فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 11127

247 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بضم الميم وبالقاف وبالفوقانية المكسورة، أبو الحسن المروزي، وقد تقدم في باب ما يذكر في المناولة [خ¦65] (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن المبارك الذي يُسْتَنْزَلُ بذكره الرحمة، ويُرْتَجَى المغفرة.

(قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثوري، وقيل يحتمل ابن عيينة أيضًا؛ لأن عبد الله يروي عنهما وهما يرويان عن منصور، لكن الظاهر أنه الثوري؛ لأنهم قالوا أثبت الناس في منصور هو سفيان الثوري (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المُعْتمر (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بضم المهملة وفتح الموحدة، مُصغَّر عبدة، هو أبو حمزة بالزاي الكوفي، كان يرى رأي الخوارج ثمَّ تركه، وهو ختن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، مات في ولاية ابن هبيرة على الكوفة، وليس في الكتب الستة سعد بن عبيدة غيره.

(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي الله عنه، وقد مر في باب الصلاة من الإيمان [خ¦40] ، ورجال هذا الإسناد ما بين مروزي وكوفي، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الدعوات أيضًا [خ¦6311] ، وأخرجه مسلم في الدعاء، وأبو داود في الأدب، والترمذي في الدعوات، والنسائي في اليوم والليلة.

(قَالَ) أي إنَّه قال (قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ) بفتح الجيم من ضَجَعَ يضْجَع من باب منع يمنع، ويروى والمعنى إذا أردت أن تأتي مضجعك (فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ) قد روى الشيخان هذا الحديث من طرق عن البراء بن عازب، وليس فيها ذكر الوضوء إلا في هذه الرواية، وكذا في رواية الترمذي.

ثمَّ إن هذا الوضوء مستحب وإن كان متوضئًا كفاه ذلك الوضوء؛ لأن المقصود النوم على طهارة مخافة أن يموت في ليلته، وليكون أصدق لرؤياه، وأبعد من تَلَعُّب الشيطان به في منامه.

(ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ)

ج 2 ص 373

لأنه أسرع إلى الانتباه للتهجد أو لذكر الله تعالى؛ لكونه يمنع الاستغراق في النوم لقلق القلب حينئذٍ.

وقال الكِرماني ولأنه أسرع إلى انحدار الطعام، كما هو مذكور في الكتب الطبية.

وتعقَّبه محمود العيني بأن الذي ذكره الأطباء خلاف هذا، فإنهم قالوا النوم على الأيسر أروح للبدن، وأقرب إلى انهضام الطعام، ولكن اتباع السنة أحق وأولى.

(ثُمَّ قُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي) أي ذاتي (إِلَيْكَ) وجعلتها منقادة لك، طائعة لحكمك، وفي رواية ، والوجه والنفس هنا بمعنى الذات، وفي أخرى ، والمعنى أسلمتها لك، إذ لا قدرة لي ولا تدبير بجلب نفع ولا دفع ضر فَأَمْرُها مفوض إليك تفعل بها ما تريد، واستسلمت لما تفعل فلا اعتراض عليك فيه، ويحتمل أن يكون معنى الوجه القصد والعمل الصالح، ولذلك جاء في رواية فجمع بينهما؛ فدل على تغايرهما.

(وَفَوَّضْتُ) من التفويض؛ أي رددت (أَمْرِي إِلَيْكَ) وبرئت من الحول والقوة إلا بك، فاكفني همه وتولَّ صلاحه (وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ) أي أسندت، يقال لجأت إليه لَجَأً بالتحريك وملجأ، والتجأت إليه بمعنى، والموضع أيضًا لجأ وملجأ وألجأته إلى الشيء اضطررته إليه، والمعنى هنا توكلت عليك واعتمدتك في أمري كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده إليه.

(رَغْبَةً) أي طمعًا في ثوابك (وَرَهْبَةً) أي خوفًا من عقابك (إِلَيْكَ) وهما منصوبان على المفعول له، على طريقة اللف والنشر؛ أي فوضت أمري إليك، وألجأت ظهري عن المكاره والشدائد رهبة، ويحتمل انتصابهما على الحال بمعنى راغبًا وراهبًا، والجار والمجرور يتعلق برغبة ورهبة وإن تعدَّى الثاني بمن إجراء له مجرى رغبة تغليبًا كما في قول بعضهم

~ورأيت بعلك في الوغا متقلدًا سيفًا ورمحا

والرمح لا يتقلد، ونحوه قول الآخر

~علفتها تبنًا وماء باردًا

والماء لا يعلف.

(لاَ مَلْجَأَ) بالهمزة ويجوز التخفيف (وَلاَ مَنْجَا) مقصور من نجا ينجو ويجوز همزه للازدواج (مِنْكَ) إلى أحد (إِلاَّ إِلَيْكَ) ثمَّ إنهما إن كانا مصدرين يتنازعان في منك، وإن كانا اسمَيْ مكان فلا، إذ اسم المكان لا يعمل، وهذا التركيب مثل لا حول ولا قوة إلا بالله فيجري فيه ما يجري فيه من وجوه الإعراب، والفرق بين نصبه وفتحه

ج 2 ص 374

بالتنوين وعدمه، وعند التنوين تسقط الألف.

وقال الطِّيبي رحمه الله في هذا النظم غرائب وعجائب لا يعرفها إلا النقاد من أهل البيان فقوله أسلمت نفسي إشارة إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه، وقوله ووجهت وجهي إشارة إلى أن ذاته وحقيقته مخلصة له بريئة من النفاق.

وقوله (وفوضت أمري إليك) إشارة إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه لا مُدَبِّر لها غيره.

وقوله (وألجأت ظهري إليك) بعد قوله (وفوضت أمري إليك) إشارة إلى أنه بعد تفويض أموره التي يفتقر إليها، وبها معاشه، وعليها مدار أمره، يلتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة.

(اللَّهُمَّ آمَنْتُ) أي صدَّقْتُ (بِكِتَابِكَ) أنه كتابك (الَّذِي أَنْزَلْتَ) أي أنزلته، والمراد بالكتاب القرآن والإيمان بالقرآن يتضمن الإيمان بجميع كتب الله المنزلة، ويحتمل أن يعم الكل لإضافته إلى الضمير؛ لأن المعرف بالإضافة كالمعرف بالألف، واللام تحتمل الجنس والاستغراق والعهد، بل جميع المعارف كذلك.

وقد قال الزمخشري في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة 6] في أول البقرة يجوز أن تكون للعهد، ويراد به ناس بأعيانهم كأبي جهل وأبي لهب والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وأن يكون للجنس متناولًا لكل من صمم على كفره، وكذلك الحال في قوله

(وَ) آمنت (بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) بحذف العائد (فَإِنْ مُتَّ) بتاء الخطاب (مِنْ لَيْلَتِكَ) هذه (فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ) أي على دين الإسلام، وقد تكون الفطرة بمعنى الخلقة كقوله تعالى {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم 30] ، وبمعنى السنة كما في قوله عليه السلام (( خمس من الفطرة ) ).

وقال الطيبي أي مِتَّ على الدين القويم ملة إبراهيم عليه السلام، فإنه عليه السلام أسلم واستسلم وقال أسلمت لرب العالمين، وجاء بقلب سليم.

(وَاجْعَلْهُنَّ) أي هذه الكلمات (آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ) وفي رواية ابن عساكر بحذف إحدى التاءين، وفي رواية الكشميهني ، وهذه الرواية تبين أنه لا يمتنع أن يقول بعدهن شيئًا مما شرع من الذكر عند النوم.

(قَالَ البراء) رضي الله عنه (فَرَدَّدْتُهَا) بتشديد الدال الأولى وتسكين الثانية؛ أي رددت هذه الكلمات (عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) لأحفظهن (فَلَمَّا بَلَغْتُ) إلى قوله(اللَّهُمَّ

ج 2 ص 375

آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ وَرَسُولِكَ)زاد الأصيلي .

