُهِي عنه، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قولها «هي اليتيمة تكون في حجر وليِّها تشاركه في ماله» ، والحديث أخرجه المؤلِّف في «الأحكام» أيضًا [1] ، وأخرجه مسلم في آخر الكتاب، وأبو داود في «النِّكاح» وكذا النَّسائي.
تتمَّة سيأتي في هذا الصَّحيح في «تفسير سورة النِّساء» [خ¦4574] من رواية عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رجلًا كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذقٌ، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النِّساء 4] الآية أحسبه، قال كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله.
وفي رواية لمسلم من حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى
ج 11 ص 467
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} قالت أنزلت في الرَّجل يكون له اليتيمة وهو وليُّها أو وارثها ولها مال، وليس لها أحد يُخاصِم دونها، وينكحُها لمالها فيضربها ويُسيءُ صحبتها، فقال تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّساء} يقول ما أحللتُ لكم، ودع هذا الذي تَضْرِبُها، والله أعلم.
[1] لم أجده في الأحكام.