فهرس الكتاب

الصفحة 4206 من 11127

2692 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن يحيى بن عمرو بن أويس الأويسي، وفي بعض النُّسخ لفظ الأويسي، مذكورٌ وهو نسبة إلى أحد أجداده، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان

ج 12 ص 362

(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو حُميد _ بضم الحاء _ بن عبد الرَّحمن بن عوف (أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف، ابن أبي معيط كانت تحت زيد بن حارثة، ثمَّ تزوَّجها عبد الرَّحمن بن عوف؛ فولدت له إبراهيم وحميدًا، ثمَّ تزوَّجها عَمرو بن العاص وهي أخت الوليد بن عقبة، وأخت عثمان بن عفان لأمِّه، أسلمتْ وهاجرتْ وبايعت، وكانت هجرتها سنة سبع.

وقال الكرمانيُّ وهي أوَّل مهاجرةٍ من مكة إلى المدينة.

(أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ) وقوله (( الذي يصلح بين النَّاس ) )في محلِّ النَّصب على أنَّه خبر ليس، ويُصلح _ بضم الياء _ من الإصلاح (فَيَنْمِي خَيْرًا) من نمى الحديثَ إذا رفعه وبلَّغه على وجه الإصلاح وطلب الخير.

يَنْمِي _ بفتح أوله وكسر الميم _ وأنماه إذا بلَّغه على وجه الإفساد والنَّميمة، كذا قال الخطَّابي، وقال الحافظ العسقلانيُّ وكذا نمَّيته، بالتشديد.

هذا وقال ابن فارس نمَّيت الحديث _ بالتشديد _ إذا أشعته، ونمَّيته _ بالتخفيف _ أسندته، وقال الزَّجاج في فعلتُ وأفعلتُ نميت الشَّيء وأنميته بمعنى.

وفي «فصيح ثعلب» نمى ينمي؛ أي زاد وكثر، وحكى اللَّحياني ينمو بالواو، قال وهما لغتان فصيحتان، وفيه لغةٌ أخرى حكاها ابن القطَّاع وغيره نمُو على وزن شرُف.

وقال الكسائيُّ لم أسمعه بالواو إلَّا من أخوين من بني سليم، قال ثمَّ سألت عنه بني سليم فلم يعرفوه بالواو. وفي «الصِّحاح» وربَّما قالوا بالواو ينمو، وفي «الواعي» وغيره ينمي أفصح، وذكر أبو حاتم في تقويم المفسد لا يقال ينمو. وعن الأصمعي العامَّة يقولون ينمو، ولا أعرف ذلك بثبت، وذكر اللَّيلي أنَّ بعض اللُّغويِّين فرَّق بين ينمي وينمو، فقال ينمي، بالياء للمال، وبالواو لغير المال.

وقال الحربيُّ لا يقال إلَّا نمَّيته بالتَّشديد، وأكثر المحدِّثين يقولون نمَى خيرًا، بتخفيف الميم، وهذا لا يجوز في النَّحو، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفصح النَّاس قال ومن خفَّف الميم لزمه أن يقول خير،

ج 12 ص 363

بالرفع، انتهى.

وتعقَّبه ابن الأثير بأنَّ خيرًا ينتصب بيُنمي، كما ينتصب بقال، وهو واضحٌ جدًّا يُستغرب من خفاء مثله على الحربي.

وقال القاضي البيضاويُّ أي يبلغ خير ما سمعه ويدع شرَّه، يقال نميت الحديث، مخففًا في الإصلاح، ومثقلًا في الإفساد، وكان الأول من النَّماء؛ لأنَّه رفع لما يبلغه، والثَّاني من النَّميمة، انتهى.

ووقع في رواية في «الموطأ» يُنمي، بضم أوله، وذكر ابن قَرْقول عن القعنبي كذلك، وحكى ابن قَرْقول من رواية ابنِ الدَّباغ (( يُنهِي ) )بضم الياء وكسر الهاء، بدل الميم، قال وهو تصحيفٌ، ويمكن تخريجه على معنى يوصله من أنهيت الأمر إلى كذا؛ أي أوصلتُه إليه.

وفي «المحكم» أنميته أذعتُه على وجه النَّميمة.

(أَوْ يَقُولُ خَيْرًا) شكٌّ من الرَّاوي، قال العلماء المراد هنا أنَّه يخبر بما علمه من الخير، ويسكت عمَّا علمه من الشَّر، ولا يكون ذلك كذبًا؛ لأنَّ الكذب الإخبار بالشَّيء على خلاف ما هو به، وهذا ساكتٌ ولا ينسب لساكتٍ قول، ولا حجَّة فيه لمن قال يشترط في الكذب القصد إليه دون القول؛ لأنَّ هذا ساكتٌ وليس له قول.

وزاد مسلم في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح، عن الزُّهري في آخره قالت ولم أسمعه يرخِّص في شيءٍ ممَّا يقول النَّاس أنَّه كذب إلَّا في ثلاث فذكرها وهي الحرب، وحديث الرَّجل لامرأته، والإصلاح بين النَّاس.

وأورد النَّسائي أيضًا هذه الزِّيادة من طريق الزُّبيدي عن ابن شهاب.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهذه الزِّيادة مدرجة بيَّن ذلك مسلمٌ في روايته من طريق يونس عن الزُّهري، فذكر الحديث، قال وقال الزُّهري. من غيره، وجزم موسى بن هارون وغيره بإدراجها.

قال العسقلانيُّ وروِّيناه في «فوائد» ابن أبي ميسرة من طريق عبدِ الوهاب بن رفيع، عن ابن شهابٍ، فساقه بسنده مقتصرًا على الزِّيادة، وهو وهمٌ شديد، انتهى.

وعند التِّرمذي (( لا يحلُّ الكذب إلَّا في ثلاث يحدِّث الرَّجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين النَّاس ) ).

ج 12 ص 364

وقال الطَّبري اختلف العلماء في هذا الباب، فقالت طائفةٌ الكذب المرخص فيه ليس بمنحصرٍ في هذه الثَّلاث المذكورة، وإنَّما هي كالمثال، وقالوا الكذب المذموم، وإنَّما هو فيما فيه مضرَّة للمسلمين، أو ما ليس فيه مصلحة، وأمَّا الكذب لقصد الإصلاح فجائزٌ.

واحتجُّوا بما رواه عبد الملك بن ميسرة عن النَّزال بن سبرة قال كنَّا عند عثمان رضي الله عنه وعنده حذيفة رضي الله عنه، فقال له عثمان بلغني عنك أنَّك قلت كذا وكذا، فقال حذيفة والله ما قلتُه، قال وقد سمعناهُ قال ذلك، فلمَّا خرج قلنا له أليس قد سمعناكَ تقوله؟ قال بلى، قلنا فلم قلت والله ما قلته؟ فقال إنِّي أستر ديني بعضه ببعضٍ؛ مخافةَ أن يذهبَ كله.

وقال آخرون لا يجوز الكذب في شيءٍ من الأشياء ولا الخبر في شيءٍ بخلاف ما هو عليه، وما جاء في هذا إنَّما هو على التَّورية وطريق المعاريض، كمن يقول للظَّالم فلانٌ يدعو لك، وينوي قوله اللَّهمَّ اغفرْ لجميع المسلمين، ويَعِد زوجته بعطية شيءٍ وهو يريد إن قدَّر الله أو إلى مدَّة، وكذلك الإصلاح بين النَّاس.

وبالأوَّل جزم الخطَّابي وغيره، وبالثَّاني جزم المهلَّب والأصيلي وغيرهما. ثمَّ إنَّهم اتَّفقوا على أنَّ المراد بالكذب في حقِّ الرَّجل والمرأة إنَّما هو ما لا يسقط حقًّا عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أو لها؛ كالذي يحدث به الودُّ بينهما، والكذب في الحرب هو أن يظهرَ من نفسه قوةً، ويتحدَّث بما يشحذُ به بصيرةَ أصحابه ويكيدُ به عدوَّه، وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الحرب خدعة ) )واتَّفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما إذا قصد ظالم قتل رجلٍ هو مختف عنده فله أن ينفيَ كونه عنده، ويحلف على ذلك ولا يأثم.

وقال المهلَّب ليس لأحدٍ أن يعتقدَ إباحة الكذب، وقد نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الكذب نهيًا مطلقًا، وأخبر أنَّه مجانب للإيمان فلا يجوزُ استباحة شيءٍ منه، وإنَّما أطلق النَّبي صلى الله عليه وسلم للصَّلح بين النَّاس ما علم من الخير بين الفريقين، ويسكت عمَّا سمع من الشَّر بينهم،

ج 12 ص 365

ويعد أن يسهل ما صعب ويقرب ما بعد، لا أنَّه يخبر بالشَّيء على خلاف ما هو عليه؛ لأنَّ الله تعالى قد حرَّم ذلك ورسوله.

وكذلك الرَّجل يعد المرأة ويمنيها وليس هذا من الكذب؛ لأنَّ حقيقة الكذب الإخبار عن الشَّيء على خلاف ما هو عليه، والوعد لا يكون حقيقةً حتَّى ينجز، والإنجازُ مرجوٌّ في الاستقبال فلا يصلح أن يكون كذبًا.

وكذلك في الحرب إنَّما يجوز فيها المعاريض والإبهام بألفاظٍ تحتمل وجهين، فيؤدِّي بها أحد المعنيين من حيث الظَّاهر ويريد الآخر، وليس ذلك حقيقة الإخبار عن الشَّيء بخلافه وضدِّه [1] .

وذلك نحو ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه مازح عجوزًا فقال (( إنَّ العجائز لا يدخلن الجنَّة ) )فأوهمها في ظاهر الأمر أنهنَّ لا يدخلن الجنَّة أصلًا، وإنَّما أراد أنهنَّ لا يدخلنَ الجنة إلَّا شبابًا، فهذا وشبهه من المعاريض التي فيها مندوحةٌ عن الكذب، وأمَّا صريح الكذب فليس بجائزٍ لأحد.

وأمَّا قول حذيفة رضي الله عنه فإنَّه خارجٌ من معاني الكذب الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه أذن فيها، وإنَّما ذلك من جنس إحياء الرَّجل نفسه عند الخوف؛ كالذي يضطر إلى الميتة ولحم الخنزير فيأكل ليحيي نفسه، وكذلك الخائف له أن يخلِّص نفسه ببعض ما حرَّم الله عليه، وله أن يحلفَ على ذلك ولا حرج عليه ولا إثم.

ورجال إسناد الحديث كلُّهم مدنيون، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين في نسقٍ وهم صالح وابن شهاب وحميد، وفيه رواية الابن عن الأم، وهي رواية التَّابعي عن الصَّحابية.

وقد أخرج متنه مسلم في «الأدب» ، وكذا أبو داود وأخرجه التِّرمذي في «البر» ، والنَّسائي في «السير» وفي «عشرة النِّساء» .

تتمة فإن قيل لا يلزم من نفي الكذابية نفي الكاذبية.

فالجواب أنَّه قد سبق أنَّه من باب ذي كذا. ويمكن أن يقال إنَّه باعتبار كثرة النَّاس يكثر الكذب، أو أنَّ الصُّلح لا بدَّ له من كثرة الكلام، فلو كان كلامه كذبًا لكان كذَّابًا.

فإن قيل لا يخرج الكذب عن حقيقته بسبب الإصلاح فالكذب كذبٌ سواء كان للإصلاح أو غيره.

فالجواب أنَّ المرادَ نفي اسم الكذب، لا الكذب نفسه.

ج 12 ص 366

[1] في هامش الأصل قال بعضهم لو لم يترك العاقل الكذب إلا مروءة لكان حقيقًا بذلك، فكيف وفيه المأثم والعار. قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء 87] ومن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب ليجر منفعة أو يدفع مضرة، أو هو غني عنه إلا أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصِّدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيِّهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصِّدق، وعن بعض السُّفهاء أنَّه عوتب على الكذب، فقال لو غرغرت لهواتك به ما فارقته، وقيل لكذاب هل صدقتَ قط، فقال لولا أني صادق في قولي لا لقلتها، فكان الحكيم الغني الذي لا تجوز عليه الحاجات العالم بكلِّ معلومٍ منزهًا عنه، كما هو منزَّه عن سائر القبائح. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت