2505 - 2506 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسي، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ) بالجيمين (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح (عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) .
- (وَعَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم) عطف على قوله «عن عطاء» ؛ لأن ابن جُريج سمع منهما (قَالَا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي مكَّة (صُبْحَ رَابِعَةٍ) أي في صبيحة ليلة رابعة (مِنْ ذِي الْحَجَّةِ) قال الدَّاودي اختلف فيه، قيل وكان خروجه من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة (مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ) أي محرمين به، وانتصابه على الحال، وإنَّما جُمِع باعتبار أنَّ قدوم النَّبي صلى الله عليه وسلم مستلزم لقدوم أصحابه معه، ويروى على أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هم محرمون (لاَ يَخْلِطُهُمْ شَيْءٌ) أي من العمرة، ويروى ، ففي الأوَّل الضمير يرجع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه، وفي الثَّاني يرجع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وحده. وقال صاحب «التوضيح» وفيه دلالة واضحة على الإفراد.
وتعقَّبه العيني بأنه لا يدلُّ على ذلك؛ لأن معنى «لا يخلطه شيء» ؛ يعني وقت الإحرام، وكذلك معنى قول عائشة رضي الله عنها «وأهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجِّ مفردًا» [خ¦1562] ؛ أي أنَّه لم يعتمرْ في وقت إحرامه بالحجِّ، لكنه اعتمرَ بعد ذلك.
(فَلَمَّا قَدِمْنَا) أي مكَّة، شرَّفنا الله تعالى برؤيتها (أَمَرَنَا) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم بفسخ الحجِّ إلى العمرة (فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً) أي فجعلنا تلك الفعلة من الحجِّ عمرة؛ أي صرنا متمتِّعين (وَأَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا، فَفَشَتْ) أي فشاعتْ وانتشرتْ، من الفشوِّ، بالفاء والشين المعجمة (فِي ذَلِكَ) أي في فسخ الحجِّ إلى العمرة (الْقَالَةُ) بالقاف واللام، ويروى بالميم قبل القاف وكلاهما بمعنى واحد، وأراد به مقالة النَّاس، وذلك لما كان في اعتقادهم أنَّ العمرة لا تصحُّ في أشهر الحجِّ، وكانوا يرون العمرة فيها فجورًا.
(قَالَ عَطَاءٌ) هو الرَّاوي عن جابر رضي الله عنه (قَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا)
ج 11 ص 478
هذا كناية عن قرب العهد بالوطئ والواو فيه للحال (فَقَالَ جَابِرٌ بِكَفِّهِ) أراد أنه أشار بيده إلى التقطُّر، ويروى بالمثناة التحتية، من كفَّه يكفُّه؛ أي منعه؛ أي قال جابر قوله ذلك والحال أنَّه يكفه (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي ما صدر منهم من القول (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ خَطِيبًا) نصب على الحال (فَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا، وَاللَّهِ لأَنَا) اللام فيه مفتوحة وهي لام الابتداء، و «أنا» مبتدأ وخبره قوله (أَبَرُّ) وهو أفعلُ التَّفضيل من البر، وهو الخيرُ والإحسان (وَأَتْقَى) هو أفعلُ التَّفضيل كذلك من التَّقوى (لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُمْ، وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي لو عرفت في أوَّل الحال ما عرفت آخرًا من جواز العمرة في أشهر الحجِّ (مَا أَهْدَيْتُ) أي لكنت متمتِّعًا؛ لإرادة مخالفة أهل الجاهليَّة (وَلَوْلاَ أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ) من الإحرام، لكن امتنع الإحلال لصاحب الهدي وهو المفردُ أو القارن حتَّى يبلغَ الهدي محلَّه، وذلك في أيَّام النَّحر لا قبلها.
وقد احتجَّ به أنَّه صلى الله عليه وسلم كان مفردًا وأنَّه أفضل، وهذا الاحتجاج غير صحيحٍ؛ لأنَّ الهديَ لا يمنع المفرد من الإحلال، والنَّبي صلى الله عليه وسلم لم يتحلَّل، فدلَّ على أنه كان متمتعًا.
وفي «الاستذكار» لا يصحُّ عندنا أن يكون متمتِّعًا إلا تمتُّع قران؛ لأنه لا خلافَ بين العلماء أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يحلَّ من عُمرته، وأقام محرمًا من أجل هديه إلى يوم النَّحر، وهذا حُكم القارن لا المتمتِّع.
(فَقَامَ سُرَاقَةُ) بضم السين المهملة وتخفيف الراء والقاف (ابْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بضم الجيم والشين المعجمة وسكون العين المهملة بينهما وفي آخره ميم، المدلجي، من مدلج، ابن مرَّة بن عبد مناة بن كنانة، يُكنى أبا سفيان، من مشاهير الصَّحابة، كان ينزل قديدًا، وقيل إنه سكن مكَّة.
(فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هِيَ) أي العمرة في أشهر الحجِّ أو المتعة (لَنَا أَوْ لِلأَبَدِ؟ فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ، بَلْ لِلأَبَدِ) أي ليس الأمر كما تقول، بل هي إلى يوم القيامة ما دام الإسلام (قَالَ)
ج 11 ص 479
الظَّاهر من السِّياق أن قائله هو ابنُ جريج (وَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أي من اليمن.
قال ابن بطَّال في «المغازي» للبخاري عن بريد [1] [خ¦4352] (( أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان بعث عليًّا رضي الله عنه إلى اليمن قبل حجَّة الوداع ليقبض الخمس، فقدم من سِعَايته، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم بما أهللتَ يا عليُّ؟ قال بما أهلَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فاهدِ وامكث حرامًا كما كنتَ، قال فأهدَى له عليٌّ هديًا ) ).
قال فهذا تفسير قوله (( وأشركه في الهدي ) )أنَّه الهدي الذي أهداهُ عليٌّ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم وجعل له ثوابه، فيحتمل أن يُفرده بثواب ذلك الهدي كله، فهو شريك له في هديه؛ لأنه أهداه عنه تطوُّعًا من ماله.
ويحتمل أن يُشركه في ثوابِ هدي واحدٍ يكون بينهما كما ضحَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم عنه وعن أهل بيته بكبشٍ، وعن من لم يضحِّ من أمَّته، وأشركهم في ثوابه، ويجوزُ الاشتراك في هدي التطوُّع.
وقال القاضي عندي أنَّه لم يكن شريكًا حقيقة، بل أعطاه قدرًا يذبحه، والظَّاهر أنَّه صلى الله عليه وسلم نحر البُدن التي جاءت معه من المدينة، وهي ثلاثٌ وستون بدنة، وأعطى عليًّا من البدن التي جاء بها من اليمن وهي سبع وثلاثون بدنة، فصار جميع ما ساقه النَّبي صلى الله عليه وسلم من الهدي مائة بدنة، وأشرك عليًّا رضي الله عنه معه فيها.
(فَقَالَ أَحَدُهُمَا) أي أحد الرَّاويين من جابر وابن عبَّاس رضي الله عنهم (يَقُولُ) أي علي رضي الله عنه (لَبَّيْكَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ الآخَرُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي بمثل حجَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما قال الرَّاوي «فقال أحدهما» و «قال الآخر» ؛ لأنه لم يكن عالمًا بالتَّعيين، لكن قد تقدَّم في أوائل «الحجِّ» بيان أن الذي عبَّر بالعبارة الأولى هو جابر رضي الله عنه حيث قال عنه [2] إنَّه قال أهللت بما أهلَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم [خ¦1651] ، فتعيَّن أن الذي قال بحجَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
(فَأَمَرَهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ) أي يثبت عليه (وَأَشْرَكَهُ فِي الْهَدْيِ) قد عرفت أن الشَّركة وقعت بعد ما ساق النَّبي صلى الله عليه وسلم الهدي من المدينة، وبعد ما جاء
ج 11 ص 480
عليٌّ من اليمن ومعه سبع وثلاثون بدنة، وهذا هو موضع التَّرجمة.
وقال المهلَّب ليس في حديث الباب ما ترجم به من الاشتراك بعد الإهداء، ولا هبته، ولا بيعه، هذا وقد عرفت تفسير الاشتراك فيما قبل، والله أعلم.
[1] كذا وفي البخاري هنا من حديث جابر رضي الله عنه.
[2] أي عن علي رضي الله عنه