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ) أي لا تقل ورسولك بل قل (وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) قد ذكروا في هذا أوجهًا

منها أنه أَمَرَه أن يجمع بين صفتيه النبوة والرسالة صريحًا وإن كان وصف الرسالة يستلزم وصف النبوة، ومنها أن ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ، وتقدير الثواب، فربما كان في اللفظ سر ليس في الآخر، وإن كان يرادفه في الظاهر. ومنها أنه لعله أوحي إليه بهذا اللفظ فرأى أن يقف عنده. ومنها أنه ذكره احترازًا ممن أرسل من غير نبوة كجبريل وغيره من الملائكة؛ لأنهم رسل وليسوا بأنبياء فكأنه أراد تخصيص الكلام من اللَبْس. ومنها أنه يحتمل أن يكون رده دفعًا للتكرار؛ لأنه لو قال ورسولك؛ لكان مع قوله أرسلت تكرارًا مع ما فيه من تعداد النعمة وتعظيم المِنَّة في الحالين. ومنها ما قاله الحافظ العسقلاني من أن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أمدح من لفظ الرسول؛ لأنه مشترك في الإطلاق على كل من أرسل بخلاف لفظ النبي فإنه لا اشتراك فيه عرفًا، وعلى هذا فقول من قال كل رسول نبي من غير عكس لا يصح إطلاقه.

وتعقبه محمود العيني بأن لفظ النبي كيف يكون أمدح وهو لا يستلزم الرسالة، بل لفظ الرسول أمدح؛ لأنه يستلزم النبوة. انتهى.

وأنت خبير بأن فيه ذهولًا عن قوله؛ لأنه مشترك في الإطلاق على كل من أرسل، فإنه عام في كل من أرسل من جانب الحق، أو جانب الخلق، فافهم.

وقد استدل به من منع الرواية بالمعنى كابن سيرين وغيره، وكان يذهبُ هذا المذهب أبو العباس النحوي ويقول ما من لفظة من الألفاظ المتناظرة من كلامهم إلا وبينها وبين صاحبها فرق، وإن دق ولطف كقولك بلى ونعم، فاستدل به على أنه لا يجوز إبدال لفظ (قال نبي الله) مثلًا في الرواية بلفظ (قال رسول الله) ، وكذا عكسه.

وهذا الاستدلال ليس بشيء؛ لأن الذات المخبر عنها في الرواية واحدة فبأيِّ وصف وصفت به تلك الذات من أوصافها اللائقة بها علم القصد بالمخبر عنه، ولو تباينت معاني الصفات كما لو أبدل اسمًا بكنية، أو كنية باسم، فلا فرق بين أن يقول الراوي مثلًا عن أبي عبد الله البخاري، أو عن محمد بن إسماعيل البخاري، وهذا بخلاف ما في حديث الباب فإنه يحتمل الأوجه التي تقدمت من التوقيف وغيره على أنه لا خلاف

ج 2 ص 376

في المنع إذا اختلف المعنى، وفي الحديث ثلاث سنن مهمة مُستَحبة

إحداها الوضوء عند النوم.

والثانية النوم على الشق الأيمن.

والثالثة ذكر الله تعالى؛ ليكون قد ختم عمله بالوضوء والدعاء الذي هو من أفضل الأعمال إن قبضت روحه في نومه ذلك، ثمَّ إن هذا الذكر مشتمل على الإيمان بكل ما يجب الإيمان به إجمالًا من الكتب والرسل ومن الإلهيات والنبوات، وعلى إسناد الكل إلى الله تعالى من الذوات كما يدل عليه الوجه، ومن الصفات كما يدل عليه الأمر، ومن الأفعال كما يدل عليه إسناد الظهر إليه مع ما فيه من التوكل على الله، والرضى بقضائه، هذا بحسب المعاش، وعلى الاعتراف بالثواب والعقاب خيرًا وشرًا، هذا بحسب المعاد، ثمَّ النكتة في ختم البخاري كتاب الوضوء بهذا الحديث أنه آخر وضوء أُمِرَ به المكلَّف في اليقظة، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيه (( واجعلهن آخر ما تتكلم به ) )، فأشعَرَ ذلك بختم هذا الكتاب.

جعل الله عاقبتنا محمودة، وخاتمتنا مسعودة، بحق أشرف الكائنات، وأفضل الممكنات، محمد عليه أفضل التحيات، وأكمل التسليمات، وصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. آمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت