فهرس الكتاب

الصفحة 4224 من 11127

2704 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عبد الله، أبو جعفر البخاري، المعروف بالمسندي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنْ أَبِي مُوسَى) هو إسرائيلُ بن موسى البصري، نزيل الهند، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ) هو البصريُّ (يَقُولُ اسْتَقْبَلَ _ وَاللَّهِ _ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) فاعل استقبلَ، ولفظة والله، معترضة، وقوله (مُعَاوِيَةَ) بالنصب مفعول استقبل.

(بِكَتَائِبَ) جمع كتيبة، وهي الجيش، ويقال الكتيبةُ ما جمع بعضها إلى بعض، ومنه قيل للقطعة المجتمعة من الجيش كتيبة.

ج 12 ص 400

قال الدَّاودي سمِّيت بذلك؛ لأنَّه يكتب اسم كلِّ طائفةٍ في كتاب فلزمها هذا الاسم.

(أَمْثَالِ الْجِبَالِ) أي لا ترى لها طرفًا لكثرتها كما لا يرى من قابل الجبل طرفيه، وكانت ملاقاة الحسنُ مع معاوية رضي الله عنهما بمنزل من أرض الكوفة. وكان الحسنُ لمَّا مات علي رضي الله عنه بايعه أهلُ الكوفة، وبايع أهلُ الشَّام معاويةَ رضي الله عنه فالتقيا في الموضع المذكور، وبعد كلام طويل ومحاوراتٍ جرت بينهما سلَّم الحسن رضي الله عنه الأمر إلى معاوية رضي الله عنه وصالحهُ وبايعهُ على الأمرِ والطَّاعة على إقامةِ كتاب الله، وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، ثمَّ رحل الحسن رضي الله عنه إلى الكوفة، فأخذَ معاوية البيعةَ لنفسه على أهل العراقين، فكانت تلك السَّنة سنة الجماعة؛ لاجتماع النَّاس واتِّفاقهم وانقطاع الحرب، وبايع معاوية كلُّ من كان معتزلًا عنه، وبايعَهُ سعدُ بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمَّد بن مسلمة، وتباشر النَّاس بذلك، وأجازَ معاويةُ الحسن بن علي رضي الله عنهم بثلاثمائة ثوب وثلاثين عبدًا ومائة جمل، ثمَّ انصرفَ الحسن إلى المدينة، وولَّى معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة، وولَّى البصرة عبد الله بن عمر [1] ، وانصرف إلى دمشق واتَّخذها دار مملكتهِ.

(فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنِّي لأَرَى كَتَائِبَ لاَ تُوَلِّي) من التَّولية، وهي الإدبار (حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا) بفتح الهمزة، جمع قِرن _بكسر القاف_، وهو الكفؤ والنَّظير في الشَّجاعة والحرب، أراد عمرو بهذا الكلام تحريض معاوية على القتال مع الحسن رضي الله عنهما، والمعنى إن تولَّت بغير حملة غلبت لكثرتها.

(فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ) أي قال لعَمرو بن العاص معاويةُ جوابًا عن قوله إنِّي لأرى كتائب ... إلى آخره، وقوله (وَكَانَ وَاللَّهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ) من كلام الحسن البصري وقع معترضًا بين القول ومقوله، وهو أي عَمرو. .. إلى آخره، وقوله والله، أيضًا معترض بين كان وخبره، وأراد بالرَّجلين معاويةَ وعمرًا رضي الله عنهما، وأراد بخيرهما معاوية، وإنَّما قال ذلك؛

ج 12 ص 401

لأنَّه كان يعلم أنَّ خلاف عَمرو على الحسن بن علي رضي الله عنهما كان أشدَّ من خلاف معاوية إيَّاه رضي الله عنهما، فإنَّه كان يحرِّض معاوية رضي الله عنه على القتال مع الحسن رضي الله عنه، ومعاوية كان يتوقَّع الصُّلح ويريد أن يردَّ الحسن بدون القتال، وأن يبايعَه ويأخذ منه ما يريده، ويذهب إلى المدينة، وهكذا وقع في آخر الأمر، وإثبات الحسن البصري الخيرية لمعاوية رضي الله عنه بالنِّسبة إلى عمرو رضي الله عنه لا بالنسبة إلى غيره؛ لأنَّه لم يشك هو ولا غيره أنَّ الحسن بن علي رضي الله عنهما كان خير النَّاس كلهم في ذلك الزَّمان.

(أَيْ عَمْرُو) منادى مبني على الضم (إِنْ قَتَلَ هَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ) أي إن قتل عسكرُ الحسن عسكرَنا (وَهَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ) أي وعسكرُنا عسكرَ الحسن، فهؤلاء الأوَّل في محل الرفع على الفاعلية، والثَّاني في محل النصب على المفعولية في الموضعين.

(مَنْ لِي) أي من تكفَّل لي (بِأُمُورِ النَّاسِ) يعني على كلا التَّقديرين أنا المطالب عند الله، فإذا وقع الصُّلح فأكون أنا أوَّل من يسلم في الدُّنيا والآخرة، وهذا يدلُّ على نظر معاوية رضي الله عنه في العواقب ورغبتهِ في دفع الحرب.

(مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ، مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ) هكذا هو في كثير من النسخ، والضَّيْعة _ بفتح الضاد المعجمة وسكون المثناة التحتية وبالعين المهملة _، والمراد به هنا الأطفال والضُّعفاء؛ لأنهم لو تركوا بحالهم لضاعوا لعدم استقلالهم بالمعاش، ويروى . وقد أغربَ العيني حيث فسَّر الضيعة بالعقار.

(فَبَعَثَ إِلَيْهِ) أي إلى الحسن رضي الله عنه (رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ) بضم الميم وسكونها، ابن حبيب، ضدُّ العدو، ابن عبد شمس القرشي، أسلم يوم الفتح، وهو الذي فتح سجستان، ومات بالبصرة أو بمرو سنة إحدى وخمسين.

(وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ) بضم الكاف وفتح الراء وسكون

ج 12 ص 402

المثناة التحتية وبالزاي، انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابنُ ثلاث عشرة سنة، وقد افتتحَ خراسان وأصبهان وكرمان، وقتل كسرى في ولايته، وقيل أحرم من نيسابور شكرًا لله تعالى، ومات سنة تسع وخمسين.

(فَقَالَ اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُل) يريد الحسن بن علي رضي الله عنهما (فَاعْرِضَا عَلَيْهِ) ما يناسب أن يُعرضَ عليه (وَقُولاَ لَهُ) أي قولًا يناسب حالنَا وحاله (وَاطْلُبَا إِلَيْهِ) أي يكون مطلوبكما مفوَّضًا إليه، وطلبكما منتهيًا إليه؛ أي التزما مطالبه.

(فَأَتَيَاهُ، فَدَخَلاَ عَلَيْهِ وَتَكَلَّمَا فَقَالاَ لَهُ، وَطَلَبَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ) يعني إنَّا بنو عبد المطَّلب المجبولون على الكرم والتوسُّع لمن حوالينا من الأهل والموالي، وقد أصبنا من هذا المال بالخلافة ما صارت لنا به عادة إنفاق، وإفضال على الأهل والحاشية وصرفناهُ في جهته، فإن تخلَّيت من هذا الأمر؛ أي أمر الخلافة قطعنا العادة.

(وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ) أي فسدت (فِي دِمَائِهَا) بقتل بعضهم بعضًا فلا يكفُّون إلَّا بالمال، فأراد أن يُسكن الفتنة، ويفرِّق المال في أو على الذي لا يرضيه إلَّا المال (قَالاَ) أي قال عبد الرَّحمن وعبد الله (فَإِنَّهُ) أي معاوية رضي الله عنه (يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ) يعني يعرض عليك، ويفرضُ لك من المال في كلِّ عام كذا وكذا، من الأقوات والثِّياب، وما تحتاج إليه من كلِّ ما ذكرت.

(قَالَ) أي الحسن بن علي رضي الله عنهما (فَمَنْ لِي بِهَذَا) أي فمن يكفلُ لي بالذي تذكرانه (قَالاَ) أي عبد الرَّحمن وعبد الله (نَحْنُ لَكَ بِهِ) أي نحن نكفلُ لك بالذي ذكرناه (فَمَا سَأَلَهُمَا) أي فما سأل الحسن رضي الله عنه عبد الرَّحمن وعبد الله (شَيْئًا) من الأشياء (إِلاَّ قَالاَ نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَصَالَحَهُ) أي فلمَّا فرغت هذه المحاورة بينهما وبين الحسن صالح الحسن، معاوية وقبل منهما؛ لعلمه أنَّ معاوية رضي الله عنه لا يخالفهما، واشترطا شروطًا فسلَّم الأمر لمعاوية رضي الله عنه.

ج 12 ص 403

(فَقَالَ الْحَسَنُ) أي البصري (وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ) هو نُفيع بن الحارث الثَّقفي (يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى جَنْبِهِ) جملة حاليَّة كقوله (وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ) تثنية فئة، والفئة الفرقة، مأخوذ من فَأَوْت رأسه بالسَّيف، وفَأَيْت، إذا شققته، وجمع الفئة فئات وفِئون، وقال ابن الأثير الفئة الجماعة من النَّاس في الأصل، والطَّائفة التي تقيم وراء الجيش، فإن كان عليهم خوف أو هزيمة التجئوا إليهم.

(عَظِيمَتَيْنِ) قد مرَّ معنى وصفهما بالعظم (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) .

وفي الحديث فضيلة الحسن بن علي رضي الله عنهما حيث دعاه ورعه إلى ترك الملك والدُّنيا رغبة فيما عند الله، ولم يكن ذلك لعلَّة ولا لذلَّة ولا لقلَّة، وقد بايعه على الموت أربعون ألفًا، فصالحه رعاية لمصلحة دينية ومصلحة الأمة، وكفى به شرفًا وفضلًا، فلا أسيد ممَّا سمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيِّدًا.

وفيه أنَّ الرُّسل يسمع قولهم ولا يتعرَّض إليهم.

وفيه ولاية المفضول على الفاضل؛ لأنَّ معاوية رضي الله عنه ولي وسعدٌ وسعيدٌ حيَّان وهما بدريان.

وفيه أنَّ قتال المسلم للمسلم لا يخرجه عن الإسلام إذا كان على تأويل، وقوله صلى الله عليه وسلم (( إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النَّار ) )المراد به تأكيد الوعيد عليهم.

وقال المهلَّب الحديث يدلُّ على أنَّ السِّيادة إنَّما يستحقُّها من ينتفع به النَّاس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علَّق السِّيادة بالإصلاح بين النَّاس.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة أظهر من أن تخفى. وقد أخرجه المؤلِّف في «فضل الحسن رضي الله عنه» [خ¦3746] ، وفي «الفتن» [خ¦7109] ، و «علامات النُّبوة» [خ¦3629] ، وأبو داود في «السنَّة» ، والتِّرمذي في «المناقب» ، والنَّسائي «فيه» ، و «في اليوم واللَّيلة» .

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاري نفسه (قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو المعروف بابن المديني

ج 12 ص 404

(إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الْحَسَنِ) أي البصري رحمه الله (مِنْ أَبِي بَكْرَةَ) نفيع المذكور (بِهَذَا الْحَدِيثِ) لأنَّه صرَّح بالسَّماع منه، وقد أخرج البخاري هذا الحديث عن علي بن المديني، عن ابن عيينة في كتاب «الفتن» [خ¦7109] ، ولم يذكر هذه الزِّيادة، والحديث المذكور روي عن جابر أيضًا، قال البزَّار وحديث أبي بكرة أشهر وأحسن إسنادًا، وحديث جابر أغرب.

وذكر ابن بطَّال أنَّه روي أيضًا عن المغيرة بن شعبة، وزعم الدَّارقطني أنَّ الحسن رواه أيضًا عن أمِّ سلمة قال وهذه الرِّواية وهم، ورواه أبو داود بن أزهر وعوف الأعرابي عن الحسن مرسلًا، والله تعالى أعلم.

[1] في هامش الأصل عامر. نسخة صحيحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت