238 -239 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، وقد تقدما في قصة هرقل [خ¦7] (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزاي وتخفيف النون، عبد الله بن ذكوان المدني.
(أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ) بضم الهاء والميم (الأَعْرَجَ) هو صفة عبد الرحمن، وقد سبق ذكرهما في باب حب الرسول من الإيمان [خ¦14] (حَدَّثَهُ) أي حدث أبا الزناد (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ورجالُ هذا الإسناد ما بين حمصي ومدني، وقد أخرج متنَه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه أيضًا، وهذا الإسناد فيه أن شُعيبًا روى عن أبي الزناد، عن الأعرج، ووافقه سفيان بن عيينة فيما رواه الشافعي عنه، عن أبي الزناد، وكذا أخرجه الإسماعيلي، ورواه أكثر أصحاب ابن عيينة عنه، عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، ومن هذا الوجه أخرجه النسائي، وكذا أخرجه أحمد من طريق الثوري عن أبي الزناد، والطحاوي من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، والطريقان معًا
ج 2 ص 338
صحيحان، ولأبي الزِّناد فيه شيخان، ولفظهما في سياق المتن مختلف فيه، كما سيشار إليه، إن شاء الله تعالى.
(أَنَّهُ سَمِعَ) وفي رواية (رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية (يَقُولُ نَحْنُ الآخِرُونَ) بكسر الخاء المعجمة، جمع الآخر، بمعنى المتأخر، يذكر في مقابلة الأول، وبفتحها جمع الآخر أفعل التفضيل، وهذا المعنى أعم من الأول، والرواية هنا بالكسر فقط؛ أي نحن المتأخرون في الدنيا (السَّابِقُونَ) المتقدمون في الآخرة.
(وَبِإِسْنَادِهِ) أي إسناد الحديث السابق؛ أي حدثنا أبو اليمان بالإسناد المذكور أنه (قَالَ) النبي صلى الله عليه وسلم (لاَ يَبُولَنَّ) بفتح اللام وبنون التأكيد المثقلة، وفي رواية ابن ماجه (( لا يبول ) )بغير نون التأكيد (أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ) بالمهملة من دام يدوم ويدام، قال الشاعر
~يَا ميّ لَا غروَ ولَا مَلاما فِي الحُبِّ إنَّ الحبَّ لن يُداما
ديمًا ودوامًا وديمومة.
قال ابن سيده وأصله من الاستدارة، وذلك أن أصحاب الهندسة يقولون إن الماء إذا كان بمكان، فإنه يكون مستديرًا في الشكل، ويقال الدائم الثابت الواقف الذي لا يجري، وهو المراد هاهنا.
فقوله (الَّذِي لاَ يَجْرِي) إيضاحٌ لمعناه وتأكيد له، ويقال الدائم الراكد كما جاء في رواية أبي عثمان، عن أبي هريرة بلفظ (( الراكد ) )بدل (( الدائم ) ) [1] ، وكذا أخرجه مسلم من حديث جابر، واحترز بقوله «الذي لا يجري» عن راكد يجري بعضه كالبرك.
وقال ابن الأنباري الدائم من حروف الأضداد، يقال للساكن والدائر، ومنه أصاب الإنسان دُوام؛ أي دُوار، وعلى هذا فقوله «الذي لا يجري» احتراز عن الماء الدائر؛ لأنه جارٍ من حيث الصورةُ، ساكنٌ من حيث المعنى، ويطلق على البِحَار والأنهار الكبار التي لا ينقطع ماؤها أنها دائمة؛ بمعنى أن ماءهما غير منقطع، فعلى هذا يكون قوله «الذي لا يجري» احترازًا عنها؛ لأنها غير مرادة قطعًا [2] .
(ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ) فيه أوجه ثلاثة الجزم عطفًا على يبولن؛ لأنه في موضع الجزم بلا الناهية، ولكنه بُنِيَ على الفتح لتوكيده بالنون، والرفع على تقدير ثمَّ هو يغتسل فيه، والنصب على إضمار (( أنْ ) )، وإعطاء ثمَّ حكم الواو؛ لأن (( أنْ ) )لا يضمر بعد (( ثم ) )، ونظيره في الأوجه الثلاثة قوله تعالى {ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} [النساء 100] فإنه قرئ بالجزم، وهو الذي قرأته السبعة، وبالرفع والنصب على الشذوذ.
وقال النووي لا يجوز النصب؛ لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقل به أحد، بل البول فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أو لا، ولا يقتضى الجمع؛ إذ لا يراد بتشبيه ثمَّ بالواو
ج 2 ص 339
المشابهة من جميع الوجوه بل جواز النصب بعده فقط، سلمنا ذلك، لكن لا يضر؛ لأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر وهو ما رواه مسلم من حديث جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن البول في الماء الراكد، وعنده من طريق أبي السائب، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ) ).
وروى أبو داود وابن حبان النهي عنهما في حديث واحد ولفظه (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة ) )فيكون حديث الباب من قبل قوله تعالى {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} [البقرة 42] على تقدير النصب، فافهم.
ثمَّ قوله فيه تفرد البخاري به هاهنا، وفي رواية ابن عيينة، عن أبي الزناد (( ثمَّ يغتسل منه ) )، وكذا لمسلم من طريق ابن سيرين، وكلٌّ من اللفظتين تفيد حكمًا بالنص وحكمًا بالاستنباط، كما قاله ابن دقيق العيد.
ووجهه، على ما قاله الحافظ العسقلاني أن الرواية بلفظ «فيه» تدل على منع الانغماس بالنص، وعلى منع التناول بالاستنباط، والرواية بلفظ «منه» بعكس ذلك، وكله مبني على أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة.
وقد احتج به أصحابنا أن الماء الذي لا يبلغ الغدير العظيم إذا وقعت فيه نجاسة لم يجز الوضوء به، قليلًا كان أو كثيرًا، وعلى أن القلتين تحمل النجاسة؛ لأن الحديث مطلق فبإطلاقه يتناول القليل والكثير والقلتين، والأكثر منهما، ولو قلنا إن القلتين لا تحمل النجاسة، لم يكن للنهي فائدة، على أن هذا أصح من حديث القلتين.
وما قاله ابن قدامة حديث القلتين وحديث بئر بضاعة نصان في خلاف ما ذهب إليه الحنفية؛ فإن بئر بضاعة لا يبلغ إلى الحد الذي يمنع التنجيس عندهم، ففيه أنَّا لا نسلم أن هذين الحديثين نصان في خلاف مذهبنا.
أما حديث القلتين فلأنه وإن كان بعضهم صحَّحَه إلا أنه مضطرب سندًا ومتنًا، والقلة في نفسها مجهولة، والعمل بالصحيح المتفق عليه أولى وأقرب، وأما حديث بئر بضاعة فإنا نعمل به؛ لأن ماءها كان جاريًا يسقى منه خمس بساتين.
وقوله وبئر بضاعة لا يبلغ ... إلى آخره غير صحيح؛ لأن البيهقي روى عن الشافعي أن بئر بضاعة كانت كثيرة الماء واسعة، وكان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغير لها لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، فإن قيل حديثكم
ج 2 ص 340
عامٌ في كل ماء، وحديثُنا خاص فيما بلغ القلتين، وتقديم الخاص على العام متعيّن، كيف وحديثكم لا بد من تخصيصه، فإنكم وافقتمونا على الماء الكثير الذي يزيد على عشرة أذرع، وإذا لم يكن بد من التخصيص، فالتخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأي، من غير أصل يرجع إليه، ولا دليل يعتمد عليه.
فالجواب أنَّا لا نسلم أنَّ تقديم الخاص على العام متعين، بل الظاهر من مذهب أبي حنيفة رحمه الله ترجيح العام على الخاص في العمل به كما في حريم بئر الناضح فإنه رجح قوله صلى الله عليه وسلم (( من حفر بئرًا فله مما حولها أربعون ذراعًا ) )على الخاص الوارد في بئر الناصح أنه ستون ذراعًا، ورجح قوله صلى الله عليه وسلم (( ما أخرجت الأرض ففيه العشر ) )على الخاص الوارد بقوله (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) )ونسخ الخاص بالعام.
وأما قولهم التخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأي، فإنما يكون هكذا إذا كان الحديثُ المخصِّصُ غيرَ مخالفٍ للإجماع، وحديث القلتين خبرُ آحادٍ وردَ مخالفًا لإجماع الصحابة، فيُرَدُّ، بيانُه أن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم أفتيا في زنجي وقع في بئر زمزم بنزحِ الماءِ كلِّه، ولم يظهر أثره في الماء، وكان الماء أكثر من قلتين وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينكر عليهما أحد منهم فكان إجماعًا وخبر الواحد إذا ورد مخالفًا للإجماع يُرَدُّ، يدل عليه أن عليَّ بن المديني قال لا يثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكفى به قدوة في هذا الباب.
وقال أبو داود لا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقدير الماء.
وقال صاحب (( البدائع ) )ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية دون الدلائل السمعية، واستدل بهذا الحديث أيضًا أبو يوسف رحمه الله على نجاسة الماء المستعمل فإنه قَرَن فيه بين الغسل فيه والبول فيه، أما البول فيه فينجسه فكذلك الغسل فيه، وفي دلالة القران بين الشيئين على استوائهما في الحكم خلاف بين العلماء، فالمذكور عن أبي يوسف والمزني ذلك، وخالفهما غيرهما.
وقال الحافظ العسقلاني واستدل به بعض الحنفية على تنجس الماء المستعمل، فإنَّ البول ينجِّسُ الماءَ، فكذا الاغتسال وقد نهي عنهما معًا، وهو للتحريم، فدل على النجاسة فيهما، ورُدَّ بأنها دلالة قرانٍ، وهي ضعيفة، وعلى تقدير تسليمها فلا يلزم التسوية فيكون النهي عن البول؛ لئلا ينجسه، وعن الاغتسال فيه
ج 2 ص 341
لئلا يسلبه الطهورية، ويزيد ذلك وضوحًا قوله في رواية مسلم (( كيف تفعل يا أبا هريرة؟ قال يتناوله تناولًا ) )، فدلَّ على أن المنع من الانغماس فيه؛ لئلا يصير مستعملًا فيمتنع على الغير الانتفاع به، والصحابي أعلم بمورد الخطاب من غيره، وهذا من أقوى الأدلة على أن الماء المستعمل غير طهور. انتهى [3] .
وتعقَّبه محمود العيني بأنه إذا كانت دلالةُ القرآن صحيحةً عنده فبقوله وهي ضعيفة، كيف يَردُّ على قائله، على أن مذهبَ أكثر أصحاب أمامه مثل مذهب بعض الحنفية، وبأن الذي احتج به في نجاسة الماء المستعمل يفهمُ التسويةَ من نظم الكلام، ولا دليل فيه يدل على كون النهي عن البول؛ لئلا ينجسه، وعن الاغتسال لئلا يسلبه الطهورية، وهل هذا إلا تحكم؟
هذا، وأنت خبير بأن كلًا من الإيرادين ضعيف فتفطن.
وقال النووي إن النهيَ المذكور فيه للتحريم في بعض المياه، والكراهة في بعضها، فإن كان الماء كثيرًا جاريًا لم يَحْرُم البول فيه لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتنابه، وإن كان قليلًا جاريًا فقد قال جماعة من أصحابنا يكره، والمختار أنه يحرم؛ لأنه يقذِّره وينجِّسه على المشهور من مذهب الشافعي، وإن كان كثيرًا راكدًا فقال أصحابنا يكره ولا يحرم، ولو قيل يحرم لم يكن بعيدًا، وأما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه، والصواب المختار أنه حرام، والتغوط فيه كالبول فيه وأقبح، وكذا إذا بال في إناء ثمَّ صبه في الماء. انتهى.
ولا يخفى عليك أنه من باب استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين، وفيه من الخلاف ما هو معروف عند أهل الأصول، ثمَّ اعلم أن هذا الحديث عام فلا بد من تخصيصه اتفاقًا بالماء المستبحر الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر كما قلنا، أو بحديث القلتين كما ذهب إليه الشافعي، أو بالعمومات الدالة على طهورية الماء ما لم تتغير أحد أوصافه الثلاثة كما ذهب إليه مالك.
وما قاله الحافظ العسقلاني الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه، وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك، لكنه اعتذر عن القول به بأن القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة كالجرة، ولم يثبت في الحديث تقديرهما، فيكون مجملًا فلا يعمل به. وقوَّاه ابن دقيق العيد ففيه أنه أبطل دعواه بما ذكره، فلا يحتاج إلى رد كلامه، كذا
ج 2 ص 342
قال محمود العيني.
ومن فوائد الحديث أيضًا تحريم الغسل والوضوء بالماء المتنجس، ومنها التأديب بالتنزه عن البول في الماء الراكد. وقد أخذ داود الظاهري بظاهر هذا الحديث وقال النهي مختص بالبول، والغائط ليس كالبول، ومختص ببول نفسه وجاز لغير البائل أن يتوضأ بما بال فيه غيره، وجاز أيضًا للبائل إذا بال في إناء ثمَّ صبه في الماء، أو بال بقرب الماء ثمَّ جرى إليه، وهذا من أقبح ما نقِلَ عنه في الجري على الظاهر.
ومنها أن المذكور فيه الغسل من الجنابة، ولكنه يلحق به الاغتسال من الحيض والنفاس، وكذلك يلحق به اغتسال الجمعة والاغتسال عن غسل الميت عند من يوجبهما، فإن قيل هل يلحق به الغسل المسنون أو لا؟
فالجواب أن من اقتصر على اللفظ فلا إلحاق عنده كأهل الظاهر، وأما من يعمل بالقياس؛ فمن قال العلة الاستعمال فالإلحاق صحيح، ومن قال إن العلة رفع الحدث فلا إلحاق عنده، فاعتبر بالخلاف الذي بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في كون الماء مستعملًا، ثمَّ إن المذكور في هذا الباب حديثان مستقلان، ومطابقة الحديث الثاني للترجمة ظاهرة.
وأما الحكمة في تقديم الحديث الأول فقد اختلف الشراح فيها؛ فقال ابن بطال يحتمل أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم مع ما بعده في نسق واحد فحدَّث بهما جميعًا، ويحتمل أن يكون همَّام فعل ذلك؛ لأنه سمعهما من أبي هريرة، وإلا فليس في الحديث مناسبة للترجمة. انتهى.
وجزم ابن التِّين بالأول وهو مُتَعقَّب بأنه لو كان حديثًا واحدًا لما فصله البخاري بقوله وبإسناده، وأيضًا فقوله (( نحن الآخرون السابقون ) )طرف من حديث مشهور في ذكر يوم الجمعة، فلو راعى البخاري ما ادعاه لساق المتن بتمامه، وأيضًا فحديث الباب مرويٌّ بطرقٍ متعددة عن أبي هريرة رضي الله عنه في دواوين الأئمة، وليس في طريق منها في أوله (( نحن الآخرون السابقون ) ).
وقد أخرجه أبو نعيم في (( المستخرج ) )من طريق أبي اليمان شيخ البخاري بدون هذه الجملة، وقول ابن بطال ويحتمل أن يكون همام فعل ذلك وَهْمٌ تَبِعَه عليه جماعة، وليس لهمام ذكر في هذا الإسناد.
وقوله ليس في الحديث مناسبة للترجمة، صحيح، وإن كان غيره تكلَّفَ فأبدى بينهما مناسبة، والصواب أن البخاري في الغالب يذكر الشيء كما سمعه جملة لتضمنه موضع الدلالة المطلوبة منه، وإن لم يكن باقيه مقصودًا كما صنع في
ج 2 ص 343
حديث عروة البارقي في شراء الشاة كما سيأتي بيانه في الجهاد [خ¦3642] ، وأمثله ذلك في كتابه كثيرة.
وقد وقع لمالك نحو هذا في (( الموطأ ) )إذا خرج في باب صلاة الصبح والعتمة متونًا بسند واحد أولها «مر رجل بغصن شوك» وآخرها (( لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوًا ) )، وليس غرضه منها إلا الحديث الأخير، لكنه أداها على الوجه الذي سمِعَه.
هذا وقال الكِرماني إن هذه الأمة آخر من تدفن من الأمم، وأول من يخرج منها؛ لأن الأرض لهم وعاء، والوعاءُ آخر ما يوضع فيه أول ما يخرج منه، فكذلك الماء الراكد آخر ما يقع فيه من البول أول ما يصادف أعضاء المتطهر فينبغي أن يجتنب ذلك ولا يفعله. انتهى. وفيه جر الثقيل ولا يشفى الغليل، وقيل إن بني إسرائيل وإن سبقوا في الزمان، لكن هذه الأمة سبقتهم باجتناب الماء الراكد إذا وقع فيه البول فلعلهم كانوا لا يجتنبونه.
وتعقب بأن بني إسرائيل كانوا أشد مبالغة في اجتناب النجاسة بحيث كانت النجاسة إذا أصابت جلد أحدهم قرضه، فكيف يظن بهم التساهل في هذا، وهو استبعاد لا يستلزم دفع الاحتمال المذكور.
وقال ابن المنِّير ما حاصله إنَّ همَّامًا روى الحديث في غير هذا الإسناد، بل في طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه استفتحها له أبو هريرة رضي الله عنه بحديث (( نحن الآخرون السابقون ) )فصار همّام كلما حدَّث عن أبي هريرة ذكر هذه الجملة في أولها.
وتبعه البخاري في ذلك في مواضع أخرى في كتابه أيضًا في كتاب «الجهاد» [خ¦2956] ، وكتاب «المغازي» [خ¦7036] ، و «الأيمان والنذور» [خ¦6624] ، و «قصص الأنبياء عليهم السلام» [خ¦3486] ، و «الاعتصام» [خ¦7495] ذكر في أوائلها كلها (( نحن الآخرون السابقون ) )، والله أعلم.
[1] في هامش الأصل وقيل الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم هو الذي له نبع، والراكد الذي لا نبع له.
[2] في هامش الأصل وقال القرطبي في منع وجه الجزم أنه لو أراد النهي لقال ثم لا يغتسلن فيه، فحينئذ يتساوى الأمران في النهي عنهما؛ لأن المحل الذي تواردا عليه شيء واحد وهو الماء قال فعدوله عن ذلك يدل على أنه لم يرد العطف، بل نبه على مآل الحال ومثَّله بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا يضربن أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها ) )فإنه لم يروه أحد بالجزم؛ لأن المراد النهي عن الضرب؛ لأنه يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها فتمتنع لإساءته إليها فلا يحصل له مقصوده، وتقدير اللفظ ثم هو يضاجعها، وفي حديث الباب (( ثم هو يغتسل فيه ) )، وتعقب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي أن لا يعطف عليه نهي آخر غير مؤكد؛ لاحتمال أن يكون للتأكيد في أحدهما معنى ليس للآخر. منه.
[3] في هامش الأصل قال الطحاوي حدثنا يونس قال أخبرني عبد الله بن وهب، قال أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن عبد الله بن الأشج حدثه أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب )) فقال كيف يفعل يا أبا هريرة فقال يتناوله تناولًا. منه.