2671 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بتشديد الشين المعجمة، وقد تكرَّر ذكره، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) بفتح العين المهملة وكسر الدال المهملة، هو محمد بن أبي عدي، واسم أبي عدي إبراهيم (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ حسان القُرْدُوسي _ بضم القاف وسكون الراء وضم المهملة وإهمال السين _ البصري، مات سنة سبع وأربعين ومائة.
(عَنْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ) بضم الهمزة وتخفيف الميم وتشديد التحتانية، ابن عامر بن قيس بن عبد الأعلى بن عامر بن كعب بن واقف، واسمه مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس الأنصاريِّ الواقفي شهد بدرًا وأحدًا وكان قديم الإسلام، وأمُّه أنيسة بنت هندٍ أخت كلثوم بن الهدم الذي نزل عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا قدم المدينة مهاجرًا، وهو أحد الثَّلاثة الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك، ثمَّ تاب الله عليهم.
وقال الطَّبري والمهلَّب بن أبي صفرة يستنكر قوله في الحديث هلال بن أميَّة، وإنَّما القاذف هو عويمر العجلاني، وكانت هذه القصَّة في شعبان سنة تسع منصرف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك. وقال المهلَّب وأظنُّه غلط من هشام بن حسَّان، وممَّا يدلُّ على أنَّها قصَّة واحدة توقُّف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى أنزل الله عزَّ وجلَّ، ولو أنَّهما قصَّتان لم يتوقف عن الحكم فيها في الثَّانية بما أنزل الله تعالى.
وقال العينيُّ لم ينفرد به هشام، بل تابعه عبَّاد بن منصور، ذكره التِّرمذي، وقال ورواه عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما متصلًا.
ورواه أيُّوب عن عكرمة مرسلًا، ولم يذكر ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وروى الطَّبري في «تفسيره» قال حدَّثنا أبو أحمد الحسين بن محمد
ج 12 ص 306
ثنا جرير بن حازم، عن أيُّوب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قذف هلالٌ امرأته قيل له ليجلدنَّك رسول الله صلى الله عليه وسم ثمانين جلدةً، فنزلت له الآية، الحديث مطوَّلًا.
ولما رواه الحاكم كذلك من حديث الحسن بن محمد المروزي عن جرير به، قال صحيحٌ على شرط البخاري، ورواه ابن مردويه في «تفسيره» عن عباد عن عطاء عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وقال الخطيب حديث هلال وعويمر صحيحان، فلعلَّهما اتفقا معًا في مقامٍ واحدٍ أو مقامين، ونزلت الآية الكريمة في تلك الحال، لاسيَّما وفي حديث عويمر كره رسول الله صلى الله عليه وسلم السَّائل يدلُّ على أنَّه سبق بالمسألة، مع ما روي عن جابرٍ رضي الله عنه أنَّه قال ما نزلت آية اللعان إلَّا لكثرة السُّؤال.
وقال الماورديُّ الأكثرون على أنَّ قصَّة هلال أسبق من قصَّة عويمر، والنَّقل فيهما مشتبه، وقال ابن الصَّباغ في «الشامل» قصَّة هلال تبيَّن أنَّ الآية نزلت فيه أولًا، وقول النَّبي صلى الله عليه وسلم لعويمر (( إنَّ الله أنزل فيك وفي صاحبتك ) )معناه ما نزل في قصَّة هلال؛ لأنَّ ذلك حكم عام لجميع المسلمين.
وقال النَّووي ولعلَّها نزلت فيهما جميعًا؛ لاحتمال سؤالهما في وقتين مُتقاربين فنزلت، وسبق هلال باللعان.
(قَذَفَ امْرَأَتَهُ) زعم مقاتل في «تفسيره» أنَّ المرأة اسمها خولة بنت قيس الأنصاريَّة (عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء في الأول وبفتح المهملة وسكون المهملة أيضًا وبالمد في الثاني، وسحماء أمه، وأبوه عُبَيدة _ بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية _ ابن مُعْتب _ بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد المثناة الفوقية وآخره موحدة _ كذا ضبطه الشَّيخ محيي الدين.
وقال الدَّارقطني مغيْث _ بالغين المعجمة وسكون المثناة التحتية وآخره ثاء مثلثة _ ابن الجَدِّ _ بفتح الجيم وتشديد الدال _ ابن عجلان بن حارثة بن ضبيعة البلوي، وهو ابن عمِّ مَعْن، وعاصم ابني عديِّ بن الجد، وهو حليف الأنصار وهو صاحب اللعان، قيل إنَّه شهد مع أبيه أحدًا، وهو أخو البراء
ج 12 ص 307
بن مالك لأمِّه، وهو الذي قذفه هلال بن أميَّة بامرأته.
وعن أنسٍ رضي الله عنه أنَّه أوَّل من لاعن في الإسلام، وإنَّما سمِّيت أمُّه سحماء لسوادها، وقيل اسمها لُبَيْبة، وقيل مانية بنت عبد الله.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّنَةَ) يروى بالنصب؛ أي أحضر البينة، أو أقم البينة، ويجوز الرفع على معنى الواجب عليك البينة (أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) أي الواجب عند عدم البينة حدٌّ في ظهرك، ويروى (( البينة وإلَّا حدٌّ في ظهرك ) )أي وإن لم تحضر البينة فجزاؤك حدٌّ في ظهرك.
فالجزء الأوَّل من الجملة الجزائية والفاء محذوفان، كذا قال العينيُّ والكرماني، وكلمة (في) بمعنى (على) أي على ظهرك؛ كما في قوله تعالى {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه 71] أي عليها.
(فَقَالَ) أي هلال بن أمية (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا، يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ) جملة حالية من الالتماس، وهو الطَّلب.
(فَجَعَلَ) أي طفق رسول الله صلى الله عليه وسلم (يَقُولُ الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) والمعنى أنَّه يكرِّر قوله (( البينة أو حدٌّ في ظهرك ) ).
(فَذَكَرَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (حَدِيثَ اللِّعَانِ) وهو الذي ذكره البخاريُّ في «التَّفسير» في سورة النُّور، والذي ذكره هنا قطعة منه، وذكره بالسَّند المذكور عن محمد بن بشَّار المذكور إلى قوله (( أو حد في ظهرك ) )، ثمَّ قال فقال هلال والذي بعثك بالحقِّ إنِّي لصادقٌ، فلينزل الله ما يُبرئ ظهري من الحدِّ، فنزل جبريل عليه السَّلام وأنزل عليه صلى الله عليه وسلم {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} فقرأ حتَّى بلغ {إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور 6 - 9] .
وهذه الآية في سورة النُّور قال الله تعالى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} بدل من شهداء أو صفة له على أن لا بمعنى غير {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} أي فالواجب شهادة أحدهم، أو فعليهم شهادة أحدهم، وأربع نصب على المصدر، وقد قرأ حمزة والكسائي وحفص
ج 12 ص 308
بالرَّفع على أنه خبر شهادة.
{بِاللَّهِ} متعلق بشهادات؛ لأنَّها أقرب، وقيل بشهادة لتقدُّمها {إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} أي فيما رماها به من الزِّنا، وأصله على أنَّه، فحذف الجار وكسرت، أو علَّق العامل عنه باللام تأكيدًا.
{وَالْخَامِسَةُ} أي والشَّهادة الخامسة {أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} في الرَّمي، وقرأ نافع ويعقوب بالتخفيف في الموضعين، هذا لعان الرَّجل، وحكمه سقوط حد القذف عنه، وحصول الفرقة بينهما بنفسه فرقة فسخ عند الشَّافعية، وبتفريق الحاكم فرقة طلاقٍ عند أبي حنيفة، ونفي الولد إن تعرَّض له فيه، وثبوت حدِّ الزِّنا على المرأة؛ لقوله تعالى {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} ؛ أي الحد {أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} أي فيما رماني به {وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} في ذلك.
ورفع الخامسة بالابتداء وما بعده الخبر، أو بالعطف على أن تشهد، ونصبها حفص عطفًا على أربع، وقرأ نافعٌ {أَنْ غَضِبَ اللَّهُ} بتخفيف (أَنْ) وغضب على أنَّه فعل ماض، وقرأ يعقوب أيضًا بتخفيف (أَنْ) ، ورفع (غَضَبُ) .
ثمَّ قال الله تعالى {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور 10] متروك الجواب للتَّعظيم؛ أي لفضحكُم وعاجلكُم بالعقوبة.
وتمام الحديث فانصرف النَّبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليها فجاء هلال، فشهدوا النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّ الله يعلم أنَّ أحدكُما كاذبٌ فهل منكما تائب ) )ثمَّ قامت فشهدت، فلمَّا كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا إنَّها موجبةٌ.
قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما فتلكأت ونكصت حتَّى ظننَّا أنَّها ترجع، ثمَّ قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( أبصروها فإن جاءت به أكحلَ العينين، سابغَ الأليتين، خدلج السَّاقين، فهو لشريك بن سَحْماء ) )فجاءت به كذلك، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لولا ما مَضى من كتاب الله لكان لي ولها شأنٌ ) )هذه رواية البخاريِّ.
وأبو داود له طريقان في هذا الحديث أحدهما عن محمَّد بن بشار. .. إلى آخره نحو رواية البخاري سندًا
ج 12 ص 309
ومتنًا، والآخر عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال حدَّثنا يزيد بن هارون، قال حدثنا عباد عن منصورٍ عن عكرمة عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال جاء هلال بن أميَّة، وهو أحد الثَّلاثة الذين تاب الله عليهم، فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلًا فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهجه حتَّى أصبح، ثمَّ غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنِّي جئت أهلي عشاء، فرأيت عندهم رجلًا فرأيتُ بعيني وسمعتُ بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتدَّ عليه، فنزلت {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} الآيتين كلتاهما، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال (( أبشر يا هلال قد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا ) )قال هلال قد كنت أرجو ذلك من ربِّي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أرسلوا إليها ) )فجاءت، فتلا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكَّرهما وأخبرهما أنَّ عذاب الآخرة أشدُّ من عذاب الدُّنيا. فقال هلال والله لقد صدقتُ عليها، فقالت كذب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لاعنوا بينهما ) )فقيل لهلال اشهد، فشهد أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصَّادقين، فلمَّا كان الخامسة قيل له يا هلال اتَّق الله فإنَّ عذاب الدُّنيا أهون من عذاب الآخرة، وإنَّ هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال والله لا يعذِّبني الله عليها كما لا يجلدني عليها، فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثمَّ قيل لها اشهدي، فشهدت أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الكاذبين، فلمَّا كان الخامسة قيل لها اتَّق الله فإنَّ عذاب الدُّنيا أهون من عذاب الآخرة، وإنَّ هذه الموجبةُ التي توجب عليك العذاب، فتلكَّأتْ ساعةً ثمَّ قالت والله لا أُفضح قومي، فشهدت الخامسة أنَّ غضب الله عليها إن كان من الصَّادقين.
ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى
ج 12 ص 310
أن لا يدعى ولدها لأبٍ، ولا ترمى، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحدُّ، وقضى أن لا بيت عليه، ولا قوت من أجل أنَّهما يتفرَّقان من غير طلاقٍ ولا متوفَّى عنها، وقال (( إن جاءت به أُصَيْهِب، أُرَيْصِح، أُثَيْبِج، حمش السَّاقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدًا جماليًّا خدلَّج السَّاقين سابغَ الأليتين، فهو للَّذي رميتَ به ) )فجاءت به أورق جعدًا جماليًّا خدلَّج السَّاقين سابغ الأليتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لولا الأيمان لكان لي ولها شأنٌ ) ).
قال عكرمة فكان بعد ذلك أميرًا على مصر وما يدعى لأبٍ، ولا علينا أن نذكرَ تفسير ما وقع في الحديث من الألفاظ الغريبة.
وقوله (( فتلكَّأت ) )أي تبطَّأت عن إتمام اللِّعان، قوله (( ونكصت ) )أي رجعت إلى ورائها وهو القهقرى، يقال نَكَصَ يَنْكِص، من باب ضَرَب يَضْرِب.
قوله (( لا أُفضح ) )بضم الهمزة، من الإفضاح، قوله (( سابغ الإليتين ) )أي تامَّهما وعظيمهما من سبوغ الثَّوب والنِّعمة.
قوله (( خدلَّج السَّاقين ) )أي عظيمهما، قوله (( لولا ما مضى من كتاب الله ) )هو قوله {وَيَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ} .
قوله (( فلم يهجه ) )أي لم يزعجه ولم ينفره، من هَاج الشَّيء يَهِيْج هَيْجًا واهْتَاج؛ أي ثار وهاجه غيره.
قوله (( أُصَيْهب ) )مصغَّر أُصْهَب، وفي رواية (( أصهب ) )بالتَّكبير، وهو الذي يعلو لونه صهبة وهي كالشقرة. وقال الخطَّابي والمعروف أنَّ الصهبة مختصَّة بالشَّعَر، وهي حمرةٌ يعلوها سوادٌ.
قوله (( أُرَيْصِح ) )تصغير أرصح، وهو النَّاتئ الأليتين، ومادَّته راء وصاد وحاء مهملتان، ويجوز بالسين، قاله الهرويُّ. والمعروف في اللغة أنَّ الأرسح والأرصح، هو الخفيف لحم الأليتين.
قوله (( أُثَيْبِج ) )تصغير أَثْبَج، وهو النَّاتئ الثَّبَج؛ وهو ما بين الكتفين والكاهل، ومادته ثاء مثلثة وباء موحدة وجيم.
قوله (( حمش السَّاقين ) )أي دقيقهما يقال رجلٌ حَمْش السَّاقين، وأَحْمَش السَّاقين، ومادته حاء مهملة
ج 12 ص 311
وميم وشين معجمة.
قوله (( أورق ) )أي أسمر، والورقة السَّمرة، يقال جملٌ أَوْرق، وناقةٌ وَرْقاء.
قوله (( جعد ) )الجَعْد في صفات الرِّجال يكون مدحًا وذمًّا، فالمدح معناه أن يكون شديد الأسر والخلق، أو يكون جعد الشَّعر وهو ضدُّ السَّبط؛ لأنَّ السُّبُوطة أكثرها في شُعور العجم، وأمَّا الذَّم فهو القصير المتردِّد الخلق.
قوله (( جُماليًّا ) )بضم الجيم وتشديد الياء، الضَّخم الأعضاء التَّام الأوصال.
هذا واعلم أنَّه قد أجمع العلماء على صحَّة اللِّعان، واللِّعان عندنا شهاداتٌ مؤكدات بالأيمان مقرونة باللَّعن قائمة مقام حدِّ القذف في حقِّه، ولهذا يُشترط كونها ممَّن يحدُّ قاذفها ولا تقبل شهادته بعد اللِّعان أبدًا، وقائمة مقامَ حدِّ الزِّنا في حقِّها، ولهذا لو قذفها مرارًا يكفي لعان واحد كالحدِّ.
وعند الشَّافعي ومالك وأحمد هي أيمانٌ مؤكدات بلفظ الشَّهادة، فيشترط أهلية اليمين عندهم، فيجري بين الرَّجل المسلم وامرأته الكافرة، وبين الكافر وامرأته الكافرة، وبين العبد وامرأته.
وعندنا يشترط أهلية الشَّهادة، فلا يجري إلَّا بين المسلمين الحرَّين العاقلين البالغين الغير المحدودين في قذف؛ لقوله تعالى {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} [النور 6] ويجري بين الفاسق وامرأته، وبين الأعمى وامرأته؛ لأنَّ هذه الشَّهادة مشروعةٌ في مواضع التَّهمة، وإن كان لا تقبل شهادة الفاسق والأعمى في سائر المواضع.
ويشترط أيضًا أن تكون المرأة ممن يحد قاذفها فلا بدَّ من إحصانها، ويُشترط أيضًا أن يكون القذف بالزِّنا بأن يقول أنت زانية أو زنيتِ، ولو قذفها بغير الزِّنا لا يجب اللِّعان.
وقال القرطبيُّ الأكثر على أنَّهما بفراغهما من اللعان يقع التَّحريم المؤبَّد ولا تحلُّ له أبدًا، وإن أكذب نفسه متمسكين بقوله (( لا سبيل لك عليها ) )وبما جاء في حديث ابنِ شهاب (( لمضت سنة المتلاعنين أن يفرِّق بينهما ولا يجتمعان ) ).
وقال أبو حنيفة
ج 12 ص 312
وأصحابه إذا التعنا بانتْ بتفريق الحاكم حتَّى لو مات أحدُهما قبل حكم الحاكم ورثهُ الآخر. وقال زفر لا تقع الفرقة إلَّا إذا تلاعنا جميعًا، فإذا تلاعنا وقعت قضاء. وبه قال مالك وأحمد في رواية.
وقال أبو حنيفة وأحمد وعبيد الله بن الحسن التَّفريق تطليقة بائنة حتَّى إذا أكذب نفسه جاز نكاحها، وعند أبي يوسف تحريم مؤبَّد، وبه قال مالك والشَّافعي وأحمد وزفر. وقال عثمان البتِّي لا تأثير للعان في الفرقة، وإنَّما يسقط النَّسب والحدُّ وهما على الزَّوجية، كما كانا حتَّى يطلِّقها، وحكاه الطَّبري أيضًا عن جابر بن زيد.
وقال أبو بكر الرَّازي قال مالكٌ والحسن بن صالح والشَّافعي والليث أيٌّ منهما نَكَلَ حُدَّ، إن كان الزَّوج فللقذف وإن كان إيَّاها فللزنا.
وعن الشَّعبي والضَّحاك ومكحول إذا أبت رجمت، وأيُّهما نكل حبس حتَّى يلاعن، وذكر ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه.
واستدلَّ الشَّافعي بقوله (( قذف امرأته بشريك بن سَحْمَاء ) )على أنَّه لا حدَّ على الرَّامي زوجته إذا سمَّى الذي رماها به ثمَّ التعن. وعند مالكٍ يحدُّ ولا يكتفي بلعانه، واعتذرَ بعض أصحابه عن حديث شريك بن سحماء بأنَّ شريكًا لم يطلب حقَّه.
وزعم أبو بكر الرَّازي أنَّه كان حد القاذف الجلد بدَلالة قوله (( البينة وإلَّا حدٌّ في ظهرك ) )وأنَّه نسخ الجلد إلى اللِّعان.
وفي الحديث في قوله (( لولا ما مضى من كتاب الله ) )أنَّ الحكم إذا وقع بشرطه لا ينقض، وإن بيَّن خلافه إذا لم يقع خللٌ أو تفريط في شيءٍ.
وفيه أيضًا في قوله (( البينة وإلَّا حد في ظهرك ) )مراجعة الخصم الإمام إذا رجا أن يظهر له خلاف ما قال له؛ لأنَّ قوله صلى الله عليه وسلم هذا كالفتيا، وفيه أنَّ الحدود والحقوق يستوي فيه الصَّالح وغيره، قاله الدَّاودي هذا.
فائدة وإنَّما سمِّي اللِّعان لعانًا لقول الزَّوج عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين، وقيل سمِّي لعانًا؛ لأنَّه من اللَّعن وهو الطَّرد والإبعاد، ولا شكَّ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يبعد عن صاحبه.
ثمَّ اللعان والتَّلاعن
ج 12 ص 313
والملاعنة بمعنى واحدٍ يقال تلاعنا والتعنا ولاعن القاضي بينهما، وإنَّما اختير لفظ اللَّعن على لفظ الغضب؛ لأنَّ لفظ الَّلعن مقدَّم في الآية الكريمة وفي صورة اللِّعان
ولأنَّ جانب الرَّجل فيه أقوى من جانب المرأة؛ لأنَّه قادرٌ على الابتداء باللعان دونها، وأنَّه قد ينفك لعانه عن لعانها ولا ينعكس.
وأمَّا الحكمة في مشروعيَّة اللِّعان فحفظ الأنساب، ودفع المعرَّة عن الأزواج، وإنَّما جعل اللَّعن للرَّجل والغضب للمرأة؛ لأنَّ الإنسان لا يؤثر أن يهتكَ زوجه بالمحال، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله ينطلق يلتمس.
فإن قيل الحديث ورد في الزَّوجين، والتَّرجمة أعمُّ من ذلك، والانطلاق لالتماس البيِّنة لتمكين القاذف من إقامة البيِّنة حتَّى يندفع الحدُّ عنه، وليس الأجنبي كذلك فإنَّه لا يترك لطلب البينة، بل يحبسه الإمام خشية أن يهرب.
فالجواب أنَّه إنَّما كان ذلك قبل نزول آية اللِّعان حيث كان الزَّوج والأجنبي سواء، وإذا ثبت ذلك للقاذف ثبت لكلِّ مدَّعٍ بطريق الأولى، والله تعالى أعلم.
والحديث أخرجه المؤلِّف في «التفسير» [خ¦4747] و «الطلاق» أيضًا [خ¦5307] ، وأخرجه التِّرمذي في «التفسير» و «الطَّلاق» .