فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 11127

240 - (حَدَّثَنَا عَبْدَان) بفتح المهملة، هو ابن عثمان بن جَبَلة _ بفتح الجيم والموحدة _، وقد تقدم في الوحي [خ¦6] (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة الكوفي التابعي، وقد مر في باب الصلاة من الإيمان [خ¦40] .

(عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، أبي عبد الله الكوفي الأزدي، بفتح الهمزة وبالدال، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه، فهو تابعي كبير مخضرم، وحج مائة حجة وعمرة، وأدى صدقته إلى عُمَّال الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي رأى قِرْدَة زَنَت في الجاهلية فاجتمعت القِرَدَة فرجموها، مات سنة خمس وسبعين، وهو غير عمرو بن ميمون الجزري.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (قَالَ بَيْنَا) أصله بين بلا ألف، وزيدت لإشباع الفتحة وهو مضاف إلى الجملة التي بعده، والعامل فيه (إذ) الآتي بعد الإسناد التالي في قوله (( إذ قال بعضهم لبعض ) )والجملة المضاف إليها هاهنا.

قوله (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَاجِدٌ) إذ هو مبتدأ وخبر، وبقية الحديث من رواية عبدان وحوله ناس من قريش من المشركين ثمَّ ساق الحديث مختصرًا (ح) تحويل من إسناد إلى إسناد آخر، وفي رواية وقع بعد الحاء المهملة (قَالَ) أي قال البخاري رحمه الله

(وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية الأصيلي (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) بن حكيم، بفتح المهملة وكسر الكاف الأزدي الكوفي، مات سنة ستين ومائتين (قَالَ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء، وفي آخره حاء مهملة، ومَسْلَمة _ بفتح الميم واللام وسكون السين المهملة _ الكوفي التنُّوخي _ بالتاء المثناة الفوقية وبالنون المشددة والخاء المعجمة _، كذا ضبطه الكِرماني.

وقال الجوهري في مادة نوخ وتنوخ حي من اليمن ولا تشدد النون، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبِيعي، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (عَنْ أَبِيهِ) يوسف بن إسحاق (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السابق (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) وفي رواية الكشميهني ورجال هذا الإسنادين كوفيون غير عبدان وأبيه، فإنهما مروزيان.

ومن اللطائف أنه قرن رواية عبدان برواية أحمد بن عثمان مع أن اللفظ لأحمد تقوية لروايته برواية عبدان؛ لأن في إبراهيم بن يوسف مقالًا، فعن ابن معين أنه ليس بشيء، وقال النسائي

ج 2 ص 347

ليس بالقوي، وقال الجوزجاني ضعيف، وقال أبو حاتم يُكتب حديثه.

ومنها أن رواية أحمد صرَّحت بالتحديث لأبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون ولعمرو، عن عبد الله بن مسعود، ومنها أن روايته عينت أن عبد الله المذكور في رواية عبدان هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ومنها أن المذكور في رواية عبدان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أحمد ثمَّ هذا الحديث لا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بإسناد أبي إسحاق، هذا وقد رواه الشيخان من طريق الثوري، والبخاري أيضًا من طريق إسرائيل وزهير، ومسلم من رواية زكريا بن أبي زائدة كلهم، عن أبي إسحاق، وقد أخرجه المؤلِّف في الجزية [خ¦3185] ، وفي الشعب [خ¦3854] ، وفي الصلاة [خ¦520] ، وفي الجهاد [خ¦2934] ، وفي المغازي أيضًا [خ¦3960] ، وأخرجه مسلم في المغازي، والنسائي في الطهارة، والسير.

(حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ) أي الكعبة زادها الله شرفًا وإيانا برؤيتها (وَأَبُو جَهْلٍ) هو عمرو بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي بالخاء المنقوطة وبالزاي عدو الله، وكان كنيته في الجاهلية أبا الحكم، فكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي جهل، ولهذا قال الشاعر

~النَّاس كنُّوه أبَا حكم واللهُ كنَّاه أَبَا جهل

ويقال كان يكنى أبا الوليد، وكان يعرف بابن الحَنْظَلية، وكان أحول مأبونًا.

وفي (( الوشاح ) )لابن دريد هو أول من جُزَّ رأسه، ولما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( هذا فرعون هذه الأمة ) )وقُتِل يوم بدر، خَذَلَه الله.

(وَأَصْحَابٌ) كائنون (لَهُ) أي لأبي جهل، وهم السبعة المدعو عليهم بَعدُ، بيَّنه البزار من طريق الأخلج، عن أبي إسحاق (جُلُوسٌ) خبر المبتدأ الذي هو أبو جهل وما عطف عليه، والجملة نصب على الحال، وقد أبعد من جعله خبرًا لقوله (وأصحاب) فقط، وجعل خبر أبو جهل محذوفًا كما في قول الشاعر

~نَحن بِمَا عندنَا وأنت بِمَا عندك راضٍ والرأي مُخْتَلف

(إِذْ) للمفاجأة، وفي رواية ابن عساكر سقطت كلمة «إذ» (قَالَ بَعْضُهُمْ) هو أبو جهل، سمَّاه مسلم من رواية زكريا، وجاء في رواية أخرى (( بَيْنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي في ظل الكعبة وجَمْعٌ من قريش في مجلسهم، إذ قال قائل منهم ألا تنظروا إلى هذا المرائي ) ).

(لِبَعْضٍ) وزاد مسلم في رواية زكريا (أَيُّكُمْ يأتي بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ) سَلَى _ بفتح السين المهملة وبالقصر _، هي الجلدة التي يكون فيها الولد، والجمع أسلاء، وخصَّ الأصمعي السَّلَى بالبهائم كالمشيمة للناس.

وفي (( المحكم ) )السَّلَى يكون للناس والخيل والإبل.

وقال الجوهري هي جلدة رقيقة إن نزعت

ج 2 ص 348

عن وجه الفصيل ساعة يولد، وإلا قتلته، وكذلك إذا انقطع السلا في البطن، وأَلِفُ سَلَى منقلبة عن ياء، ويقويه ما حكاه أبو عبيد من أن بعضهم قال سليت الشاة إذا نزعت سلاها.

والجَزُور _ بفتح الجيم وضم الزاي _، ما يجزر من الإبل يقع على الذكر والأنثى، والجمع الجُزُر بضمتين يقال جَزَرْتُ الجزور أجْزُرُها بالضم واجْتَزرَتُها إذا نحرتها، وبنو فلان كناية عن قبيلة ولم نظفر بأي قبيلة هي.

(فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ) وزاد في رواية إسرائيل (فَانْبَعَثَ) أي أسرع، وهو مطاوع بعث، يقال بعثه وابتعثه؛ أي أرسله فانبعث، ويقال معناه فانبعث نفسه الخبيثة من بينهم.

(أَشْقَى الْقَوْمِ) هو عقبة بن أبي مُعَيط _ بمهملتين _ مصغَّرًا، سمَّاه شعبة، واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو، وإنما كان أشقاهم مع أن فيهم أبا جهل وهو أشد كفرًا منه وإيذاء للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم اشتركوا في الكفر والرضى بذلك، وانفرد عقبة بالمباشرة فكان أشقاهم في ذلك الأمر البشيع، ولذا قُتِلوا في الحرب وقُتِل هو صبرًا.

وقال الداودي إنه أبو جهل، وفي رواية الكشميهني والسرخسي بتنكير القوم، وفيه مبالغة ليست في تعريف القوم، إذ معناه أشقى كل قوم من أقوام الدنيا.

وقال الحافظ العسقلاني والمقام يقتضي الأول؛ لأن الشقاء هنا بالنسبة إلى أولئك القوم فقط.

وتعقَّبه محمود العيني بأن التنكير أولى لما فيه من المبالغة؛ لأنه يدخل هاهنا دخولًا ثانيًا بعد الأول.

(فَجَاءَ) أي عُقْبة (بِهِ) أي بسَلَى جزور (فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ) المقدس المنور (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) وقد روى الطيالسي في (( مسنده ) )هذا الحديث من طريق شعبة نحو رواية يوسف المذكورة، وقال فيه «فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهره» .

(وَأَنَا أَنْظُرُ) أي قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأنا أنظر؛ أي أشاهد تلك الحالة حال كوني (لاَ أُغْنِي) من الإغناء؛ أي لا أدفع من شرهم، وفي رواية الكشميهني والمستملي من التغيير؛ أي لا أُغَير من فعلهم (شَيْئًا، لَوْ كَانَ) وفي رواية (لِي مَنَعَةٌ) بفتح النون، وحُكِيَ إسكانها. قال النووي وهو شاذ ضعيف، لكن في كتاب (( المحكم ) )المَنَعة والمَنْعَة والمُنْعَة بمعنى، وقال القزاز

ج 2 ص 349

فلان في مَنَعة من قومه ومَنْعة أي عزٍّ، وفي كتاب ابن طريف منع الحصن مناعًا ومنعة لم يُرَم.

وفي (( الغريبين ) )فلان في منعة؛ أي في تَمَنُّعٍ على من رامه وفلان في منعة؛ أي في قوم يمنعونه من الأعداء، وجزم القرطبي _ بسكون النون _ وقال ويجوز الفتح على أنه جمع مانع ككاتب وكتبة، وقد رجح الغزالي والهروي الإسكان في المفرد، وحسَّن ذلك صاحب (( إصلاح المنطق ) )، والمعنى هاهنا لو كان لي قوة أو قوم يمنعونني من الأعداء إذا قصدوني لطرحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صرح به [1] مسلم في رواية زكريا، وإنما قال ذلك؛ لأنه لم يكن له بمكة عشيرة؛ لكونه هُذليًا حليفًا، وكان حلفاؤه إذ ذاك كفارًا.

(فَجَعَلُوا) أي كانوا (يَضْحَكُونَ) استهزاء قاتلهم الله (وَيُحِيلُ) بالحاء المهملة (بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ) أي ينسب ذلك بعضهم إلى بعض بالإشارة تهكمًا من قولك أحَلْتُ الغَرِيْم إذا جعلت له أن يتقاضى المال من غيرك، وجاء (أحال) أيضًا بمعنى وثب.

وفي الحديث أن أهل خيبر أحالوا إلى الحصن؛ أي وثبوا، والمعنى هاهنا حينئذ يثب بعضهم على بعض من المزح والبَطَر، وفي رواية مسلم من رواية زكريا و «يميل بعضهم إلى بعض» ؛ أي من كثرة الضحك، وفي كتاب الصلاة «حتى مال بعضهم على بعض» .

(وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَاجِدٌ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ) أي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية (فَاطِمَةُ) هي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكَحَها علي بن أبي طالب رضي الله عنهما بعد وقعة أُحُد، وسِنُّها يومئذ خمس عشر سنة وخمسة أشهر، روي لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر حديثًا.

وفي (( الصحيحين ) )لها حديث واحد، روت عنها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما، وتوفيت فيما حكاه ابن عبد البر بعده صلى الله عليه وسلم بستة أشهر إلا ليلتين، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث خلت من شهر رمضان، وقيل بمائة يوم، وقيل غير ذلك، وغسَّلها على الصحيح علي رضي الله عنه بوصيتها له بذلك، وصلى عليها ودفنت ليلًا، وهي سيدة نساء هذه الأمة، ومناقبها جَمَّة، وكفى بها شرفًا كونها بِضْعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد إسرائيل في رواية (( وهي جُويرية فأقبلت تسعى وثَبَتَ النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا ) ).

(فَطَرَحَتْ) ما وضعه أشقى القوم،

ج 2 ص 350

وفي رواية بالضمير المنصوب (عَنْ ظَهْرِهِ) المكرم، وزاد إسرائيل ، وزاد البزار (( فلم يردوا عليها شيئًا ) ) (فَرَفَعَ) صلى الله عليه وسلم (رَأْسَهُ) وفي رواية ، وزاد البزار من رواية زيد بن أبي أُنَيْسة، عن أبي إسحاق ، قال البزار تفرَّد بقوله (( أما بعد ) )زيد.

(ثُمَّ قَالَ) كلمة (ثمَّ) تشعر بمهلة بين الرفع والدعاء وهو كذلك، ففي رواية الأجلح عند البزار (( فرفع رأسه كما كان يرفعه عند تمام سجوده فلما قضى صلاته قال ) ). ولمسلم والنسائي نحوه، والظاهر من ذلك أن دعاءه وقع خارج الصلاة، لكنه وقع وهو مستقبل الكعبة كما ثبت من رواية زهير، عن أبي إسحاق عند الشيخين.

(اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) أي بإهلاك كفارهم، أو بإهلاك من سُمِّي منهم بعدُ، وهم أبو جهل وأصحابه، بقرينة القصة فهو عام أريد به الخاص، وإلا فبعض قريش كانوا يومئذ مسلمين، كالصديق رضي الله عنه وغيره (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) كرره إسرائيل في روايته لفظًا لا عددًا، وزاد مسلم في رواية زكريا (فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذلك إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ) ولمسلم من رواية زكريا .

(قَالَ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (وَكَانُوا يُرَوْنَ) بضم الياء؛ أي يظنون، وقال الحافظ العسقلاني وفي روايتنا بفتح الياء من الرأي؛ أي يعتقدون.

(أَنَّ الدَّعْوَةَ) وفي رواية ابن عساكر (فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ) الحرام؛ أي مكة، ووقع في (( مستخرج أبي نعيم ) )من الوجه الذي أخرجه منه البخاري بدل قوله في ذلك البلد في الثالثة؛ أي الكرة الثالثة (مُسْتَجَابَةٌ) أي مجابة يقال استجاب وأجاب بمعنى واحد، قيل وما كان اعتقادهم إجابة الدعوة من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل من جهة المكان، ويمكن أن يكون ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم عليه السلام.

(ثُمَّ سَمَّى) أي فصَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أَجْمَل أولًا (فَقَال اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ) وفي رواية إسرائيل وهو اسم أبي جهل كما تقدم (وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ) بضم المهملة وسكون المثناة من فوق، وبالموحدة (بْنِ رَبِيعَةَ) بفتح الراء وكسر الموحدة.

(وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) أخي عتبة المذكور(وَالْوَلِيدِ

ج 2 ص 351

بْنِ عُتْبَةَ)بضم المهملة، وبالموحدة، هو ولد المذكور بعد أبي جهل، ولم تختلف الروايات فيه أنه كذا، إلا أنه وقع في رواية مسلم من رواية زكريا بالقاف بدل التاء، وهو وهم، نبَّه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق شيخ مسلم على الصواب.

(وَأُمَيَّةَ) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتانية (بْنِ خَلَفٍ) وفي رواية شعبة شك شعبة والصحيح أنه أمية؛ لأن المقتول ببدر بإطباق أصحاب المغازي هو أمية، وسيأتي في المغازي قتل أمية ببدر إن شاء الله تعالى، وأخوه أُبَي بن خَلف قُتِل بأُحُد.

(وَعُقْبَةَ) بضم المهملة وسكون القاف (بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ) بضم الميم وفتح المهملة وسكون التحتانية وبالمهملة (وَعَدَّ) النبي صلى الله عليه وسلم، أو عبد الله بن مسعود، أو عمرو بن ميمون (السَّابِعَ فَلَمْ نَحْفَظْهُ) بالنون، ويروى بالياء، وفاعله عبد الله بن مسعود، أو عمرو بن ميمون، أو أبو إسحاق، ففي رواية الثوري عند مسلم ما يدل على أن فاعل (( فلم نحفظه ) )أبو إسحاق، ولفظه قال أبو إسحاق ونسيت السابع، وعلى هذا ففاعل عَدَّ عمرو بن ميمون على أن أبا إسحاق قد تَذَكَّرَه مرة أخرى، فسمَّاه عمارة بن الوليد المغيرة، كذا أخرجه المؤلِّف في الصلاة [خ¦520] من رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق وسماع إسرائيل من أبي إسحاق في غاية الإتقان للزومه إياه؛ لأنه جدُّه، وكان خصيصًا به.

وقال عبد الرحمن بن مهدي ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوري، عن أبي إسحاق إلا اتكالًا على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم، وعن إسرائيل قال كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ سورة الحمد، وكذا ذكر البرقاني وغيره أن السابع هو عمارة بن الوليد.

وقال صاحب (( التلويح ) )وهو مشكل؛ لأن عمارة هذا لم يُقتل ببدر، بل ذكر أصحاب (( المغازي ) )كابن إسحاق وغيره أنه مات بأرض الحبشة، وله قصة مع النجاشي إذ تعرض لامرأته فأمر النجاشي ساحرًا فنفخ في إحليلِ عمارة من سحره عقوبة له، فتوحش وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر رضي الله عنه في أرض الحبشة، وقصته مشهورة.

والجواب أن كلام ابن مسعود رضي الله عنه في أنه رآهم صرعى في القليب محمول على الأكثر، ويدل عليه أن ابن أبي معيط لم يقتل ببدر، بل حُمِل منها أسيرًا فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصرافه من بدر بموضع يسمى عرق الظبية وهو الروحاء، على ثلاثة أميال من المدينة، وقيل إنَّه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 2 ص 352

أتقتلني من بين سائر قريش؟ قال (( نعم ) )ثمَّ قال (( بينا أنا بفناء الكعبة وأنا ساجد خلف المقام إذ أخذ بمنكبي يلف ثوبه على عنقي فخنقني خنقًا شديدًا، ثمَّ جاء مرة أخرى بسلى جزور بني فلان ) )وكان عقبة من المستهزئين أيضًا.

وذكر محمد بن حبيب أنه من زنادقة قريش، هذا، وكذا أمية بن خلف لم يُطرح في القليب كما هو، بل مُقطَّعًا كما سيأتي، ووقع في رواية الطيالسي، عن شعبة في هذا الحديث أن ابن مسعود رضي الله عنه قال «ولم أره دعا عليهم إلا يومئذ» ، وإنما استحقوا الدعاء حينئذ لما أقدموا عليه من التهكم به حال عبادته لربه تعالى، وإلا فحلمه صلى الله عليه وسلم عمن آذاه مما لا يخفى.

(قَالَ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) ولابن عساكر والمراد باليد هنا القدرة، أو صفة تليق بشأنه تعالى، وفي رواية مسلم (( والذي بعث محمدًا بالحق ) )، وفي رواية النسائي (( والذي أنزل عليه الكتاب ) )، وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كل ذلك تأكيدًا.

(لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ) وفي رواية أبي ذر وابن عساكر ويجوز ذلك كما في قوله تعالى {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} [التوبة 69] (عَدَّ) أي عدهم بحذف المفعول (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَرْعَى) مفعول ثان لقوله رأيت وهو جمع صريع كجرحى جمع جريح (فِي الْقَلِيبِ) بفتح القاف وكسر اللام، وهو البئر قبل أن تطوى يُذَّكر ويؤنث، وقال أبو عبيد هي البئر العادية القديمة، وجمع القِلَّة أقْلِبَة، وجمع الكثرة قُلُب.

(قَلِيبِ بَدْرٍ) بالجر بدل من قوله في القليب، ويجوز الرفع بتقدير هو، والنصب بتقدير أعني، لكن الرواية بالجرِّ، وفي رواية إسرائيل (( لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثمَّ سُحبوا إلى القليب قليب بدر، ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتبع أصحاب القليب لعنة ) )، وهذا يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي، فيكون فيه عَلَمٌ عظيم من أعلام النبوة، ويحتمل أن يكون قاله صلى الله عليه وسلم بعد أن أُلقوا في القليب، وزاد شعبة في روايته (( إلا أمية فإنه تقطعت أوصاله؛ لأنه كان بادنًا ) )، فإن قيل إن إلقاءهم في البئر دفن لهم والحربي لا يجب دفنه، بل يترك في الصحراء وهم كانوا حَرْبًا.

فالجواب أن إلقاؤهم في البئر كان تحقيرًا لهم، ولئلا يتأذى الناس برائحتهم، ولم يكن ذلك دفنًا.

فإن قيل في (( سنن الدارقطني ) )أن من سننه صلى الله عليه وسلم في مغازيه إذا مر بجيفة إنسان أمر بدفنه، لا يسأل عنه مؤمنًا كان أو كافرًا.

فالجواب أنه إنما كان لا يسأل؛ لأنه كان يعلم بالوحي أنه إن كان مؤمنًا يستحق الدفن لكرامته، وإن كان كافرًا فلئلا يتأذى الناس برائحته على أن المراد بدفنه ليس دفنًا شرعيًا بل صب التراب عليه للمُوَاراة.

فإن قيل إن صب التراب عليهم كان يقطع رائحتهم فما الحاجة إلى إلقائهم في البئر؟

فالجواب أن إلقاءهم في البئر أيسر عليهم في ذلك الوقت، مع زيادة

ج 2 ص 353

التحقير لهم كما ذكر.

فإن قيل كيف كان ذلك والناس ينتفعون بها؟

فالجواب أنه لم يكن فيها ماء وكانت عادية مهجورة.

فإن قيل كم عدد الذين ألقوا في القليب؟

فالجواب أن قتادة روى عن أنس رضي الله عنه عن أبي طلحة رضي الله عنه قال لما كان يوم بدر وظهر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ببضعة وعشرين رجلًا، وفي رواية بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فألقوا في طوى من أطواء بدر، ثمَّ إن الذين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم سبعة أنفس كما ذكروا وهم أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد بن المغيرة، أما أبو جهل فقتله معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء، ذكره في (( الصحيحين ) )ومر عليه ابن مسعود رضي الله عنه وهو صريع واجتز رأسه وأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «هذا رأس عدو الله» ، ونَفَّلَه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله، هذا كان فرعون هذه الأمة، ورأس أئمة الكفر ) ).

وفي رواية البيهقي (( فخَرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدًا ) )، وأما عتبة بن ربيعة بن عبد شمس فقتله حمزة رضي الله عنه وقيل اشترك حمزة وعلي رضي الله عنهما في قتله، وأما شيبة بن ربيعة أخو عتبة فقتله حمزة أيضًا، وأما الوليد بن عتبة فقتله عبيدة بن الحارث، وقيل علي، وقيل حمزة، وقيل اشتركا في قتله أيضًا، وأما أمية بن خلف بن صفوان بن أمية فقد اختلف أهل السير في مَن قَتَلَه، فذكر موسى بن عقبة قتله رجل من الأنصار من بني مازن.

وقال ابن إسحاق إن معاذ بن عفراء وخارجة بن زيد وحبيب بن إساف اشتركوا في قتله، وادعى ابن الجوزي أنه عليه السلام قتله، وفي السِّيَر من حديث عبد الرحمن بن عوف أن بلالًا خَرَجَ إليه ومعه نفر من الأنصار فقتلوه وكان بدينًا، فلما قُتِلَ انتفخ، فألقوا عليه التراب حتى غيبه ثمَّ جُرَّ إلى القليب فتقطع قبل وصوله إليه، وكان من المستهزئين، وفيه نزل قوله تعالى {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة 1] وهو الذي كان يُعذِّب بلالًا بمكة، وأما عقبة بن أبي معيط فقيل قتله علي رضي الله عنه، وقيل عاصم بن ثابت، والأصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قتله بعِرْق الظَّبية كما تقدم [خ¦240] ، وأما عمارة بن الوليد فقد ذكرنا أمره مع النجاشي، والله أعلم.

ج 2 ص 354

ومن فوائد هذا الحديث تعظيم الدعاء بمكة عند الكفار، وما ازدادت عند المسلمين إلا تعظيمًا عظيمًا، ومنها معرفة الكفار بصدق النبي صلى الله عليه وسلم لخوفهم من دعائه، ولكن لأجل شقائهم الأزلي حمَلَهم الحسد والعناد على ترك الانقياد له، فافهم.

ومنها استحباب الدعاء ثلاثًا، ومنها جواز الدعاء على الظالم، لكن قال بعضهم محلُّه ما إذا كان كافرًا، وأما المسلم فيستحب الاستغفار له والدعاء بالتوبة، ولو قيل لا دلالة فيه على الدعاء لما كان بعيدًا لاحتمال أن يكون اطلع صلى الله عليه وسلم على أن المذكورين لا يؤمنون، والأولى أن يُدْعَي لكل حَيٍّ بالهداية.

ومنها أن المباشرة أقوى وآكد من السبب والإعانة لقوله في عقبة (( أشقى القوم ) )مع أنه كان فيهم أبو جهل وهو أشد منهم كفرًا، ولكن كان عقبة مُبَاشِرًا كما مر، ومنها قوة نفس فاطمة الزهراء رضي الله عنها مع صغرها وشرفها في قومها ونفسها لكونها صرحت بشتمهم وهم رؤوس قريش فلم يردوا عليها، ومنها ما استدل به البخاري عليه من أن مَن حَدَثَ له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداءً لا تبطل صلاته ولو تمادى.

وأجاب الخطابي عن هذا بأن أكثر العلماء ذهبوا إلى أن السَّلَى نجس، وتأولوا معنى الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن تعبد إذ ذاك بتحريمه كالخمر كانوا يلابسون الصلاة وهي تصيب ثيابهم وأبدانهم قبل نزول التحريم، فلما حرمت لم تجز الصلاة فيها.

واعترض عليه ابن بطال بأنه لا شك أنها كانت بعد نزول قوله تعالى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر 4] ؛ لأنها أول ما نزل عليه من القرآن قبل كل صلاة إلا أن يقال المراد بها طهارة القلب وبراءة النفس عن الدنايا والآثام، ورد عليه بأن الفرث ورطوبة البدن طاهران، والسَّلَى من ذلك.

وقال النووي هذا ضعيف؛ لأن روث ما يؤكل لحمه ليس بطاهر، ثمَّ إنه يتضمن النجاسة من حيث إنَّه لا ينفك من الدم عادة، ولأنه ذبيحة عبدة الأوثان فهو نجس.

والجواب أنه عليه السلام لم يعلم ما وضع على ظهره فاستمر في سجوده استصحابًا للطهارة وما يُدْري هل كانت هذه الصلاة فريضة فيجب إعادتها على الصحيح أو غيرها فلا تجب، وإن وجبت الإعادة فالوقت موسع لها فلعله أعاد.

واعترض عليه بأنه لو أعاد لنُقِل ولم يُنْقَل، وفيه أنه لا يلزم من عدم النقل عدم الإعادة في نفس الأمر، على أن الله تعالى لا يقرُّه على التمادي في صلاة فاسدة وقد خلع نعليه وهو في الصلاة؛ لما أخبره جبريل أن فيهما قذرًا، فإن قيل كيف ما عَلِمَ بما وَضِعَ على ظهره وإن فاطمة رضي الله عنها ذهبت به

ج 2 ص 355

قبل أن يرفع رأسه؟

فالجواب أنه لا يلزم من إزالة فاطمة إياه عن ظهره إحساسه عليه السلام به؛ لأنه كان إذا دخل في الصلاة استغرق بالله، ولئن سلمنا إحساسه به فقد يحتمل أنه لم تتحقق نجاسته؛ لأن شأنه أعظم من أن يمضي في صلاته وبه نجاسة.

وقيل إن الفرث والدم كانا داخلين في السَّلَى، وجلدته الظاهرة طاهرة فكان كحمل القارورة المرصَّعة، واعترض عليه بأنه كان ذبيحةَ وثِنيٍّ؛ فجميع أجزائها نجسة؛ لأنها ميتة.

وأجيب عن ذلك بأنه كان قبل التعبد بتحريم ذبائحهم، واعترض عليه بأنه يحتاج إلى تاريخ ولا يكفي فيه الاحتمال.

وقال محمود العيني الاحتمال الناشئ عن دليل كاف، ولا شك أن تماديه عليه السلام في هذه الحالة قرينة تدل على أنه كان قبل تحريم ذبائحهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يستقر على أمر غير مشروع ولا يُقَرِّرُ غيرُه عليه؛ لأن حاله أَجلّ من ذلك وأعظم. انتهى.

ومنها أن أشهب المالكي احتج به على أنَّ إزالة النجاسة ليست بواجبة، قاله القرطبيُّ والدلائل القطعية التي توجب إزالتها عن ثوب المصلي وبدنه والمكان الذي يصلي فيه تَرُدُّ عليه.

وقال القرطبي ومنهم من فرَّق بين ابتداء الصلاة بالنجاسة فقال لا يجوز، وبين طُرُوها على المصلي في الصلاة فيطرحها عنه وتصح صلاته، والمشهور من مذهب مالك قطع طروها للصلاة إذا لم يكن طرحها بناءً على أن إزالتها واجبة، والله أعلم.

[1] في هامش الأصل قوله وصرح به؛ أي بقوله لطرحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت