فهرس الكتاب

الصفحة 3932 من 11127

2508 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو الدَّستوائي، قال (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) أي ابن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعَهُ) هو معطوفٌ على شيء محذوف بيَّنه ما رواه أحمدُ من طريق أبان العطَّار، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه أنَّ يهوديًّا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه ولقد رهن ... إلى آخره، وهذا اليهوديُّ هو أبو الشَّحم، واسمه كنيته، وهو من بني ظَفَر _ بفتح الظاء المعجمة والفاء _، وهو بطنٌ من الأوس، وكان حليفًا لهم، بيَّنه البيهقيُّ من طريق جعفر بن محمَّد، عن أبيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم رهنَ درعًا له عند أبي الشَّحم اليهوديِّ رجلٍ من بني الظَّفر في شعير، انتهى.

وكان الشَّعير ثلاثين صاعًا كما سيأتي في هذا «الصَّحيح» من حديث عائشة رضي الله عنها في «الجهاد» [خ¦2916] ، وكذلك رواه أحمدُ وابن ماجه والطَّبراني من طريق عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وفي رواية التِّرمذي والنَّسائي بعشرين صاعًا، ولعلَّه كان دون الثلاثين فجبر الكسر تارةً، وألغى أخرى، ووقع لابن حبَّان من طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه أن قيمة الطَّعام كانت دينارًا، وزاد أحمد من طريق شيبان فما وجد ما يفتكها به حتَّى مات، والدِّرع _ بكسر الدال _ يذكَّر ويُؤنَّث.

(بِشَعِيرٍ) الباء فيه للمقابلة، وقد مرَّ بيان قدر الشَّعير (وَمَشَيْتُ) أي قال أنس رضي الله عنه ومشيت (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُبْزِ شَعِيرٍ) بالإضافة والباء فيه يتعلق بـ «مشيت» (وَإِهَالَةٍ) بكسر الهمزة وتخفيف الهاء، ما أذيب من الشَّحم والألية، وقيل هو كل دسم جامد، وقيل ما يؤتدم به من الإدِّهان.

(سَنِخَةٍ) بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة؛ أي متغيرة الرِّيح، ويقال زنخة بالزاي موضع السين أيضًا (وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ) أي قال أنس رضي الله عنه لقد سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول، وجزم الكرماني بأنَّ قائل «يقول» هو أنس، وأن فاعل «سمعت» هو قتادة، ويردُّه ما رواه أحمد وابن ماجه من طريق شيبان المذكور عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، ولقد سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( والذي نفس محمَّد بيده ) ).

(مَا أَصْبَحَ لآلِ مُحَمَّدٍ إِلاَّ صَاعٌ وَلاَ أَمْسَى) كذا بهذه العبارة وقع لجميع الرُّواة،

ج 11 ص 484

وكذا ذكره الحُميدي في «الجمع» ، وأخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» من طريق الكجِّي، عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري المذكور في سند الحديث بلفظ (( ما أصبحَ لآل محمَّد ولا أمسى إلَّا صاع ) )، وهذا أحسن، وفيه تنازعُ الفعلين في ارتفاعِ «صاع» . وفي رواية البخاري «أصبح» فعلٌ وفاعله «صاع» ، ويُقدَّر «صاع» آخر في قوله و «لا أمسى» ، ووقع في رواية أحمد عن أبي عامر، وللإسماعيلي من طريقه، وللتِّرمذي من طريقِ ابنِ أبي عديٍّ، ومعاذ بن هشام، وللنَّسائي من طريق هشام بلفظ (( ما أمسى في آل محمَّد صاع تمر ولا صاع حبٍّ ) )، والمراد بالآل أهل بيته صلى الله عليه وسلم، وقد تقدَّم من وجه آخر في أوائل «البُيوع» بلفظ (( بر ) )بدل تمر.

(وَإِنَّهُمْ) أي وإن آله (لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ) وأراد به بطريق الكناية تسعُ نسوة، وكذا وقع في رواية هؤلاء المذكورين، وسيأتي أسماؤهنَّ في «كتاب المناقب» [النكاح 5067] إن شاء الله تعالى.

ومناسبة ذكر أنس رضي الله عنه لهذا القدر مع ما قبله هي الإشارة إلى سبب قوله صلى الله عليه وسلم هذا، وأنه لم يقله متضجِّرًا ولا شاكيًا معاذ الله من ذلك، وإنَّما قال معتذرًا عن إجابته لدعوةِ اليهودي ولرهنه درعه عنده، ولعلَّ هذا هو الحامل للذي زعم بأنَّ قائل ذلك هو أنس رضي الله عنه فرارًا من أن يظنَّ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك لمعنى التضجُّر، والله تعالى أعلم.

وفي الحديث جوازُ معاملة الكفَّار فيما لم يتحقَّق حرمة عين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم. وفيه جواز بيع السِّلاح ورهنه وإجارته وغير ذلك من الكافر ما لم يكن حربيًّا. وفيه ثبوت أملاك أهل الذِّمة في أيديهم. وفيه جواز الشِّراء بالثمن المؤجَّل. وفيه جواز اتخاذ الدُّروع وغيرها من آلات الحرب، وأنه غير قادح في التوكُّل. وفيه أنَّ قنية آلة الحرب لا تدلُّ على تحبيسها، قاله ابن المُنيِّر.

وفيه أن أكثر قوت ذلك العصر الشَّعير، قاله الدَّاودي. وفيه ما كان عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم من التَّواضع والزُّهد في الدُّنيا، والتَّقلل منها مع قدرته عليها، والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادِّخار حتَّى احتاجَ إلى رهنِ درعه، والصَّبر

ج 11 ص 485

على ضيقِ العيش والقناعة باليسيرِ. وفيه فضيلةُ أزواجه صلى الله عليه وسلم ورضيَ عنهنَّ لصبرهنَّ معه على ذلك.

تنبيه قال العلماء الحكمةُ في عدوله صلى الله عليه وسلم عن معاملة مياسير الصَّحابة رضي الله عنهم إلى معاملة اليهودي، إمَّا بيان الجواز أو أنَّهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجتهم، أو أنَّه خشي أنهم لا يأخذون منه ثمنًا أو عوضًا فلم يُرِد التَّضييق عليهم، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله «ولقد رهنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم درعَه بشعير» . وقد مضى هذا الحديث في أوائل «كتاب البيوع» ، في باب «شراء النَّبي صلى الله عليه وسلم بالنَّسيئة» [خ¦2069] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت