فهرس الكتاب

الصفحة 4222 من 11127

2703 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ) هو محمَّد بن عبد الله بن المثنَّى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، ولي قضاء البصرة، ثمَّ قضاء بغداد أيَّام الرَّشيد، وولد سنة ثماني عشرة ومائة، ومات سنة خمس عشرة ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) هو الطَّويل، ولد عام ثمان وستين، ومات وهو قائم يصلِّي سنة ثلاث وأربعين ومائة، وقد تكرَّر ذكره (أَنَّ أَنَسًا) هو ابنُ مالك رضي الله عنه (حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية المكسورة وآخره عين مهملة.

(وَهْيَ ابْنَةُ النَّضْرِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، ابن ضَمْضم بن زيد بن حزام بن حبيب بن عامر بن غنم بن عديِّ بن النَّجار الأنصاريَّة، وهي عمَّة أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم (كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ) الثنيَّة مقدم الأسنان، والجارية المرأة الشَّابة، لا الأمة هنا؛ ليتصوَّر القصاص بينهما.

(فَطَلَبُوا الأَرْشَ) أي فطلب قوم الرُّبيع من قوم الجارية الأرش (وَطَلَبُوا الْعَفْوَ) أي وطلب قوم الرُّبيع العفو؛ أي قالوا خذوا الأرش أو اعفوا عن هذه (فَأَبَوْا) أي امتنع قوم الجارية من أخذ الأرش، فلم يرضوا بأخذ الأرش ولا بالعفو.

(فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وتخاصموا بين يديه (فَأَمَرَ) أي فأمرهم النَّبي صلى الله عليه وسلم (بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) وهو عمُّ أنس بن مالك رضي الله عنهما قتل يوم أحد شهيدًا، ووجد به بضعة وثمانون من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وفيه نزلت {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب 23] من الثَّبات مع الرَّسول، والمقاتلة لإعلاء الدِّين، من صدقني إذا قال لك الصِّدق، فإنَّ المعاهد إذا أوفى بعهده فقد صدق فيه، ومنه قولهم صديقك من صدقك لا من صدَّقك.

{فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} نذره بأن قاتل حتَّى استشهد كأنس بن النَّضر وحمزة ومصعب بن عمير رضي الله عنهم،

ج 12 ص 396

والنحب النَّذر استعير للموت؛ لأنَّه كنذر لازم في رقبة كلِّ حيوان {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} الشَّهادة كعثمان وطلحة رضي الله عنهما {وَمَا بَدَّلُوا} العهدَ ولا غيروه {تَبْدِيلًا} [الأحزاب 23] أي شيئًا من التَّبديل. روي أنَّ طلحة ثبتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد حتَّى أصيبت يدُه، فقال صلى الله عليه وسلم (( أوجب طلحةُ، أوجب طلحة ) ). وفيه تعريض لأهل النِّفاق ومرضى القلب بالتَّبديل.

(أَتُكْسَرُ) بهمزة الاستفهام، وتكسر على البناء للمفعول (ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا) ولم ينكر أنس بن النَّضر حكم الشَّرع، فإنَّ الظَّاهر أنَّ ذلك كان منه قبل أن يعرف أنَّ كتاب الله القصاص على التَّعيين، وظنَّ التَّخيير لهم بين القصاص والدِّية، أو كان مراده الاستشفاع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قاله ذلك توقُّعًا ورجاء من فضل الله تعالى أن يُرْضي خصمها ويُلقي في قلبه أن يعفو عنها.

وقال الطِّيبي كلمة لا في قوله لا والله، ليس ردًّا للحكم، بل نفي لوقوعه، ولفظ لا تكسر إخبار عن عدم الوقوع، وذلك بما كان له عند الله من الثِّقة بفضل الله ولطفه في حقِّه أنَّه لا يخيبه بل يلهمهم العفو، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ من عباد الله ... إلى آخره ) ).

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ) أي حكم كتاب الله القصاص على حذف المضاف، وهو إشارة إلى قوله تعالى {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} أي ذات قصاص، أو إلى قوله {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [المائدة 45] أي والسن مقلوعة بالسنِّ، أو إلى قوله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل 126] قيل إنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا رأى حمزة وقد مثِّل به، فقال والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلنَّ بسبعين مكانك، فنزلت، فكفَّر عن يمينه، وفيه دليل على أنَّ للمقتصِّ أن يماثل الجاني، وليس له أن يجاوز، وحثَّ على العفو تعريضًا بقوله {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} وتصريحًا على الوجه الآكد بقوله {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ} أي الصَّبر {خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل 126]

ج 12 ص 397

من الانتقام للمنتقمين، أو الكتاب بمعنى الفرض والإيجاب، والله أعلم بالصَّواب.

(فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا) أي عن القصاص لما في الرِّواية الآتية (( وقبلوا الأرش ) ) (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ) أي صدَّقه، يقال برَّ الله قسمه وأبرَّه؛ أي جعله بارًّا في يمينه، حيث يعلمه من جملة عباد الله المخلصين.

(زَادَ الْفَزَارِيُّ) بفتح الفاء وتخفيف الزاي وكسر الراء، نسبة إلى فزارة، وهو مروان بن معاوية بن الحارث الكوفي، سكن مكَّة شرَّفنا الله برؤيتها (عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ) وتعليق الفزاري أسنده البخاري في «تفسير سورة المائدة» [خ¦4611] فقال حدَّثنا محمَّد بن سلام، عن مروان بن معاوية الفزاري، فذكره. وفي الحديث وجوب القصاص في السنِّ.

قال النَّووي وهو مجمعٌ عليه إذا قلعها كلها، فإن كسر بعضَها فلا قصاص، وفي كسر العظام خلافٌ مشهورٌ بين العلماء، والأكثرون على أنَّه لا قصاص.

قال القرطبيُّ وذهب مالك إلى أنَّ القصاص في ذلك كله إذا أمكنت المماثلة، وما لم يكن مخوفًا كعظم الفخذ والصُّلب أخذًا بقوله تعالى {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة 194] وبقوله تعالى {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [المائدة 45] .

وذهب الكوفيُّون واللَّيث والشَّافعي إلى أنَّه لا قود في كسرِ العظام ما خلا السنَّ لعدم الثِّقة بالمماثلة، وقال أبو داود قيل لأحمد كيف يقتصُّ من السنِّ؟ قال يُبْرَد. وذكر ابنُ رشد في «القواعد» أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما روي عنه أن لا قصاصَ في عظمٍ. وكذا عن ابنِ عمر رضي الله عنهما قال وروي عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لم يقد في العظمِ المقطوع في غير المفصل، إلَّا أنَّه ليس بالقويِّ.

وفيه جواز الحلف فيما يظنُّه الإنسان.

وفيه جواز الثَّناء على من لا يخاف عليه الفتنة بذلك.

وفيه استحبابُ العفو عن القصاص، والشَّفاعة

ج 12 ص 398

في العفو.

وفيه أنَّ الخيرة في القصاص والدِّية إلى مستحقِّه لا إلى المستحقِّ عليه.

وفيه إثبات القصاص بين النِّساء في الأسنان.

وفيه فضيلة أنس بن النَّضر رضي الله عنه.

ومطابقته للتَّرجمة في قوله فرضيَ القوم وعفوا، فإنَّه يدلُّ على الصُّلح فيه، فإنَّ معنى عفوا، كما عرفت عفوا عن القصاص.

والحديث من ثلاثيات البخاري، وهي العاشرة منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت