2528 - (حَدَّثَنَا) ويروى بالإفراد (الْحُمَيْدِيُّ) بضم الحاء، نسبة إلى حُميد أحد أجداده، وهو عبد الله بن الزُّبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة بن عبد الله بن الزُّبير بن حُميد، أبو بكر،
ج 11 ص 535
قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السين المهملة، ابن كِدَام (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ زُرَارَةَ) بضم الزاي وتخفيف الراء (ابْنِ أَوْفَى) بلفظ أفعل التفضيل، العامري البصري قاضيها، مات فجأة سنة ثلاث وتسعين، وقيل كان يصلِّي صلاة الصُّبح فقرأ {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر 1] إلى أن بلغ {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [المدثر 8] خرَّ ميِّتًا، وهو من ثقات التَّابعين، وليس له في البخاري إلَّا أحاديث يسيرة.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه قال (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ) أي عفا (لِي) أي لأجلي، وفي رواية التِّرمذي (( تجاوز الله لأمَّتي ) ) (عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورهَا) في محل النصب على المفعولية، وكلمة «ما» موصولة «ووسوست» صلتها، و «به» عائد إلى «ما» ، و «صدورها» بالرفع فاعل و «سوست» ، وفي رواية الأَصيلي بالنصب، على أنَّ «وسوست» تضمَّن معنى حدَّثت، وحينئذٍ يكون فاعل «وسوست» مضمرًا يعود إلى الأمَّة، ويأتي في «الطَّلاق» بلفظ [خ¦5269] (( ما حدَّثت به أنفسها ) )، وهو المشهور. وفي رواية التِّرمذي (( عمَّا حدَّثت به أنفسها ) ).
وقال الطحَّاوي وأهل اللُّغة يقولون أنفُسُها _ بالضم _ يريدون بغير اختيارها، كما قال تعالى {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق 16] .
واعتُرِض عليه بأنَّ قوله بالضم، ليس بجيِّد، بل الصَّواب بالرفع؛ لأنها حركة إعراب وليس بذاك؛ لأنَّ الرفع هو الضم في الأصل، غاية ما في الباب أن النُّحاة يستعملون في الإعراب الرفع، وفي البناء الضم على أنَّه يستعمل كلٌّ منهما موضع الآخر خصوصًا عند الفقهاء.
والوسوسة حديث النَّفس، وقد وسوست إليه نفسه وَسْوَسة ووِسْوَاسًا _ بالكسر _ وهو بالفتح الاسم، وقد يُقال لصوت الحُلِيِّ أيضًا. قال الشَّاعر
~إنْ قِيْلَ شِعْرُك وُسْوَاسٌ هَذَيْتَ بِهِ فَقَد يُقَال لِصَوتِ الحُلِيِّ وَسْوَاسُ
ووسوس إذا تكلم بكلام لم يتبيَّنه. حاصله أنَّ الوسوسة تردُّد الشَّيء في النفس من غير أن تطمئن إليه وتستقرَّ عنده، ولهذا فرَّق العلماء بين الهمِّ والعزم، كما سيأتي الكلام عليه في حديث (( من همَّ بحسنة ) ) [خ¦6491] .
(مَا لَمْ تَعْمَلْ) في العمليات، ويأتي في «النُّذور» [خ¦6664] (( ما لم تعمل به ) )
ج 11 ص 536
(أَوْ تَكَلَّمْ) في القوليات، والمراد نفي الحرج عمَّا يقع في النَّفس حتَّى يقع العمل بالجوارح، أو القول باللِّسان على وفق ذلك.
وقال ابنُ العربي إنَّ المراد بقوله (( ما لم تكلَّم ) )الكلام النَّفسي، إذ هو الكلام الأصلي، وأنَّ القول الحقيقي هو الموجودُ بالقلب الموافق للعلم، ورُدَّ عليه بأنَّه إنَّما قاله تعصُّبًا لما حُكِي من مذهبه من وقوع الطَّلاق بالعزم وإن لم يتلفَّظ به، وحكاه عن رواية أشهب عن مالك في الطَّلاق والعتق والنَّذر أنه يكفي فيه عزمه وجزمه في قلبه بكلامه النَّفسي الحقيقي، ونصر ذلك بأنَّ اللِّسان معبِّرٌ عمَّا في القلب، فما كان يملكه الواحد كالنذر والطَّلاق والعتاق كفى فيه عزمه، وما كان من التصرُّفات بين اثنين لم يكن بدٌّ من ظهور القول، وهذا في غاية البعد.
وقد نقضه الخطَّابي على قائله بالظهار وغيره، فإنَّهم أجمعوا على أنه لو عزم على الظِّهار لم يلزمه حتَّى يلفظ به، قال وهو في معنى الطَّلاق، وكذلك لو حدَّث نفسه بالقذف لم يكن قذفًا، ولو حدَّث نفسه في الصَّلاة لم يكن عليه إعادة، وقد حرم الله تعالى الكلام في الصَّلاة، فلو كان حديث النَّفس في معنى الكلام لكانت صلاته تبطل.
وقال عمر رضي الله عنه إنِّي لأجهِّز جيشي وأنا في الصَّلاة. وممَّن قال بأن طلاق النَّفس لا يُؤثِّر عطاء بن أبي رباح وابن سيرين والحسن وسعيد بن جبير والشَّعبي وجابر بن زيد وقتادة والثَّوري وأبو حنيفة وأصحابه والشَّافعي وأحمد وإسحاق.
وفي الحديث أن هذا التَّجاوز من خصائصِ هذه الأمَّة، وأن الأمم المتقدِّمة كانوا يُؤاخذون بذلك. وقد اختلف هل كان ذلك يؤاخذ به في أوَّل الإسلام ثمَّ نُسِخ وخُفَّف ذلك عنهم أو تخصيص وليس بنسخٍ، وذلك قوله تعالى {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة 284] فقد قال غير واحد من الصَّحابة منهم أبو هريرة وابن عبَّاس رضي الله عنهم إنها منسوخة بقوله تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة 286] .
فإن قيل قالوا من عزم على المعصية بقلبه
ج 11 ص 537
وإن لم يعملها يُؤاخذ عليه؟
وأُجيب بأنَّه لا شكَّ أنَّ العزم على المعصية وسائر الأعمال القلبيَّة كالحسد ومحبَّة إشاعة الفاحشة يُؤاخذ عليه، لكن إذا وطَّن نفسه عليه، والذي في الحديث هو ما لم يُوطِّن عليه نفسه، وإنَّما أمر ذلك بفكره من غير استقرارٍ، ويُسمَّى هذا همًّا ويُفرَّق بين الهمِّ والعزم.
فإن قيل المفهوم من لفظ «ما لم تعمل» [مشعرٌ] أنَّ ما في الصَّدر موطنًا أو غير موطن لا يؤاخذ عليه، فالجواب أنَّه يجب الحمل على غير الموطن جمعًا بينه وبين ما يدلُّ على المؤاخذة، كقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} [النور 19] الآية، وأيضًا لفظ «الوسوسة» لا يستعمل إلا عند التردُّد والتزلزل.
وقال القاضي عياض الهمُّ ما يمر في الفكر من غير استقرار ولا توطن، فإن استمرَّ وتوطَّن كان عزمًا يؤاخذ به ويثاب عليه.
وقال القرطبي الذي ذهب إليه هو الذي عليه عامَّة السَّلف وأهل العلم والفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين، ولا يلتفت إلى من خالفهم في ذلك، فزعم أن ما يهمُّ به الإنسان وإن وطَّن به لا يُؤاخذ به متمسِّكًا في ذلك بقوله تعالى {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} [يوسف 24] ، وبقوله صلى الله عليه وسلم (( ما لم تعمل أو تكلم ) )، ومن لم يعمل بما عزم عليه ولا نطق به فلا.
والجواب عن الآية أنَّ من الهم ما يُؤاخذ به الإنسان وهو ما استقرَّ واستوطن، ومنه ما يكون أحاديث لا تستقر فلا يؤاخذ بها كما شهد به الحديث، والذي يرفع الإشكال ويبيِّن المراد حديث أبي كبشة عمر بن سعد سمع سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثًا فيه قالت الملائكة ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به.
وزعم الطَّبري أنَّ فيه دَلالة على أنَّ الحفظة يكتبون أعمال القلوب خلافًا لمن قال لا يكتبونها ولا يكتبون إلَّا الأعمال الظَّاهرة، وبه استدلَّ بعضُهم على أنَّه إذا كتب بالطَّلاق وقع، من قوله «ما لم تعمل» إذ الكتابة عمل، وهو قول محمَّد بن الحسن، وأحمد بن حنبل، وشرط مالك فيه الإشهاد على الكتابة، وجعله الشَّافعي كناية إن نوى به الطَّلاق وقع وإلَّا فلا، وفرَّق بعضهم بين أن يكتبه في بياض كالرِّق والورق واللَّوح، وبين أن يكتبه على الأرض فأوقعه في الأوَّل دون الثَّاني، وفيه نظر.
ج 11 ص 538
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ الوسوسة لا اعتبار بها عند عدم التوطُّن، وكذلك المخطئ والنَّاسي لا توطين لهما، فافهم.
ورجال إسناد الحديث ما بين مكِّي وكوفي وبصري، وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الطَّلاق» [خ¦5269] ، و «النُّذور» أيضًا [خ¦6664] . وأخرجه مسلم في «الإيمان» ، وأبو داود في «الطَّلاق» ، وكذا التِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه. وزاد ابن ماجه في آخره عن هشام بن عمَّار، عن ابن عيينة (( وما استكرهوا عليه ) ).
قال الحافظ العسقلاني وأظنُّها مدرجة من حديث آخر أدخل هشام حديثًا في حديث، والله أعلم.