فهرس الكتاب

الصفحة 3959 من 11127

2526 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) واسم أبي رجاء عبد الله بن أيُّوب، وأحمد يُكنى بأبي الوليد الحنفي الهروي، وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان القرشي الكوفي صاحب الثَّوري، قال (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بن يزيد البصري (قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دعامة (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة (عَنْ بَشِيرِ) بفتح الموحدة وكسر المعجمة (ابْنِ نَهِيكٍ) بفتح النون وكسر الهاء (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا) بفتح الشين وكسر القاف؛ أي نصيبًا (مِنْ عَبْد) .

2527 - (ح) تحويل من سند إلى سند آخر (وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) على صيغة التَّصغير من الزَّرع، قال (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا _ أَوْ شَقِيصًا _) شكٌّ من الرَّاوي (فِي مَمْلُوكٍ فَخَلاَصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلاَّ) أي وإن لم يكن له مال (قُوِّمَ عَلَيْهِ) أي على العبد (فَاسْتُسْعِيَ بِهِ) أي كلِّف العبد باكتسابه، والفعلان على البناء للمفعول حال كون العبد؛ أي المملوك (غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ. تَابَعَهُ) أي تابع سعيد بن أبي عَروبة (حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ) على وزن فعَّال بالتشديد فيهما، الأسلمي الباهلي البصري الأحول (وَأَبَانُ) بن يزيد (وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ) بالخاء المعجمة واللام المفتوحتين، العَمِّي _ بفتح العين وتشديد الميم _ كان يعدُّ من البدلاء.

(عَنْ قَتَادَةَ، اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ) كأنَّه جواب عن سؤال مقدَّر هو أنَّ شعبة أحفظ النَّاس لحديث قتادة فَلِمَ لم يذكر الاستسعاء؟ فأجاب بأنَّه اختصره، وذلك لا يوجب ضعفًا في ذلك الباب، ورواية شعبة أخرجها مسلم والنَّسائي من طريق غندر عنه عن قتادة بإسناده ولفظه «عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في المملوك بين الرَّجلين فيعتق أحدهما نصيبه قال يضمن» .

ج 11 ص 525

ومن طريق معاذ عن شعبة بلفظ «من أعتق شقصًا من مملوك فهو حرٌّ من ماله» ، وكذا أخرجه أبو عَوانة من طريق الطَّيالسي عن شعبة، وأبو داود من طريق روح عن شعبة بلفظ «من أعتق مملوكًا بينه وبين آخر فعليه خلاصه» .

وأمَّا رواية حجَّاج فهو في نسخة من رواية أحمد بن حفص أحد شيوخ البخاري عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان، عن حجَّاج، وفيها ذكر السِّعاية. ورواه عن قتادة أيضًا حجَّاج بن أرطاة. أخرجه الطَّحاوي.

وأمَّا رواية أبان فأخرجها أبو داود والنَّسائي من طريقه قال حدَّثنا قتادة أخبرنا النَّضر بن أنس ولفظه (( فإنَّ عليه أن يعتق بقيته إن كان له مال، وإلا استسعي العبد ... ) )الحديث. ولأبي داود (( فعليه أن يعتقه كله والباقي سواء ) ). وأمَّا رواية موسى بن خلف فوصلها الخطيب في كتاب «الفصل والوصل» من طريق أبي ظَفَر عبد السَّلام بن مظهر عنه عن قتادة عن النَّضر ولفظه (( من أعتق شقصًا له في مملوك فعليه خلاصه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعي غير مشقوق عليه ) ).

ثمَّ إن المؤلِّف رحمه الله أراد بذكر هذه المتابعات الرَّد على من زعم أنَّ الاستسعاء في هذا الحديث غير محفوظ، وأنَّ سعيد بن أبي عَروبة تفرَّد به فاستظهر له برواية جرير بن حازم بموافقته، ثمَّ ذكر ثلاثة تابعوهما على ذكر الاستسعاء.

هذا وقد اختصر ذكر السِّعاية أيضًا هشام الدَّستوائي عن قتادة إلَّا أنَّه اختلف عليه في إسناده، فمنهم من ذكر فيه النَّضر بن أنس، ومنهم من لم يذكره، وأخرجه أبو داود والنَّسائي بالوجهين، ولفظ أبي داود والنَّسائي من طريق معاذ بن هشام عن أبيه (( من أعتق نصيبًا له في مملوك عتق من ماله ... ) )، ولم يختلف على هشام في هذا القدر من المتن.

وغفل عبد الحقِّ فزعم أنَّ هشامًا وشعبة لم يذكرا الاستعساء وفصلاه، وتَعقَّب ذلك عليه ابنُ الموَّاق فأجاد. وبالغَ ابن العربي فقال اتَّفقوا على أنَّ ذكر الاستسعاء ليس من قول النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما هو من قول قتادة.

ونقل الخلَّال

ج 11 ص 526

في «العلل» عن أحمد أنَّه ضعَّف رواية سعيد في الاستسعاء، وضعَّفه أيضًا الأثرم عن سليمان بن حرب، واستند إلى أنَّ السبب للاستسعاء أن لا يدخل على الشَّريك ضرر، فلو كان الاستسعاء مرفوعًا لزم أن يعطيه في كلِّ شهر درهمين، وذلك غاية الضَّرر على الشَّريك. انتهى. وبمثل هذا لا تردُّ الأحاديث الصَّحيحة.

وقال النَّسائي بلغني أنَّ همامًا رواه فجعل هذا الكلام؛ أي الاستسعاء من قول قتادة، وقال الإسماعيلي قوله (( ثمَّ استسعي العبد ) )، ليس في الخبر مسندًا، وإنَّما هو من قول قتادة مدرجٌ في الخبر على ما رواه همَّام. وقال ابن المنذر والخطَّابي هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة ليس في متن الحديث.

قال الحافظ العسقلاني ورواية همَّام قد أخرجها أبو داود عن محمَّد بن كثير عنه عن قتادة، لكنَّه لم يذكر الاستسعاء أصلًا ولفظه (( أنَّ رجلًا أعتق شقصًا من غلام، فأجاز النَّبي صلى الله عليه وسلم عتقه وغرمه بقيَّة ثمنه ) ).

نعم رواه عبد الله بن يزيد المقرئ عن همَّام فذكر فيه السِّعاية وفصَّلها من الحديث المرفوع، أخرجه الإسماعيلي وابن المنذر والدَّارقطني والخطَّابي والحاكم في «علوم الحديث» ، والبيهقي والخطيب في «الفصل والوصل» كلهم من طريقه ولفظه مثل رواية محمَّد بن كثير سواء وزاد قال فكان قتادة يقول (( إن لم يكن له مال استُسعي العبد ) ). قال الدَّارقطني سمعت أبا بكر النِّيسابوري يقول ما أحسن ما رواه همَّام ضبطه وفصل بين قول النَّبي صلى الله عليه وسلم وبين قول قتادة، هكذا جزم هؤلاء بأنَّه مدرج.

وأبى ذلك آخرون منهم صاحبا الصَّحيح فصحَّحا كون الجميع مرفوعًا، وهو الذي رجَّحه ابن دقيق العيد وجماعة؛ لأنَّ سعيد بن أبي عَروبة أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له، وكثرة أخذه عنه من همَّام وغيره، وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد لكنَّهما لم ينفيا ما رواه، وإنَّما اقتصرا من الحديث على بعضه، وليس المجلس متَّحدًا حتَّى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة

ج 11 ص 527

سعيد لقتادة كانت أكثر منهما، فسمع منه ما لم يسمعه غيره، وهذا كله لو انفرد، وسعيد لم ينفرد.

وقد قال النَّسائي في حديث أبي قتادة عن أبي المليح في هذا الباب بعد أن ساق الاختلاف فيه على قتادة هشام وسعيد أثبت في قتادة من همَّام، وما أعلَّ به حديث سعيد من كونه اختلط أو تفرَّد به مردود؛ لأنه في «الصَّحيحين» وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زُريع، ووافقه عليه أربعة تقدَّم ذكرهم وآخرون معهم ممَّا لا نطيل بذكرهم.

وهمَّام هو الذي انفرد بالتَّفصيل، وهو الذي خالف الجميع في القدر المتَّفق على رفعه، فإنه جعله واقعة عين وهم جعلوه حكمًا عامًّا، فدلَّ على أنَّه لم يضبطه كما ينبغي.

والعجب ممَّن طعن في رفع حديث الاستسعاء بكون همَّام جعله من قول قتادة، ولم يطعن فيما يدلُّ على ترك الاستسعاء وهو قوله في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الباب الماضي (( وإلا فقد عتق منه ما عتق ) ) [خ¦2524] بكون أيُّوب جعله من قول نافع كما تقدَّم، ففصل قول نافع من الحديث وميَّزه كما صنع همَّام سواء، فلم يجعلوه مدرجًا كما جعلوا حديث همَّام مدرجًا، مع كون يحيى بن سعيد وافق أيُّوب في ذلك، وهمَّام لم يوافقه أحد.

وقد جزم بكون حديث نافع مدرجًا محمَّد بن وضاح وآخرون، والذي يظهر أن الحديثين صحيحان مرفوعان وفاقًا لعمل صاحبي الصَّحيح.

وقال ابن الموَّاق والإنصاف أن لا يُوهَّم الجماعة بقول واحد مع احتمال أن يكون سمع قتادة يفتي به، فليس بين تحديثه به مرَّة وفتياه به أُخرى منافاة.

قال الحافظ العسقلاني ويُؤيِّد ذلك أنَّ البيهقي أخرج من طريق الأوزاعي عن قتادة أنَّه أفتى بذلك، والجمعُ بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم؛ بخلاف ما جزم به الإسماعيلي.

قال ابنُ دقيق العيد حسبك بما اتَّفق عليه الشَّيخان فإنه أعلى درجات الصَّحيح، والذين لم يقولوا بالاستسعاء تعلَّلوا في تضعيفه بتعليلات لا يمكنهم

ج 11 ص 528

الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون في الاستدلال فيها بأحاديث يردُّ عليها مثل تلك التَّعليلات، وكأنَّ البخاري خشي من الطَّعن في رواية سعيد بن أبي عَروبة فأشار إلى ثبوتها بإشارات خفيَّة كعادته، فإنَّه أخرجه من رواية يزيد بن زُريع [خ¦2527] وهو من أثبت النَّاس فيه، وسمع منه قبل الاختلاط، ثمَّ استظهر له برواية جرير بن حازم [خ¦2526] بمتابعته لينفي عنه التفرُّد، ثمَّ أشار إلى أنَّ غيرهما تابعهما ثمَّ قال اختصره شعبة [خ¦2527] ، وكأنَّه جواب عن سؤال مقدَّر، وهو أن شعبة أحفظ النَّاس لحديث قتادة فكيف لم يذكر الاستسعاء؟

فأجاب بأنَّ هذا لا يؤثر فيه ضعفًا؛ لأنه أورده مختصرًا وغيره بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، والله تعالى أعلم.

وقد وقع ذكر الاستسعاء في غير حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه الطَّبراني من حديث جابر رضي الله عنه، وأخرجه البيهقي من طريق خالد بن أبي قِلابة، عن رجل من بني عذرة، وعمدة من ضعَّف حديث الاستسعاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قوله (( وإلَّا فقد عتق منه ما عتق ) )، وقد تقدَّم أنه في حقِّ المعسر، وأنَّ المفهوم من ذلك الجزء الذي لشريك المعتق باق على حكمه الأوَّل، وليس فيه التَّصريح بأنه يستمر رقيقًا، ولا فيه التَّصريح بأنه يعتق كله.

وقد احتجَّ بعض من ضعَّف رفع الاستسعاء بزيادة وقعت في الدَّارقطني وغيره من طريق إسماعيل بن أميَّة وغيره عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال في آخره (( ورقَّ منه ما بقي ) )، وفي إسناده إسماعيل بن مرزوق الكعبي وليس بالمشهور عن يحيى بن أيُّوب، وفي حفظه شيء عنهم.

وعلى تقدير صحَّتها فليس فيها أنه يستمر رقيقًا، بل هي مقتضى المفهوم من رواية غيره، وحديث الاستسعاء فيه بيان الحكم بعد ذلك، فللذي صحَّح رفعه أن يقول معنى الحديثين أنَّ المعسر إذا أعتق حصَّته لم يَسْرِ العتقُ في حصَّة شريكه بل تبقى حصَّة شريكه على حالها وهي الرق، ثمَّ يستسعي في عتق نفسه، فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده ويدفعه إليه ويعتق، وجعلوه في ذلك كالمكاتب، وهو الذي جزم به البخاري.

والذي يظهر أنَّه في ذلك باختياره لقوله

ج 11 ص 529

(( غير مشقوق عليه ) )، فلو كان ذلك على سبيل اللُّزوم بأن يكلف العبد الاكتساب والطَّلب حتَّى يحصل ذلك لحصل له بذلك غاية المشقَّة، وهو لا يلزم في الكتابة بذلك عند الجمهور؛ لأنَّها غير واجبة فهذه مثلها.

وإلى هذا الجمع مال البيهقيُّ وقال لا يبقى بين الحديثين معارضة أصلًا، وهو كما قال، إلَّا أنَّه يلزم منه أن يبقى الرِّق في حصَّة الشَّريك إذا لم يختر العبد الاستسعاء، فيعارضُه حديث أبي المليح عن أبيه أنَّ رجلًا أعتق شقصًا له من غلام، فذكر ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( ليس لله شريك ) )، وفي رواية (( فأجاز عتقه ) ). أخرجه أبو داود والنَّسائي بإسنادٍ قويٍّ، وأخرجه أحمد بإسناد حسنٍ من حديث سَمُرة أنَّ رجلًا أعتق شقصًا له في مملوك، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( هو كله، فليس لله شريك ) ).

ويمكن حمله على ما إذا كان المعتق غنيًّا، أو على ما إذا كان جميعه له فأعتق بعضه، فقد روى أبو داود من طريق ملقام بن التلب [1] عن أبيه أنَّ رجلًا أعتق نصيبه من مملوك فلم يضمنه النَّبي صلى الله عليه وسلم. وإسناده حسن، وهو محمول على المعسر وإلَّا لتعارضا.

وجمع بعضهم بطريق أخرى فقال أبو عبد الملك المراد بالاستسعاء أنَّ العبد يستمر في حصَّة الذي لم يعتق رقيقًا فيسعى في خدمته بقدر ما له فيه من الرِّق، قالوا ومعنى قوله (( غير مشقوق عليه ) )؛ أي من جهة سيِّده المذكور فلا تكلفه من الخدمة فوق حصَّة الرِّق، لكن يرد على هذا الجمع قوله في الرِّواية المتقدِّمة (( واستسعى في قيمته لصاحبه ) ).

واحتجَّ من أبطل الاستسعاء بحديث عمران بن حصين عند مسلم أنَّ رجلًا أعتق ستَّة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثًا، ثمَّ أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة.

ووجه الدَّلالة منه أنَّ الاستسعاء لو كان مشروعًا لنجز من كلِّ واحد منهم عتق ثلثه، وأمره بالاستسعاء في بقيَّة قيمته لورثة الميِّت.

وأجاب من أثبت الاستسعاء بأنَّها واقعة عين، فيحتمل أن يكون قبل مشروعيَّة الاستسعاء، ويحتمل أن يكون الاستسعاء مشروعًا إلَّا في هذه الصُّور وهي ما إذا أعتق

ج 11 ص 530

جميع ما ليس له أن يعتقه.

وقد أخرج عبد الرَّزَّاق بإسناد رجاله ثقات عن أبي قلابة، عن رجل من بني عذرة أنَّ رجلًا منهم أعتق مملوكًا له عند موته، وليس له مال غيره فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثه، وأمره أن يَستسعي في الثُّلثين، وحديث عمران، وطريق الجمع بينهما ممكن.

واحتجُّوا أيضًا بما رواه النَّسائي من طريق سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ (( من أعتق عبدًا وله فيه شركاء وله وفاء فهو حرٌّ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته لما أساء من مشاركتهم، وليس على العبد شيء ) ).

والجواب مع تسليم صحَّته أنه مختصٌّ بصورة اليسار لقوله فيه (( وله وفاء ) )، والاستسعاء إنَّما هو في صورة الإعسار، كما تقدَّم فلا حجَّة فيه.

وقد ذهب إلى الأخذِ بالاستسعاء إذا كان المعتق معسرًا أبو حنيفة وصاحباه والأوزاعي والثَّوري وإسحاق وأحمد في رواية وآخرون، ثمَّ اختلفوا فقال الأكثر يعتق جميعه في الحال ويستسعي العبد في تحصيل قيمة نصيب الشَّريك، وزاد ابن أبي ليلى فقال ثمَّ يرجع العبد على المعتق الأوَّل بما أدَّاه للشَّريك.

وقال أبو حنيفة وحده يتخيَّر الشَّريك بين الاستسعاء وبين عتق نصيبه، وهذا يدلُّ على أنَّه لا يعتق عنده ابتداء إلا النَّصيب الأوَّل فقط، وهو موافقٌ لما جنح إليه البخاري من أنَّه يصير كالمكاتب وقد تقدَّم توجيهه.

وعن عطاء يتخيَّر الشَّريك بين ذلك وبين إبقاء حصَّته في الرِّق، وخالف الجميع زفر فقال يعتق كله وتقوم حصَّة الشَّريك فيؤخذ إن كان المعتق موسرًا، ويترتَّب في ذمَّته إن كان معسرًا، وقد تقدَّم التفصيل في ذلك، والله تعالى أعلم.

ثمَّ إنَّ في ثبوت الاستسعاء حجَّة على ابن سيرين حيث قال يعتق نصيب الشَّريك الذي لم يعتق من بيت المال.

وفي الحديث أيضًا حجَّة على ربيعة حيث قال لا ينفذ عتق الجزء من موسر ولا معسر، وكأنَّه لم يثبت عنده الحديث، وعلي بن بُكير بن الأشجِّ حيث قال إنَّ التقويم يكون عند إرادة العتق لا بعد صدوره.

فائدة قال ابن بطَّال قيل الحكمة في التقويم على الموسر أن تكمل حرمة العبد ليتمَّ شهادته وحدوده قال والصَّواب أنَّها

ج 11 ص 531

لاستكمال إنقاذ المعتق من النَّار.

وقال الحافظ العسقلاني وليس القول المذكور مردودًا، بل هو محتمل أيضًا، ولعلَّ ذلك أيضًا هو الحكمة في مشروعيَّة الاستسعاء، والله أعلم.

[1] في هامش الأصل في نسخة لعام بن الثلب والمثبت موافق للفتح ولأي داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت