فهرس الكتاب

الصفحة 3968 من 11127

2533 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ كانَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ويروى عُتْبة بضم المهملة وسكون الفوقية وبالموحدة، ووقَّاص بتشديد القاف، هو أخو سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه.

(عَهِدَ) أي أوصى وأمر (إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمَعَةَ) بالفتحات الثلاث، ويقال بسكون الميم أيضًا، واسم هذا الابن المنازع فيه هو عبد الرَّحمن(قَالَ عُتْبَةُ إِنَّهُ

ج 11 ص 545

ابْنِي، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)أي مكَّة (زَمَنَ الْفَتْحِ) سنة ثمان من الهجرة (أَخَذَ سَعْدٌ) أي ابن أبي وقَّاص، وهو مرفوع منون (ابْنَ وَلِيدَةِ زَمَعَةَ) منصوب على أنَّه مفعول، وينبغي أن يكتب ابن بالألف (فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمَعَةَ) الباء للتعدية (فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمَعَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَخِي ابْنُ زَمَعَةَ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمَعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ) أي بعتبة (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمَعَةَ) برفع «عبد» ويجوز نصبه، وكذا «ابن» أما في لفظ «عبد» فلأنه منادى مبني على الضم، فإذا أُكِّد أو وصف أو عطف عليه يجوز فيه الوجهان، وأمَّا في «ابن» فلأنه من توابع المنادى المفرد وتوابع المنادى المفرد المعرفة ترفع على لفظه، وتنصب على محله، كما عُرِف في موضعه.

(مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجِبِي مِنْهُ) أي من ابن وليدة زمعة (يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمَعَةَ) هذا مثل قوله «يا عبد بن زمعة» في جواز الوجهين (مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ. وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي قوله صلى الله عليه وسلم (( احتجبي منه يا سودة ) )إشكال للعلماء، فذهب أكثر القائلين بأنَّ الحرام لا يحرِّم الحلال، وأن الزِّنا لا تأثير له في التَّحريم، وهو قول عبد الملك بن الماجشون إلا أنَّ قوله ذلك كان على وجه الاحتياط والتَّنزه، وأن للرَّجل أن يمنعَ امرأته من رؤية أخيها هذا قول الشَّافعي.

وقالت طائفةٌ كان ذلك منه لقطع الذَّريعة بعد حكمه بالظَّاهر، فكأنَّه حكم بحكمين حكم ظاهر وهو الولد للفراش، وحكم باطنٌ وهو الاحتجاب من أجل الشَّبه، كأنَّه قال ليس بأخٍ لك يا سودة إلَّا في حكم الله تعالى، فأمرها بالاحتجاب منه. ومن هذا أخذ أبو حنيفة والثَّوري والأوزاعي

ج 11 ص 546

وأحمد أنَّ وطئ الزِّنا مُحرِّم وموجب للحكم، وأنَّه يجري مجرى الوطئ الحلال في التَّحريم، وحملوا أمره صلى الله عليه وسلم لسودة بالاحتجاب على الوجوب وهو أحدُ قولي مالك.

وفي قوله الآخر الأمر هاهنا للاستحباب وهو قول الشَّافعي وأبي ثور، وذلك لأنَّهم يقولون إن وطئ الزِّنا لا يحرِّم شيئًا ولا يوجب حكمًا. والحديث حجَّة عليهم.

وذُكِر في حكم [أمِّ] الولد سبعة أقوال

الأوَّل يجوز عتقها على مال صرَّح به ابن القصَّار في «فتاويه» .

الثَّاني يجوز بيعها مطلقًا، وقد ذكر الخلاف فيه.

الثَّالث يجوز لسيِّدها بيعها في حياته، فإذا مات عتقت، وحُكِي ذلك عن الشَّافعي.

الرَّابع أنها تباع في الدَّين، وفيه حديث سلامة بن معقل في «سنن أبي داود» .

الخامس أنَّها تباع، ولكن إن كان ولدها موجودًا عند موت أبيه سيِّدها إن كان ثمة مشارك له في التَّركة ويعتق نصيب الولد، وهو مذهب ابن مسعود وابن عبَّاس وابن الزُّبير رضي الله عنهم.

السَّادس أنه يجوز بيعها بشرط العتق، ولا يجوز بغيره.

السَّابع أنَّها إن عقَّت وأبِقَت لم يجز بيعها، وإن فجرتْ أو كفرتْ جاز بيعها حُكِي ذلك عن عمر رضي الله عنه، وحكى المزني عن الشَّافعي التوقُّف.

وقال ابن بطَّال القضيَّة مشكلة من جهة أنَّ عبدًا ادعى على أمة ولدًا بقوله أخي، ولم يأت ببيِّنة تشهد على إقرار أبيه، فكيف قبل دعواه؟ فذهب مالك والشَّافعي إلى أنَّ الأمة إذا وطئها مولاها فقد لزمه كل ولد تجيء به بعد ذلك ادَّعاه أم لا.

وقال الكوفيُّون لا يلزم مولاها إلَّا أن يُقِرَّ به، وقال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( هو لك ) )ولم يقل هو أخوك، فيجوزُ أن يريد به هو مملوكك بحقِّ ما لك عليه من السيد، ولهذا أمر سودة بالاحتجاب منه، فلو جعله صلى الله عليه وسلم ابن زمعة لما حجب منه أخته.

