2510 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عُيينة، قال (قَالَ عَمْرٌو) هو ابنُ دينار (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري رضي الله عنهما (يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ) أي من يتصدَّى لقتله.
وقال ابن إسحاق كان كعب بن الأشرف من طيِّ أحد بني نبهان حليف بني النَّضير، وكانت أمه من بني النَّضير واسمها عقيلة بنت أبي الحُقيق، وكان أبوه قد أصابَ دمًا في قومه فأتى المدينة فنزلها، ولمَّا جرى ببدرٍ ما جرى قال ويحكُم أحقٌّ هذا، وأن محمَّدًا قد قتل أشراف العرب وملوكها؟ …والله إنْ كان هذا حقًّا فبطن الأرض خيرٌ من ظهرها، ثمَّ خرج حتَّى قدم مكَّة فنزلَ على المطَّلب بن أبي وَدَاعة السَّهمي، وعنده عاتكة بنت أسد بن أبي العيص بن أميَّة بن عبد شمس، فأكرمه المطَّلب فجعلَ ينوح ويبكِي على قتلى بدرٍ، ويحرِّض النَّاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الأشعار، فمن ذلك ما حكاه الواقدي من قصيدة عينيَّة طويلة من الوافر [1] أولها
~طحَنَتْ رَحَى بدْرٍ بمهْلِكِ أهْلِهِ وَلِمِثلِ بدْرٍ تَسْتهِلُّ وتَدمَعُ
~قُتِلتْ سَرَاةُ النَّاسِ حوْلَ حِيَاضِهم لَا تبعَدُوا إنَّ الملُوكَ تُصرَّعُ
فأجابه حسَّان بن ثابت رضي الله عنه فقال
ج 11 ص 487
~أَبَكَاه كَعْب ثمَّ عُلَّ بعَبْرةٍ مِنهُ وعَاشَ مجَدَّعًا لَا يَسْمَع
~ولَقَد رأيْتُ ببَطنِ بدرٍ منْهُمُ قتْلَى تسُحُّ لَهَا العُيُونُ وتدْمَعُ
وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( من لكعب بن الأشرف ) ).
(فَإِنَّهُ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَا) أي أنا له؛ أي لقتله يا رسول الله، ومحمَّد بن مَسلَمَة _ بفتح الميمين واللام أيضًا _ ابن خالد بن عديِّ بن مُجدِّعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج الحارثي الأنصاري، يُكنى أبا عبد الله، وقيل أبو عبد الرَّحمن، ويُقال أبو سعيد حليف بني عبد الأشهل، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل إنَّه استخلفه على المدينة عام تبوك.
روى عنه جابر وآخرون، اعتزلَ الفتنة وأقام بالرَّبَذة، ومات بالمدينة في صفر سنة ثلاث وأربعين، وقيل سنة سبع وأربعين وهو ابن سبعِ وسبعين، وصلَّى عليه مروان بن الحكم، وهو يومئذٍ أمير المدينة.
(فَأَتَاهُ) مع جماعةٍ كما سيجيء إن شاء الله تعالى (فَقَالَ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا) أي تقرضنا (وسْقًا) بفتح الواو وكسرها، ستون صاعًا (أَوْ وَسْقَيْنِ) شكٌّ من الرَّاوي (قَالَ ارْهَنُونِي) فيه لغتان رهن وأرهن، والفصيحة رَهَن، والقليلة أرهن، فقوله ارهنوني على اللُّغة الفصيحة _ بكسر الهمزة _ وعلى اللُّغة القليلة بفتحها.
(نِسَاءَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا، وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ قَالَ فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ. قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ) على البناء للمفعول (فَيُقَالُ رُهِنَ) على البناء للمفعول أيضًا (بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ) بلام مشددة وهمزة ساكنة، الدِّرع (قَالَ سُفْيَانُ) الراوي (يَعْنِي السِّلاَحَ) وقال ابنُ الأثير اللأمة الدِّرع، وقيل السِّلاح وَلأْمَةُ الحرب أداته، وقد تُترك الهمزة تخفيفًا (فَوَعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَقَتَلُوهُ) أي فأتوه فقتلوه (ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ) واختلفوا في كيفية قتله على وجهين
أحدهما ما ذكره البخاري ومسلم أيضًا في باب «قتل كعب بن الأشرف»
ج 11 ص 488
في «كتاب المغازي» [خ¦4037] وهو قوله قال يا رسول الله! أتحبُّ أن أقتله؟ قال نعم، قال فأذن لي أن أقول شيئًا، قال قل، فأتاه محمَّد بن مسلمة، فقال إنَّ هذا الرَّجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عَنَّانا، وإني قد أتيتك أستسلفك، قال وأيضًا والله لتملَّنَّه، قال إنَّا قد اتبعناه فلا نحبُ أن ندعه حتَّى ننظرَ إلى أيِّ شيءٍ يصير شأنه، وقد أردنا أن تُسلفنا وسقًا أو وسقين، فقال نعم أرهنوني. قال أيَّ شيء تريد؟ قال أرهنوني نساءكم، قالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجملُ العرب؟ قال فارهنوني أبناءكم، قالوا كيف نرهنك أبناءنا فيُسبُّ أحدهم فيُقال رُهن بوَسق أو بوَسْقين هذا عارٌ علينا، ولكنَّا نرهنك اللأمة. فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرَّضاعة، فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم، فقالت له امرأته أين تخرج هذه السَّاعة؟ قال إنَّما هو محمَّد بن مسلمة وأخي أبو نائلة، قالت أسمع صوتًا كأنَّه يقطر منه الدَّم، قال إنَّما هو أخي محمَّد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إنَّ الكريم لو دُعي إلى طعنةٍ بليلٍ لأجاب.
قال عَمرو وجاء معه برجلين فقال إذا ما جاء فإنِّي قائلٌ بشَعَرِه فأشمُّه، فإذا رأيتموني استمكنتُ من رأسه فدونكم فاضربوه، فنزل إليهم متوشِّحًا وهو ينفحُ منه ريح الطِّيب فقال ما رأيت كاليوم ريحًا _ أي أطيب _ قال عندي أعطر نساء العرب وأكملُ العرب، فقال أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال نعم، فشمَّه ثمَّ أشمَّ أصحابه ثمَّ قال أتأذن لي؟ قال نعم، فلمَّا استمكنَ منه قال دونكم فقتلوه، ثمَّ أتوا النَّبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه.
والوجه الثَّاني ما ذكره محمَّد بن إسحاق وغيره لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من لكعب بن الأشرف؟ ) )قال محمَّد بن مسلمة أنا، فرجع محمَّد بن مسلمة فأقام ثلاثًا لا يأكل ولا يشرب، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهُ فقال (( ما الذي منعكَ من الطَّعام والشَّراب؟ ) )فقال لأنِّي قلت قولًا ولا أدري أفي به أم لا، فقال (( إنَّما عليك الجهد ) )
ج 11 ص 489
فقال يا رسول الله! لا بدَّ لنا أن نقول شيئًا، فقال (( قولوا ما بدا لكم فأنتم في حلٍّ من ذلك ) ).
وقال محمَّد بن إسحاق فاجتمع في قتله محمَّد بن مسلمة وسِلكان بن سلامة بن وَقْش وهو أبو نائلة الأشهليّ، وكان أخًا لكعب من الرَّضاعة، وعبَّاد بن بشر بن وقش الأشهلي، وأبو عيسى بن جبر أخو بني حارثة، والحارث بن أوس، وقدموا إلى ابن الأشرف قبل أن يأتوا سِلكان بن سلامة أبا نائلة، فجاء محمَّد بن مسلمة فتحدَّث معه ساعة وتناشدا شعرًا، ثمَّ قال ويحك يا ابنَ الأشرف إنِّي قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عليَّ، قال أفعل، قال كان قدوم هذا الرَّجل علينا بلاء من البلاء عادَتْنا العرب ورمونا عن قوس واحد، وقطعت عنَّا السُّبل حتَّى جاع العيال، وجهدت الأنفسُ، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا، فقال أنا والله قد أخبرتكم أنَّ الأمر سيصير إلى هذا.
ثمَّ جاءه من ذكرناهم فقال له سِلكان إنِّي أردتُ أن تبيعنا طعامًا ونرهنُك ونوثقك ونحسنُ في ذلك، فقال أترهنوني أبنائكم؟ قال لقد أردت أن تفضحنا إنَّ معي أصحابًا على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتُحسن في ذلك، ونرهنُك من الحلقة، يعني السِّلاح ما فيه وفاء، فقال كعب إنَّ في الحلقة لوفاء، فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم فأخذوا السِّلاح وخرجوا يمشون، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم إلى البقيع يدعو لهم، وقال (( انطلقوا على اسم الله وبركته ) ).
وكانت ليلة مقمرة ورجعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرته، وساروا حتَّى انتهوا إلى حصنهِ، فهتف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعُرس، فوثبَ في ملحفة له، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت إلى أين في هذه السَّاعة؟ فقال إنَّه أبو نائلة لو وجدني نائمًا أيقظني، فقالت والله! إنِّي لأعرف في صوته الشَّر، فقال لها كعب إنَّ الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب [2] ، فقالوا تعال إلى شعبِ العجوز نتحدَّث به بقيَّة ليلتنا هذه، قال نعم
ج 11 ص 490
إن شئتم. فخرجوا يتماشون، فآخر الأمر أخذ أبو نائلة بفود رأسه فقال اضربوا عدوَّ الله فضربوه، فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغنِ شيئًا.
قال محمَّد بن مسلمة فذكرتُ مِغْوَلًا في سَيفي _ والمغولُ السَّيف الصَّغير _ فوضعتُه في ثُنَّتِه، فتحاملتُ عليه حتَّى بلغ عانته، وصاح عدُّو الله صيحةً لم يبقَ حولنا حصن إلَّا أوقد عليه نار، ووقع عدوُّ الله، وجئنا آخر اللَّيل إلى رسول لله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلِّي، فأخبرناه بقتلهِ ففرحَ ودعا لنا.
وحكى الطَّبراني عن الواقديِّ قال جاؤوا برأسِ كعب بن الأشرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي كتاب «شرف المصطفى» أنَّ الذين قتلوا كعبًا حملوا رأسه في المِخْلاة إلى المدينة، فقيل إنَّه أوَّل رأس حمل في الإسلام، وقيل بل رأس أبي عزَّة الجُمحي الذي قال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لا يُلْدغ المؤمنُ من جُحْر مرَّتين ) ) [خ¦6133] ، فقُتل وحمل رأسه إلى المدينة في رُمحٍ.
وأما أوَّل مسلم حُمل رأسه في الإسلام فعمر بن الحَمِق وله صحبة، فإن قلت كيف قتلوا كعبًا على وجه الغِرَّة والخداع؟
فالجواب أنَّه لما قدم مكَّة، وحرض الكفَّار على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وشبَّب بنساء المسلمين فقد نقضَ العهد، وإذا نقض العهد وجب قتله بأيِّ طريقٍ كان، وكذا من يجري مجراهُ كأبي رافع وغيره.
وقال المهلَّب لم يكن كعب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كان ممتنعًا بقومه في حصنه، ولو كان أيضًا في عهدٍ فقد نقضه بالأذى، فمن لام النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقد كذَّب الله تعالى فيما قال {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} [الذاريات 54] .
وقال المازري إنَّما قتله؛ لأنَّه نقضَ العهد وجاء مع أهل الحرب معينًا عليه، ثمَّ إنَّ ابن مسلمة لم يؤمِّنه، لكنَّه كلَّمه في البيع والشِّراء فاستأنسَ به، فتمكَّن منه من غير عهدٍ ولا أمانٍ، وقد قال رجلٌ في مجلس عليٍّ رضي الله عنه إنَّ قَتْله كان غدرًا، فأمر بقتله فضُرِبتْ عُنقه؛ لأنَّ الغدر إنَّما يتصوَّر بعد أمانٍ صحيحٍ، وقد كان كعب مناقضًا للعهد هذا.
قال ابن بطَّال ليس في قولهم نرهنك اللَّأمة، دَلالة على جواز رهن السِّلاح
ج 11 ص 491
عند الحربي، وإنَّما كان ذلك من معاريض الكلام المباحة في الحرب وغيره.
وقال السُّهيلي في قوله (( مَنْ لكعب بن الأشرف؟ ) )جواز قتل من سبَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم وإن كان ذا عهد؛ خلافًا لأبي حنيفة فإنَّه لا يرى بقتل الذمِّي في مثل هذا.
وتعقَّبه العيني وقال من أين يُفهم من الحديث جواز قتل الذِّمِّي بالسَّب، ولكن أنا معه في جواز قتل السَّاب مطلقًا. هذا قال ابن التِّين ليس في الحديث ما بوَّب له؛ لأنَّهم لم يقصدوا إلَّا الخديعة، وإنَّما يُؤخَذ جواز رهن السِّلاح من الحديث الذي قبله، وإنَّما يجوزُ رهنه وبيعه عند من يكون له ذمَّة أو عهد باتِّفاق، وكان لكعب عهدٌ، ولكنَّه نكثَ ما عاهد عليه من أنَّه لا يُعِين على النَّبي صلى الله عليه وسلم فانتقضَ عهده بذلك، وقد أعلنَ النَّبي صلى الله عليه وسلم بأنه آذى الله ورسوله.
وأُجيب بأنَّه لو لم يكن معتادًا عندهم رهن السِّلاح عند أهل العهد لمَّا عرضوه عليه، إذ لو عرضوا عليه ما لم تجرِ به عادتهم لاسترابَ بهم وفاتهم ما أرادوا من مَكيدته، فلمَّا كانوا بصددِ المخادعة له أوهموهُ بأنَّهم يفعلون ما يجوزُ لهم عندهم فعله، ووافقَهُم على ذلك لِمَا عهده من صدقِهِم فتمَّتِ المكيدة بذلك، وأمَّا كون عهدهِ انتقض فهو في نفس الأمر، لكنَّه ما أعلنَ بذلك ولا أعلنوا له به، وإنَّما وقعت المحاورة بينهم على ما يقتضيهِ ظاهر الحال.
هذا وقال العيني ليس في لفظ التَّرجمة ما يدلُّ على جوازِ رهن السِّلاح، ولا على عدمِ جوازه؛ لأنَّه أطلق، فتكون المطابقة بينه وبين التَّرجمة في قوله «ولكنَّا نرهنك اللَّأمة» ؛ أي السِّلاح بحسبِ ظاهر الكلام، وإن لم يكن في نفسِ الأمر حقيقة الرَّهن، وهذا المقدار كافٍ في وجهِ المطابقة.
والحديث أخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦4037] ، وفي «الجهاد» أيضًا [خ¦3031] ، وأخرجه مسلم في «المغازي» ، وأبو داود في «الجهاد» ، والنَّسائي في «السِّير» .
[1] في هامش الأصل قوله من الوافر، هكذا قال ابن إسحاق وهو سهو، والصواب أن يقول من الكامل كما لا يخفى. منه.
[2] في هامش الأصل في نسخة لو دعي الفتى إلى طعنة بليل لأجاب. وهذا لفظ العمدة.