2545 - (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ) هو ابن حَيَّان، بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية (الأَحْدَبُ) ضدُّ الأقعس الكوفي (قَالَ سَمِعْتُ مَعْرُورَ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الراء الأولى (ابْنَ سُوَيْدٍ) بصيغة التَّصغير، هو من كبار التَّابعين، يقال عاش مائة وعشرين سنة.
(قَالَ رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ) هي واحدةُ الحلل وهي برودُ اليمن، ولا تسمَّى حلَّة إلَّا أن تكون ثوبين من جنسٍ واحدٍ.
(وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا) قيل هو بلالٌ رضي الله عنه (فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟!) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار؛ أي نسبته إلى العار، وفي قوله (( بأمه ) )ردٌّ على من زعم أنَّه لا يتعدَّى بالباء، وإنَّما يقال عيَّرته أمه، ومثل الحديث قول الشاعر
~أَيُّهَا الشَّابُّ المُعَيَّر بِالدَّهْرِ
والعار العيب.
(ثُمَّ قَالَ إِنَّ إِخْوَانَكُمْ) المراد إخوة الإسلام أو النَّسب؛ لأنَّ النَّاس كلَّهم بنو آدم عليه السَّلام
ج 11 ص 576
(خَوَلُكُمْ) بفتح المعجمة والواو وباللام؛ أي خَدَمكم وحَشَمكم، وواحده الخائل، وقد يكون واحدًا ويقعُ على العبد والأمة سُمُّوا بذلك؛ لأنَّهم يتخوَّلون الأمور؛ أي يصلحونها، ومنه الخولي جمع خائل، وهو الرَّاعي، وقيل التَّخويل التَّمليك، يُقال خوَّلك الله كذا؛ أي ملَّكك إيَّاه، وفي تقديم لفظ «إخوانكم» على «خولكم» إشارةٌ إلى الاهتمام بالأخوَّة، وتقدَّم في «الإيمان» من وجهٍ آخر عن شعبة بزيادة [خ¦30] (( إنَّك امرؤ فيك جاهليَّة إخوانكم خولكم ) )، والاختصار فيه من آدم شيخ البخاري فإنَّ البيهقيَّ أخرجه من وجهٍ آخر عن آدم كذلك، ويحتمل أن يكون شعبة اختصرهُ له لما حدَّثه به، والله أعلم.
(جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ) مجازٌ عن القدرة أو الملك (فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ) ويروى ؛ أي ملكه (فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ) أي من جنس ما يأكل للتَّبعيض الذي دلَّت عليه «من» ، ويؤيِّده حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي بعد بابين [خ¦2557] «فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة» ، فالمراد المواساة لا المساواة من كلِّ جهةٍ، لكن مَن أَخذ بالأكمل كأبي ذرٍّ رضي الله عنه فقد فعل المساواة وهو الأفضل، فلا يستأثر المرء على عياله من ذلك، وإن كان جائزًا، وكذلك الأمر في قوله
(وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ) وفي «الموطأ» ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلَّف من العمل ما لا يطيق ) )، وهو يقتضي الرَّد في ذلك إلى العرف، فمَن زاد عليه كان متطوِّعًا، وقيل لمالكٍ أيأكل من طعامٍ لا يأكل منه عياله ورقيقه ويلبس ثيابًا لا يلبسونها؟ قال أراه من ذلك في سعةٍ، فقيل له فحديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه _ يعني ما تقول فيه؟ _ قال كانوا يومئذٍ ليس لهم هذا القوت.
واستحسنه ابن بطَّال ونظر فيه الحافظ العسقلانيُّ فقال فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنَّ ذلك لا يمنع حمل الأمر على عمومه في حقِّ كلِّ أحدٍ بحسبه.
(وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ) أي لا تكلِّفوهم عمل ما تصير قدرتهم فيه مغلوبة؛ أي ما يعجزون عنه لعظمه أو صعوبته، والتَّكليف تحميل النَّفس شيئًا معه كلفة، وقيل هو الأمر بما يشقُّ، وهو قريبٌ من الأول وذلك واجبٌ.
ج 11 ص 577
وكان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يأتي الحوائط فمن رآه من العبيد كُلِّف ما لا يطيق وضعَ عنه، ومن أُقِلَّ رزقُه زاد فيه، قال مالك وكذلك يُفعل فيمَن يفعل من الأجراء، ولا يكلِّفه ما لا يطيقه.
وروي أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( أوصيكم بالضَّعيفين المرأة والمملوك ) )وأمر صلى الله عليه وسلم موالي أبي طيبة أن يخفِّفوا عنه من خراجه.
وفي «التوضيح» التَّسوية في المطعم والملبس استحباب، وهو ما عليه العلماء، فلو كان سيِّده يأكل الفائق ويلبس الغالي فلا يجب عليه أن يُساوي مملوكه فيه، وما أحسن تعليل مالكٍ، وهو قوله ليس لهم هذا القوت، وإنَّما كان الغالب من قوتهم التَّمر والشَّعير.
وقد صحَّ أنَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلَّف من العمل ما لا يُطيق، فإن زاد على ما فُرِض عليه من قوته وكسوته بالمعروف كان متفضلًا ) )وقد مرَّ آنفًا.
وقال ربيعة بن عبد الرَّحمن لو أنَّ رجلًا عمل لنفسه خبيصًا فأكله دون خادمه ما كان بذلك بأسٌ، وكان يفتي أنَّه إذا أطعم خادمه من الخبز الذي يأكل منه فقد أطعمه ممَّا يأكل منه؛ لأنَّ «من» للتَّبعيض ولو قال أطعموهم من كلِّ ما تأكلون، لعمَّ الخبيص وغيره، وكذا في اللِّباس.
(فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ) فإن قيل فإذا نهى عن التَّكليف، فكيف عقَّبه بقوله فإن كلَّفتموهم؟ فالجواب أنَّ النَّهي للتَّنزيه، كذا قاله الكرمانيُّ.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الله تعالى قال {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة 286] ولمَّا لم يكلَّف الله فوق طاقتنا ونحن عبيده وجب علينا أن نمتثلَ حكمه وطريقتَه في عبيدنَا.
وقال الحافظ العسقلانيُّ والمراد أن يكلَّف العبد جنسَ ما يقدر عليه، فإن كان يستطيعه وحده وإلَّا فليُعِنْهُ بغيره.
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( لا تستخدموا رقيقكُم باللَّيل فإنَّ النَّهار لكم واللَّيل لهم ) )، وروى معمر عن أيُّوب عن أبي قلابة يرفعه إلى سلمان أنَّ رجلًا أتاهُ وهو يعجنُ فقال أين الخادم؟ قال
ج 11 ص 578
أرسلته لحاجةٍ فلم نكن لنجمع عليه شيئين أن نرسلَه ولا نكفيهِ عمله.
ووقف عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه على تاجرٍ لا يعرفه فاشترى منه قميصين بعشرة دراهم فقال لعبده اختر أيُّهما شئت.
وفي الحديث من الفوائد النَّهي عن سبِّ الرَّقيق وتعييرهم بمَنْ ولدهم.
وفيه الحثُّ على الإحسان إليهم والرِّفق بهم، ويلتحق بالرَّقيق من في معناه من أجيرٍ ومستخدمٍ في أمر ونحوهما.
وفيه عدم التَّرفع على المسلم والاحتقار له.
وفيه المحافظة على الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
وفيه إطلاق الأخ على الرَّقيق فإن أريدَ القرابة فهو على سبيل المجاز لنسبةِ الكلِّ إلى آدم عليه السَّلام، أو المراد أخوَّة الإسلام، ويكون العبدُ الكافر تابعًا للمؤمن، أو يختصُّ الحكم بالمؤمن، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مرَّ في «كتاب الإيمان» ، في باب «المعاصي من أمر الجاهليَّة» [خ¦30] ، وقد مرَّ الكلام فيه هناك مستوفى.