2623 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، المكي وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أسلم أبي خالد مولى عمر بن الخطَّاب أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) زاد ابن المديني عن سفيان على المنبر، وهي في «الموطآت» للدَّارقطني، ولمالكٍ فيه إسناد آخر، سيأتي في «الجهاد» [خ¦3002] عن نافع عن ابن عمر. وله فيه إسناد ثالثٌ عن عَمرو بن دينار، عن ثابت الأحنف، عن ابن عمر. أخرجَه
ج 12 ص 113
أبو عمر.
(يَقُولُ حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي تصدَّقت به ووهبته بأن يقاتلَ عليه في سبيل الله، وزاد في رواية القعنبي في «الموطَّأ» (( على فرسٍ عتيقٍ ) )، والعتيق الكرم الفائق من كلِّ شيءٍ، وهذا الفرس هو الذي أهداه تميم الدَّاري لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له الورد، فأعطاه عمر رضي الله عنه، فحمل عليه عمر رضي الله عنه في سبيل الله، فوجده يباع. الحديث هكذا أخرجه ابن سعدٍ عن الواقديِّ بسنده عن سهلِ بن سعد في تسميتهِ خيل النَّبي صلى الله عليه وسلم.
ولا يعارضه ما أخرجه مسلم ولم يسق لفظه، وساقه أبو عوانة في «مستخرجه» من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ عمر رضي الله عنه حمل على فرس في سبيل الله فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا؛ لأنَّه يحمل على أنَّ عمر رضي الله عنه لمَّا أراد أن يتصدَّق به فوَّض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اختيار من يتصدَّق به عليه.
وقوله (( في سبيل الله ) )ظاهره أنَّه حمله عليه حمل تمليكٍ ليجاهد به، إذ لو كان حمل تحبيس لم يجز بيعه.
وقيل بلغ إلى حالةٍ لا يمكن الانتفاع به فيما حبس فيه، وهو مفتقرٌ إلى ثبوت ذلك، ويدلُّ على أنَّه تمليك قوله (( العائد في هبته ) )ولو كان حبسًا لقال في حبسه أو وقفه، وعلى هذا فالمراد بسبيل الله الجهاد، لا الوقف، فلا حجَّة فيه لمن أجاز بيع الموقوف إذا بلغ غاية لا يتصوَّر الانتفاع به فيما وقف له.
(فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) أي لم يحسن القيام عليه وقصَّر في مؤنته وخدمته، وقيل أي لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته، وقيل معناه استعمله في غير ما جعل له، والأول أظهر.
ويؤيِّده رواية مسلم من طريق روح بن القاسم، عن زيد بن أسلم فوجده قد أضاعَه وكان قليل المال، فأشار إلى علَّة ذلك.
(فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لاَ تَشْتَرِهِ وَلاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ)
ج 12 ص 114
سمِّي الشِّراء عودًا في الصَّدقة؛ لأنَّ العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمُشتري، فأطلق على القدر الذي يسامح به رجوعًا، وأشار إلى الرُّخص بقوله
(وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ) ويستفاد من قوله (( وإن أعطاكه ... إلى آخره ) )أنَّ البائع كان قد ملكه ولو كان محبَّسًا عليه _كما ادَّعاه بعض من تقدَّم ذكره _وجاز له بيعه؛ لكونه صار لا ينتفعُ به فيما حبس له لما كان له أن يبيعه إلَّا بالقيمة الوافرة، ولا كان له أن يسامح منها بشيءٍ ولو كان المشتري هو المحبس.
(فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) ثمَّ إنَّه حمل الجمهور هذا النَّهي في صورة الشِّراء على التَّنزيه، وحمله قومٌ على التَّحريم.
قال القرطبيُّ وغيره وهو الظَّاهر وليس بظاهرٍ، ثمَّ الزَّجر المذكور مخصوصٌ بالصُّورة المذكورة، وما أشبهها، لا ما إذا ردَّه إليه الميراث مثلًا.
قال القرطبيُّ يخصُّ من عموم هذا الحديث من وهب بشرط الثَّواب، ومن كان والدًا والموهوب له ولده والهبة التي لم تقبضْ والتي ردَّها الميراث إلى الواهب لثبوت الأخبار باستثناء كلِّ ذلك، وأمَّا ما عدا ذلك كالغني يثيب الفقير ونحوه من يصل رحمه فلا رجوع لهؤلاء، قال وممَّا لا رجوع فيه مطلقًا الصَّدقة يراد بها ثواب الآخرة.
ومطابقته للتَّرجمة في قوله (( لا تشتره وإن أعطاكه بدرهمٍ واحدٍ ... إلى آخره ) )فتأمَّل.
ثمَّ إنَّ الذي يفهم من صنيع البخاري أنَّه لا يفرق بين الهبة والصَّدقة، وليس كذلك، فإنَّ الهبة يجوز فيها الرُّجوع على ما فيها من الخلاف والتَّفصيل بخلاف الصَّدقة فإنَّه لا يجوز الرُّجوع فيها مطلقًا.
والحديث قد مضى في كتاب «الزَّكاة» [خ¦1490] في باب هل يشتري صدقته، وقد مرَّ الكلام فيه هناك.