وقال طائفة معناه هو أخوك، كما ادَّعيت، قضاءً منه في ذلك بعلمه؛ لأنَّ زَمَعَة كان صهره، فألحق ولده به لما علمه من فراسته، لا أنَّه قضى بذلك لاستلحاق عبدٍ له.

وقال الطَّحاوي معناه هو لك؛ أي بيدك عليه لا أنَّك تملكه، ولكن تمنع منه كلَّ من سواك كما قال في اللُّقطة (( هي لك ) )أي تَدْفَعُ غيرك عنها حتَّى يجيء

ج 11 ص 547

صاحبها، ولما كان لعبدٍ شريكٌ وهي أخته سودة ولم يعلم منها تصديق في ذلك، ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدًا ما أقرَّ به على نفسه، ولم يجعل ذلك حجَّة على أخته فأمرها بالاحتجاب.

وقال الشَّافعي رؤية ابن زمعة لسودة مباحة، لكنَّه كرهه للشُّبهة، وأمرها بالتنزُّه عنه اختيارًا. وقال الطَّبري «هو لك» ملك يعني عبد؛ لأنه ابن وليدة أبيك، وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد، ولم ينقل في الحديث اعتراف سيدها بوطئها ولا شهد بذلك عليه، فلم يبقَ إلَّا القضاء بأنه عبد تبعًا لأمه.

وأجاب ابن القصَّار بجوابين

أحدهما أنَّه كان يدَّعي عبد بن زمعة أنَّه حر، وأنَّه أخوه وُلِدَ على فراش أبيه، فكيف يقضي له بالملك؟ ولو كان مملوكًا لعتق بهذا القول.

والآخر أنَّه لو قضى له بالملك لم يقل «الولد للفراش» ؛ لأنَّ المملوك لا يلحق بالفراش، ولكان يقول هو ملك لك.

وقال المزني يحتمل أن يكون أجاب فيه على المسألة، فأعلمهم بالحكم أنَّ هذا يكون إذا ادعى صاحب فراش وصاحب زنا، لا أنَّه قبل قول سعد فيه أنَّه ابن أخيه عتبة، ولا قول عبد بن زمعة أنه أخوه؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما أخبر عن غيره، وقد قام الإجماع على أنَّه لا يقبل إقرار أحد على غيره، فحكم بذلك ليعرِّفهم الحكم في مثله إذا نزل، والله أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله «هذا أخي ولد على فراش أبي» ، وحكمه صلى الله عليه وسلم بأنَّه أخوه، فإن فيه ثبوت أميَّة الولد. فإن قلت ليس فيه تعرُّض لحريتها ولا لرقِّيتها.

فالجواب أن التَّرجمة في أمِّ الولد مطلقًا من غير تعرُّض للحكم كما مرَّ في أوَّل الباب [خ¦2533] ، فالمطابقة حاصلة من هذه الحيثية. وقد أجاب ابن المُنيِّر بأنَّ فيه إشارة إلى حرية أمِّ الولد؛ لأنه جعلها فراشًا فسوَّى بينها وبين الزَّوجة في ذلك.

وقال الكرماني زاد في بعض النُّسخ بعد تمام الحديث قال أبو عبد الله سَمَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم أم ولد زمعة أمةً ووليدة، فدلَّ على أنَّها لم تكن عتيقة، ولكن من يحتجُّ بعتقها في هذه الآية {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء 24] له ذلك الحجَّة انتهى. فهو ميل منه إلى أنَّها لا تعتق بموت السيِّد.

ج 11 ص 548

قال الكرماني فإن قلت أين سمَّاها أمةً ووليدة، وكيف وجه الاحتجاج بالعتق في هذه الآية، ولم ذكر [ذلك و] الحجَّة وهي مؤنثة؟

قلت الخصمان كانا يطلقان الأمة والوليدة عليها، والسِّياق يدلُّ عليه فهو جعل تقرير الرَّسول صلى الله عليه وسلم كلامهما في إطلاق ذلك عليها كالتَّسمية، ولما كان الخطاب في {أَيْمَانُكُمْ} للمؤمنين، وزَمَعة لم يكن مؤمنًا لم يكن له ملك اليمين فيكون ما في يده حرَّة لا ملكًا له.

وأمَّا الحجَّة فهي بمعنى الدَّليل أو هي بدل من ذلك، وفي مثل هذه الإشارة إشارة إلى بُعْدِ تلك الحجَّة. ثمَّ قال الكرماني وقد يقال غرض البخاري منه بيان أنَّ بعض الحنفيَّة لا يقولون بأن الولد للفراش في الأمة إذ لا يلحقون الولد بالسيِّد إلا بإقراره، بل يخصصونه بفراش الحرَّة، فإذا أرادوا تأويل ما في الحديث في بعض الرِّوايات من أنَّ الولد للفراش يقولون إنَّ أم الولد المتنازع فيها كانت حرَّة لا أمة.

وهذا الحديث قد مضى في أوائل «كتاب البيوع» ، في باب «تفسير المشبهات» [خ¦2053] ، ومضى الكلام فيه هناك مستقصى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت