فهرس الكتاب

الصفحة 4106 من 11127

2627 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابنُ الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا) أي أنس بن مالك رضي الله عنه (يَقُولُ كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ) بفتح الفاء والزاي؛ أي خوفٌ من عدوٍّ (فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ) هو زيد بن سهل زوج أم أنس رضي الله عنهم (يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ) قال ابنُ الأثير هو من النَّدب، وهو الرَّهن الذي يجعل في السِّباق، وقيل سمِّي به لندبٍ

ج 12 ص 126

كان في جسمهِ وهو أثرُ الجرح، وزاد في «الجهاد» [خ¦2867] من طريق سعيد عن قتادة كان يقطف أو كان فيه قطافٌ، كذا فيه بالشَّك، والمراد أنَّه كان بطيء المشي.

(فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَجَعَ، قَالَ مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ) أي من العدو وسائر موجبات الفزع (وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا) وفي رواية المستمليِّ بحذف الضَّمير. قال الخطابيُّ إن هي النَّافية واللام في (( لبحرًا ) )بمعنى إلا؛ أي ما وجدناه إلَّا بحرًا، والعرب تقول إن زيد لعاقل؛ أي ما زيدٌ إلَّا عاقل، وعلى هذا قراءة من قرأ {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه 63] بتخفيف إن، والمعنى ما هذان إلَّا ساحران، وقال ابنُ التِّين هذا مذهبُ الكوفيين وعند البصريِّين أنَّ (إنْ) مخفَّفة من الثَّقيلة واللام زائدة، والبحر هو الفرسُ الواسع الجري.

قال الأصمعيُّ يقال للفرسِ بحرًا إذا كان واسع الجري، وزعم نفطويه أنَّ البحرَ من أسماءِ الخيل، وهو الكثيرُ الجري الَّذي لا يفنى جريه، كما لا يفنى ماء البحر، ويؤيِّده ما في رواية سعيد عن قتادة «فكان بعد ذلك لا يجارى» .

وقال القاضي عياض إنَّ في خيلِ سيدنا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فرسًا يسمَّى «البحر» اشتراه من تُجر قدموا من اليمن، فسبق عليه مرَّات، ثمَّ قال بعد ذلك يحتمل أن تصيرَ إليه بعد أبي طلحة. قيل هذا مناقضٌ للأوَّل ولو قال إنَّهما فرسان اتَّفقا في الاسم لكان أقرب.

قال العينيُّ كان للنَّبي صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرون فرسًا، منها سبعة متَّفق عليها، وهي

السَّكب اشتراهُ من أعرابيٍّ في بني فزارةَ وهو أوَّل فرسٍ مَلكه وأوَّل فرسٍ غزا عليه وكان كُمَيتًا.

والمرتجز اشتراه من أعرابيٍّ من بني مرَّة، وكان أبيض.

ولَزَاز أهداهُ له المقوقِس.

واللَّحيف أهداهُ له ربيعة بن أبي البراء.

والظِّرَب أهداه له فروة بن عَمرو عامل البلقاء لقيصر الرُّوم.

والوَرْد أهداه له تميم الدَّاري فأعطاهُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فحمل عليه في سبيلِ الله، ثمَّ وجده يباع برخص، فقال له صلى الله عليه وسلم (( لا تشتره ) ). وسَبْحَة، والبقيَّة مختلفٌ فيها.

وذكر فيها البحر والمندوب، أمَّا البحرُ فقد ذكر القاضي عياض أنَّه اشتراه من تجَّار قدموا من اليمن، وأمَّا المندوب فهو الذي ركبه أبو طلحة من ندبه فانتدبَ؛ أي دعاه فأجابَ فقوله صلى الله

ج 12 ص 127

عليه وسلم (( وإن وجدناهُ لبحرًا ) )معناه وجدنا الفرس الذي يسمَّى مندوبًا بحرًا، فقوله بحرًا صفته، وليس المراد منه ذلك الفرس الذي اشتراهُ من التَّجار المسمَّى بالبحر.

وأمَّا ذكر المندوب في خيلهِ صلى الله عليه وسلم فالظَّاهر أنَّ أبا طلحةَ وهبه له فمن حسن جريهِ شبَّهه النَّبي صلى الله عليه وسلم ببحر، فدلَّ ذلك أن بحرًا اسم للفرس الذي اشتراهُ من التُّجار، والبحر الآخر صفةٌ للمندوبِ، وهذا تحرير الكلام.

وقد جمعَ بعضُهم أفراس النَّبي صلى الله عليه وسلم في بيتٍ، وهي الأفراس المتَّفق عليها، فقال

~والخيْلَ سَكْبٌ لَحِيفٌ سَبْحَةٌ ظِرَبٌ لِزَاز مُرْتَجزٌ وَرْدٌ لَهَا أَسْرَار

وآخر جمع أسيافه فقال

~إنْ شِئتَ أَسْمَاء أَسْيَافِ النَّبيِّ فَقَد جَاءتْ بأَسْمَائهَا السَّبْع أَخْبَارُ

~قُلْ مخْذَمٌ ثمَّ حَتْفٌ ذُو الفِقَارِ فَقُلْ عَضْبٌ رَسُوبُ وقَلْعِي وبتَّار

وقال العينيُّ سيوفه عشرة هذه السبعة والثلاثة الأخرى، رسوب ومأثور ورثه من أبيه قدم به المدينة، وهو أوَّلُ سيفٍ ملكه. قال الدِّمياطيُّ وهو الذي يقال إنَّه من عمل الجِنَّة، وصمصامةُ سيف عَمرو بن معدي كرب وهبه خالد بن سعيد، ويقال وله سيفٌ آخر يدعى القضيب، وهو أوَّل سيفٍ تقلَّد به. قاله النيسابوري في كتابه «شرف المصطفى» .

هذا وقال ابن بطال اختلف العلماء في عارية الحيوان والعقار

فروى ابن القاسم عن مالك أنَّ من استعار حيوانًا وغيره ممَّا لا يغاب عنه فتلف عنده فهو مصدَّقٌ في تلفه، ولا يضمنه إلَّا بالتعدِّي، وهو قول الكوفيين والأوزاعي. وقال عطاء العاريَّة مضمونةٌ على كلِّ حالٍ؛ كانت ممَّا لا يُغاب عنه أم لا، تعدَّى فيها أو لا، وبه قال الشافعيُّ وأحمد، وقالت الشافعيَّةُ إلَّا إذا تلف من الوجه المأذون فيه فلا ضمان عندنا.

وقال أصحابنا الحنفيَّة العاريَّة أمانةٌ، إن هلكتْ من غير تعدٍّ لم تضمنْ، وهو قول عليٍّ وابن مسعود والحسن والنخعيِّ والشَّعبيِّ والثَّوري وعمر بن عبد العزيز وشريح والأوزاعي وابن شبرمة وإبراهيم، وقضى شريح بذلك ثمانين سنة بالكوفة. وقال الشافعيُّ تضمن، وبه قال أحمد، وهو قولُ ابن عبَّاس وأبي هريرة وعطاء وإسحاق. وقال قتادةُ وعبد الله بن الحسين العنبري

ج 12 ص 128

إِنْ شرط ضمانها ضمن وإلَّا فلا. وقال ربيعة كلُّ العواري مضمونة.

وفي «الروضة» إذا تلفت العينُ في يد المستعير ضمنها سواءٌ تلفت بآفَّةٍ سماويَّةٍ، أو بفعله بتقصيرٍ أم بلا تقصيرٍ هذا هو المشهور، وحكي قول أنَّها لا تضمنُ إلَّا بالتعدِّي وهو ضعيفٌ، ولو أعار بشرط أن تكون أمانةً لغا الشرط وكانت مضمونة.

وفي «حاوي الحنابلة» إِنْ شرط نفي ضمانها سقط الضَّمان، وإن تلف جزؤها باستعماله؛ كحمل منشفةٍ لم يضمنْ في أصحِّ الوجهين، انتهى.

قال العينيُّ ولو شرط الضَّمان في العارية هل يصحُّ فالمشايخ مختلفون فيه، كذا في «التحفة» .

وقال في «خلاصة الفتاوى» رجلٌ قال لآخر أعرني ثوبك فإن ضاعَ فأنا له ضامنٌ قال لا يضمن، ونقله عن «المنتقى» واحتجَّ الشافعي ومن معه بأحاديث

منها حديث أبي أمامة رضي الله عنه أخرجه أبو داود عنه أنَّه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع يقول (( العاريَّة مؤدَّاة، والزَّعيم غارمٌ ) )وحسَّنه الترمذي، وصحَّحه ابن حبَّان.

ومنها حديث أميَّة بن صفوان بن أمية عن أبيه (( أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم استعار منه أدرعًا يوم حنين فقال أغصبًا يا محمد؟ قال لا بل عاريَّةٌ مضمونة ) )رواه أبو داود والنَّسائي.

ومنها حديث يعلى بن أميَّة رواه أبو داود والنسائيُّ عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا أتتك رسلي فادفع إليهم ثلاثين درعًا، فقلت يا رسول الله، أعاريةٌ مضمونةٌ أم عاريةٌ مؤدَّاة؟ فقال بل عارية مؤدَّاة ) ).

ومنها حديث سمرة رواه الأربعة عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( على اليد ما أخذتْ حتَّى تؤديه ) )وحسَّنه التِّرمذي، وقال الحاكم صحيحٌ على شرطِ البُخاري.

وحجَّة الذين ينفون الضَّمان إلَّا بالتَّعدي ما رواه الدَّارقطني، ثمَّ البيهقي في «سننيهما» عن عَمرو بن عبد الجبار، عن عبيدة بن حسان، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدِّه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ليس على المستودع غير المغلِّ ضمانٌ، ولا على المستعير غير المُغِلِّ ضمانٌ ) ).

وروى ابنُ ماجه في «سننه» عن المثنى بن صباح، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم

ج 12 ص 129

قال (( من أودعَ وديعةً فلا ضمان عليه ) ).

فإن قيل قال الدارقطنيُّ عَمرو بن عبد الجبار، وعبيدة ضعيفان، وإنَّما يروى هذا من قول شريح غير مرفوعٍ، فالجواب أنَّ الجرح المبهم لا يقبل ما لم يتبيَّن سببه، ورواية من وقفهُ لا تقدح في رواية من رفعه، وقيل عَبيدة هذا لم يضعِّفه أحدٌ من أهل هذا الشأن.

وذكره البخاريُّ في «تاريخه» ولم يذكر فيه جرحًا، وكذا عَمرو بن عبد الجبار لم يضعِّفه أحدٌ، غير أنَّ ابن عديٍّ لم يزد على قوله له مناكير. وقد اعترضَ على القائل المذكور بأنَّ عبيدة قال فيه أبو حاتم الرَّازي إنَّه منكر الحديث.

وقال ابن حبَّان يروي الموضوعات عن الثِّقات، وردَّ عليهما بأنَّهما لم يبيِّنا سببَ الجرح، والجرح المجرَّد لا يقبل، على أنَّ البخاري لما ذكره في «تاريخه» لم يتعرَّض إليه بشيءٍ.

والجواب عن حديث أبي أمامة أنَّه ليس فيه دَلالةٍ على التَّضمين؛ لأنَّ الله تعالى قال {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء 58] فإذا تلفت الأمانة لم يلزمه ردها، وأمَّا حديث صفوان بن أميَّة فهو مضطربٌ سندًا ومتنًا وجميع وجوهه لا تخلو عن نظر.

ولهذا قال صاحب «التمهيد» الاضطراب فيه كثيرٌ، ولا حجَّة فيه عندي في تضمين العارية انتهى.

ثمَّ على تقدير صحته قوله مضمونة؛ أي مضمونة الردِّ عليك بدليل قوله (( حتَّى نؤدِّيها إليك ) )، ويحتمل أن يريدَ اشتراط الضَّمان، والعارية بشرط الضَّمان مضمونةٌ في رواية للحنفية.

وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال العارية بمنزلةِ الوديعة لا ضمان فيها إلَّا أن يتعدَّى. وأخرج عن عليٍّ رضي الله عنه ليس على صاحب العارية ضمان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه العارية ليست بيعًا ولا مضمونة، إنَّما هو معروفٌ إلَّا أن يخالف فيضمن.

وأمَّا حديث سمرة فإنَّ الأداء فيه فرضٌ ولا يلزم منه الضَّمان، ولو لزم من اللَّفظ الضَّمان فيضمن.

وأمَّا حديث سمرة المرهون والودائع لأنها ممَّا قبضته إليه.

ج 12 ص 130

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت