فهرس الكتاب

الصفحة 4027 من 11127

2572 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ أَنْفَجْنَا) بالنون والفاء والجيم (أَرْنَبًا) أي أثرناه من مكانهِ. قال الجوهريُّ نفج الأرنب؛ أي ثارَ، وأنفجْتُه أنا، والإنفاج الإثارة، يقال أنفجت الأرنب في جحره؛ أي أثرته فثارَ، وأصله من نفجت الأرنب، إذا وثبت فوسَّعت الخطوة. قال الخليل نَفَج اليَرْبُوع يَنْفُج ويَنْفِج نُفُوجًا، ويَنْتَفج وهو عَدْوَه.

والأرنب حيوانٌ معروفٌ، وكلام الجوهريِّ يقتضي أنَّه مذكَّرٌ، فإنَّه قال أي ثار ولم يقل ثارت،

ج 12 ص 13

وكذا قال في باب الفاء الأرنب واحدُ الأرانب، ولم يقل واحدة الأرانب، كذا قاله العينيُّ وفيه نظرٌ، والَّذي في حديث الباب يقتضي تأنيثه، وهي الضَّمائر الَّتي في أدركتها. .. إلى آخره.

وقد ذكر بعض أهل اللُّغة أنَّه مؤنَّثٌ، والصَّحيح أنَّه يذكَّر ويؤنَّث، وبه صدر كلامه صاحب «المحكم» ثمَّ قال والأرنب الأنثى، والخُزَر الذَّكر. وقال الجوهريُّ في «باب الزاي» الخُزَر ذكرُ الأرانب، والجمع خِزَّان، مثل صُرَد وصِرْدان، ويقال للأنثى عِكْرِشة. والخِرْنق ولدُ الأرنب، ثمَّ سخَلْة، ثمَّ أرنب، ومن العجائب أنَّها تكون عامًا ذكرًا وعامًا أنثى، ذكره في «حياة الحيوان» والعهدةُ عليه.

(بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) الباء فيه يتعلَّق «بأنفجنا» ، ومَرِّ الظَّهْران بفتح الميم وتشديد الراء وفتح الظاء المعجمة وسكون الهاء. قال النَّووي هو موضعٌ قريبٌ من مكَّة، انتهى. وهو الَّذي يعرف اليوم ببطن مَرِّ _ بفتح الميم وتشديد الراء _ قريةٌ ذات زرعٍ ونخلٍ.

والظَّهْران _ بفتح المعجمة وسكون الهاء وبالراء والنون _ اسمٌ للوادي، وهو على خمسة أميالٍ من مكَّة إلى جهة المدينة. وقال البكريُّ «مرِّ» مضافٌ إلى الظَّهران، وبينه وبين البيت ستَّة عشر ميلًا. وقال سعيدُ بن المسيِّب كانت منازل «عك» مرَّ الظَّهران وببطن مرٍّ تخزَّعت «خزاعة» عن أخواتها، فبقيت بمكَّة، وسارت أخواتها إلى الشَّام أيَّام سيل العرم. وقال كثيرٌ عزَّة سمِّيت مرَّ؛ لمرارة مائها.

(فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا) بفتح الغين المعجمة وكسرها والفتح أشهر، ومعناه تعِبوا، وقال الكِرماني وفي بعض الرِّوايات وهي رواية الكشميهنيِّ من التَّعب، وهو الإعياء. وقال الأصمعيُّ تقول العرب لَغَبْت أَلْغُب لُغُوبًا أَعْيَيت، وأغرب الدَّاوديُّ فقال معناه عطِشوا. وتعقَّبه ابن التِّين وقال ضبطوا لغِبوا _ بكسر الغين والفتح _، ولم يذكروا غيره.

(فَأَدْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ) هو زوج أم أنسٍ رضي الله عنه، واسمها أمُّ سليمٍ (فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَرِكِهَا) بفتح الواو وكسر الراء، أو بكسر الواو وإسكان الراء، وهو ما فوق الفَخذ (أَوْ فَخِذَيْهَا) بكسر الخاء أو سكونها، وهو شكٌّ من الرَّاوي.

(قَالَ فَخِذَيْهَا، لاَ شَكَّ فِيهِ) وفاعلُ قال هو شعبة؛ لأنَّ ابن بطَّالٍ

ج 12 ص 14

قال قال شعبة فخذيها لا شكَّ فيه، ثمَّ قال فيه دليلٌ على أنَّه شكَّ في الفخذين أوَّلًا، ثم استيقن.

وقال الحافظ العسقلانيُّ يُشير بذلك إلى أنَّه يشكُّ في الورك خاصَّةً، وأنَّ الشَّكَّ في قوله «فخذيها أو وركها» ، ليس على السَّواء.

(فَقَبِلَهُ، قُلْتُ وَأَكَلَ مِنْهُ) وقائلُ «قلت» سليمان بن حربٍ؛ أي قلت لشعبة وأكل منه (قَالَ) أي شعبة (وَأَكَلَ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ) أي بعد ما قال ذلك (قَبِلَهُ) أشار به إلى أنَّه شكَّ في أكلهِ ولم يشكَّ في قبوله. وفي «التوضيح» شكَّ شعبة في الفخذين أوَّلًا ثمَّ استيقن، وكذلك شكَّ أخيرًا في الأكل، ولم يشكَّ في القبول.

وفي الحديث إباحة السَّعي لطلب الصَّيد.

فإن قيل روى أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما «من تبع الصَّيد غفل» .

فالجواب أنَّ المراد به مَن تمادى في طلب الصَّيد إلى أن فاتته الصَّلاة، أو طلب العلم، أو غيرهما من مصالح دينه ودنياه.

وفيه أنَّه إذا طلب جماعةٌ الصَّيد فأدركه بعضهم فأخذه يكون ملكًا له، ولا يشاركه فيه مَن شاركه في طلبه.

وفي لفظ التِّرمذيِّ في الحديث (( فذبحها بمروة ) )صحَّ الذَّبح بالمروة ونحوها إذا كان لها حدٌّ يذكَّى به الصَّيد، فإن قتله بثقله لم يحلَّ.

وفيه أنَّه لا بأس بإهداء الصَّاحب لصاحبه الشَّيء اليسير، وإن كان المهدَى إليه عظيمًا إذا علم مِن حاله محبَّة ذلك منه.

وفيه الإخبار عمَّن أُهدي إليه شيءٌ مما يؤكل فقبله أنَّه أكله، كما فعل أنس رضي الله عنه.

وفيه إباحةُ أكل الأرنب، وهو قول الأئمَّة الأربعة وكافَّة العلماء، إلَّا ما حُكي عن عبد الله بن عَمرو بن العاص، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وعكرمة مولى ابن عبَّاس أنَّهم كرهوا أكلها. قال التِّرمذي وقد كره بعض أهل العلم أكل الأرنبِ، وقالوا إنَّها تَدْمى، انتهى. وقال العينيُّ روي عن أصحابنا كراهة أكله، والأصحُّ قول العامَّة، وورد في إباحته أحاديث كثيرة

منها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما رواه البيهقي أنَّ غلامًا من قومه صاد أرنبًا فذبحها بمروة فعلَّقها، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكلها فأمرهُ بأكلِها.

ومنها حديث عمَّار بن ياسر

ج 12 ص 15

رضي الله عنه رواه أبو يعلى في «مسنده» ، والطَّبرانيُّ في «الكبير» من رواية ابن الحوتكيَّة أنَّ رجلًا سأل عمر رضي الله عنه عن الأرنب فأرسل إلى عمَّار، فقال كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلنا في موضع كذا وكذا، فأهدى له رجلٌ من الأعراب أرنبًا فأكلناها، فقال الأعرابيُّ إني رأيت دمًا، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (( لا بأس ) ).

ومنها حديث محمد بن صفوان رواه النَّسائيُّ وابن ماجه من رواية الشَّعبي عنه أنَّه مرَّ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأرنبين فعلَّقهما، فقال يا رسول الله! إنِّي أصبت هذين الأرنبين فلم أجد حديدةً أذكِّيهما بها فذكَّيتهما بمروةٍ أفآكل؟ قال (( كُل ) ). لفظ ابن ماجه.

ومنها حديث محمد بن صيفيٍّ رواه ابنُ أبي شيبة من رواية الشَّعبي عنه، قال أتيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بأرنبين، فذبحتهما بمروةٍ، فأمرني بأكلهما.

ومنها حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، رواه الطَّبرانيُّ في «المعجم الكبير» من رواية أبي أمامة بن سهلٍ بن حنيف، قال سمعت ابن عبَّاس رضي الله عنهما يقول أهديتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرنبًا، وعائشة نائمة فرفع لها الفخذَ، فلمَّا انتبهت أعطاها إيَّاه فأكلته.

ومنها حديث عبد الله بن عَمرو رواه أبو داود من رواية محمد بن خالدٍ، عن أبيه خالد بن الحويرث أنَّ عبد الله بن عَمرو كان بالصِّفَاح، قال محمد مكانٌ بمكَّة، وأنَّ رجلًا جاء بأرنبٍ قد صادها، فقال يا عبد الله بن عَمرو ما تقول؟ قال قد جِيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالسٌ فلم يأكلها، ولم ينه عن أكلها، وزعم أنَّها تحيض.

ومنها حديث عمر وأبي الدَّرداء وأبي ذرٍّ رضي الله عنهم رواه البيهقي في «سننه» من رواية حكيم بن جبيرٍ، عن موسى بن طلحة، قال قال عمر لأبي ذرٍّ وعمَّار وأبي الدَّرداء أتذكرون يوم كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكان كذا وكذا فأتاه أعرابيٌّ بأرنبٍ، فقال يا رسول الله! إنِّي رأيت بها دمًا فأمرنا بأكلها، ولم يأكل، قالوا نعم. الحديث.

ومنها حديث

ج 12 ص 16

أبي هريرة رضي الله عنه رواه النَّسائيُّ عنه، قال جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأرنبٍ قد شواها فلم يأكل، وأمرَ القوم أنْ يأكلوا.

ومنها حديث خُزيمة بن جزءٍ رواه ابنُ ماجه عنه، قال قلتُ يا رسول الله! جئتُ لأسألك عن أجناس الأرض، وفيه قلت يا رسول الله! ما تقولُ في الأرنب؟ قال (( لا آكله، ولا أحرِّمه ) )قلت فإنِّي آكِلٌ ما لم تحرِّم، ولِمَ يا رسول الله؟ قال (( نبِّئت أنَّها تَدْمَى ) ).

ومنها حديث عبد الرَّحمن بن معقَّل رواه الطَّبرانيُّ عنه، أنَّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثًا فيه، قلت يا رسول الله! ما تقول في الأرنب؟ قال (( لا آكلها، ولا أحرِّمها ) ).

وليس في الأحاديث ما يدلُّ على تحريم الأرنب، وغاية ما فيها استقذارها مع جواز أكلِها، والله أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( فقبله ) )، وهو ظاهرٌ، والحديث أخرجه المؤلِّف في «الذَّبائح» أيضًا [خ¦5489] . وأخرجه مسلم في «الذَّبائح» ، وأبو داود في «الأطعمة» ، وأوَّله كنت غلامًا حَزْوَرًا [1] فصدت أرنبًا. والتَّرمذي في «الأطعمة» أيضًا، والنَّسائيُّ في «الصَّيد» ، وكذا ابن ماجه.

عجائبٌ ذكر ابن الأثير في «الكامل» في حوادث سنة ثلاث وعشرين وستمائة أنَّ رجلًا اصطاد أرنبًا له أُنثيان وذكر وفرج أنثى. قال وأعجب من ذلك ما نقله أنَّه كان لنا جار له بنت اسمها صفيَّة بقيت كذلك نحو خمس عشرةَ سنة، ثمَّ طلع لها ذكرٌ، ونبتت لها لحيةٌ، فكان لها فرج رجلٍ وفرج امرأةٍ.

ثمَّ إنَّ الأرنب تنام مفتوحة العين فربَّما جاءها القنَّاص فوجدها كذلك فيظنُّها مستيقظةً، ويقال إنَّها إذا رأت البحر ماتت، ولذلك لا توجد بالسَّاحل، وهذا القول لا يصحُّ.

وتزعُم العرب أنَّ الجنَّ تهرب منها لموضع حيضها، قالوا الَّذي يحيض من الحيوان المرأة، والضَّبع، والخفَّاش، والأرنب، ويقال إنَّ الكلبة أيضًا كذلك. روى أبو داود في «سننه» من حديث خالد بن الحُويرث عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في الأرنب (( إنَّها تحيض ) ).

ومن أمثال العرب قولهم في بيتهِ يُؤْتَى الحَكَمُ.

وهو ممَّا زعمته العرب

ج 12 ص 17

على ألسنة البهائم، قالوا إنَّ الأرنب التقطتْ تمرةً فاختلسها الثَّعلب؛ فأكلها فانطلقا يختصمان إلى الضَّبِّ، فقالت الأرنب يا أبا حسل، قال سميعًا دعوت، قالت أتيناك لنختصِم إليك، قال عادلًا حكيمًا، قالت فاخرُج إلينا، قال في بيته يُؤتى الحَكَمُ، قالت إنِّي وجدت تمرةً، قال حلوةٌ فكليها، قالت فاختلسها الثَّعلب، قال لنفسه بغى الخير، قالت فلطمتُه، قال بحقِّك أخذتِ، قالت فلطمني، قال حرٌّ انتصرَ، قالت فاقضِ بيننا، قال قد قضيتُ. فذهبت أقواله كلُّها مثلًا.

ومثل هذا أنَّ عديَّ بن أرطاة أتى شُريحًا القاضي في مجلس حكمه، فقال له أين أنت؟ قال بينك وبينَ الحائط، قال فاسمع منِّي، قال للاستماع جلست، قال إنِّي تزوَّجت امرأة، قال بالرِّفاء والبنين، قال وشرط أهلها أن لا أُخرجها من بيتهم، قال أَوْفِ لهم بالشَّرط، قال فأنا أريد الخُروج، قال في حفظِ الله، قال فاقض بيننا، قال قد فعلت، قال فعلى مَن حكمتَ؟ قال على ابن أمِّك، قال بشهادةِ من؟ قال بشهادة ابن أخت خالتك هذا.

قال الجاحظ كانت العرب تقول في الجاهليَّة من عُلِّق عليه كعب أرنب لم تصبْه عينٌ ولا سِحرٌ، وذلك لأنَّ الجنَّ تهرب منها لمكان حيضها. وإذا شوي الأرنب البريُّ وأكل دماغه نفع من الارتعاش العارض من المرض.

ومن زعماتهم أنَّه إذا شربت المرأة أنفحة الذَّكر ولدت ذكرًا، وإن شربت أنفحة أُنثى ولدت أنثى، وإذا علَّق ذيله على المرأة لم تحبل ما دام عليها هذا.

ثمَّ إنَّ الأرنب البحري هو حيوانٌ رأسه كرأس الأرنب وبدنه كبدن السَّمك. وقال ابن سينا إنَّه حيوانٌ صغيرٌ صدفيٌّ، وهو من السُّموم يحرم أكله؛ لسمِّيَّته.

[1] الحزوّر؛ بالتَّخفيف والتَّشديد المراهق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت