فهرس الكتاب

الصفحة 4210 من 11127

2694 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا، قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (هُوَ) أي ذلك البعل (الرَّجُلُ يَرَى مِنِ امْرَأَتِهِ مَا لاَ يُعْجِبُهُ كِبَرًا) بالنصب بيانًا لقوله ما لا يعجبه؛ أي كِبَرَ السنِّ (أَوْ غَيْرَهُ) من سوء خَلق أو خُلق، ويروى بالواو، وفي بعض النُّسخ بالرفع فيها على أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ.

(فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا فَتَقُولُ) أي المرأة لزوجها (أَمْسِكْنِي) ولا تفارقني (وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ) من المبيت والنُّفقة وغيرهما (قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (فَلاَ بَأْسَ) بذلك (إِذَا تَرَاضَيَا) أي الرَّجل والمرأة، وهذا الحديث تفسيرٌ من عائشة رضي الله عنها للآية المذكورة، ودلَّ على أنَّ ترك التَّسوية بين النِّساء وتفضيل بعضهنَّ على بعضٍ لا يجوز إلَّا بإذن المفضولة ورضاها، ويدخلُ في هذا المعنى جميع ما يقعُ بين الرَّجل والمرأة من مالٍ أو وطء أو غير ذلك، وكلُّ ما تراضيا عليه من الصُّلح فهو حلال للرَّجل من زوجته؛ للآية المذكورة.

ونقل الدَّاودي عن مالكٍ أنَّها إذا رضيت بالبقاء بترك القسم لها أو الإنفاق عليها ثمَّ سألت العدل كان

ج 12 ص 370

ذلك لها، والذي قاله في «المدونة» ذكره في القسم، وأمَّا النَّفقة فيلزمها ذلك إذا تركته، والفرق أنَّ الغيرة لا تُملَك، بخلاف النَّفقة.

واعلم أنَّه تعالى قد أخبر بأنَّه لن يستطيع أحدٌ العدل بين النِّساء بقوله تعالى {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء 129] أي ومحال أن تستطيعوا العدل بين النِّساء والتَّسوية حتَّى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهنَّ، فرفع لذلك عنكم تمام العدل وغايته، وما كلفتم منه إلَّا ما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم؛ لأنَّ تكليف ما لا يستطاع داخلٌ في حدِّ الظُّلم، وما ربُّك بظلامٍ للعبيد.

وقيل معناه أن تعدلوا في المحبَّة، وعن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول (( هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملِك ولا أملِك ) )يعني المحبة؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها كانت أحبَّ نسائه إليه، وقيل إنَّ العدل أمرٌ صعبٌ بالغ من الصُّعوبة جدًّا يوهم أنَّه غير مستطاع؛ لأنَّه يجب أن يسوي بينهنَّ في القسمة والنَّفقة والتَّعهد والنَّظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة، وغيرها ممَّا لا يكاد الحصرُ يأتي من ورائه، فهو كالخارج من حدِّ الاستطاعة، هذا إذا كنَّ محبوباتٍ كلهن فكيف إذا مال القلب مع بعضهنَّ.

{فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} فلا تجوروا على المرغوب عنها كلَّ الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضا منها، يعني أنَّ حدَّ اجتناب كل الميل ممَّا هو في اليسر والسِّعة فلا تفرِّطوا فيه إن وقع منكم التَّفريط في العدل كلِّه، وفيه ضربٌ من التَّوبيخ.

{فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} وهي التي ليست بذات بعلٍ ولا مطلَّقة، وفي قراءة أُبَيٍّ (( فتذروها كالمسجونة ) )، وفي حديث (( من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقَّيْه مائل ) ).

وروي أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بعث إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمالٍ، فقالت عائشة رضي الله عنها إلى كلِّ أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمر رضي الله عنه

ج 12 ص 371

مثل هذا؟ قالوا بعث إلى القرشيَّات بمثل هذا وإلى غيرهنَّ بغيره، فقالت ارفع رأسك؛ أي اسمعْ كلامي فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدلُ بيننا في القسمة بماله ونفسه، فرجع الرَّسول فأخبره فأتمَّ لهنَّ جميعًا.

وكان لمعاذ رضي الله عنه امرأتان، فإذا كان عند إحداهما لم يتوضَّأ في بيت الأخرى، فماتتا في الطَّاعون فدفنهما في قبرٍ واحدٍ.

{وَإِنْ تُصْلِحُوا} ما كنتم تفسدون من أموركُم وما مَضى من ميلكم وتتداركوه بالتَّوبة {وَتَتَّقُوا} فيما يُستقيل {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء 129] يغفرُ لكم ما مضى من ميلكُم {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا} وقرئ (( وإن يتفارقا ) )بمعنى وأن يفارق كلُّ واحدٍ منهما صاحبه.

{يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} يرزقه زوجًا خيرًا من زوجه، وعيشًا أهنأَ من عيشه، والسَّعة الغنى والمقدرة، {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء 130] مقتدرًا متقنًا في أفعاله وأحكامه.

ومن اللَّطائف ما ذكره أبو اللَّيث الفقيه في «النوازل» قال وذكر عن الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما أنَّه كان كثيرًا ما يتزوَّج ويُطلق، فقيل له في ذلك، قال إنِّي أحبُّ الغنى، ورأيت الله تعالى جمع الغنى في هذين؛ يعني النِّكاح والطَّلاق، أمَّا النِّكاح فقوله تعالى {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} إلى قوله {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور 32] ، وقال في الطَّلاق {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النساء 130] .

وروي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنَّه كان له أربع نسوةٍ، فصفَّهنَّ صفًّا واحدًا، وقال لهنَّ أنتنَّ حسنات الأخلاق، ناعماتُ الأرزاق، طويلاتُ الأعناق، لكنِّي رجل مِطْلاق، اذهبن فأنتنَّ طلاق.

وقال أبو نصر سُئل الأحنفُ بن قيس عن رجلٍ له امرأتان، قال شقيٌ بين شرَّين، وسئل عن الثَّلاث، قال يأكلنَ مالك، ويفنين عمرك، وسئل عن الأربع، قال جهد البلاء، وغاية الشَّقاء، وسئل عن أمِّهات الأولاد، قال جافِ جلودك، عن جلودهنَّ، فإنَّ شيمتهنَّ الغدر، والله أعلم.

ج 12 ص 372

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت