2711 - 2712 - 2713 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد (عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ) هو ابن الحكم (وَالْمِسْوَرَ) بكسر الميم (ابْنَ مَخْرَمَةَ) بفتح الميمين وسكون الخاء المعجمة، له ولأبيه صحبة.
(يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هكذا قال عقيل عن الزُّهري، وهو مرسل عنهما؛ لأنَّهما لم يحضرا القصَّة، فعلى هذا
ج 12 ص 417
فالحديث من مسند من لم يسمَّ من الصَّحابة، ولم يصب من أخرجه من أصحاب «الأطراف» في مسند المسور أو مروان، أمَّا مروان فلم يصح له سماع من النَّبي صلى الله عليه وسلم ولا صحبة؛ لأنَّه خرج إلى الطَّائف طفلًا لا يعقل لما نفى النَّبي صلى الله عليه وسلم أباه الحكم، وكان مع أبيه بالطَّائف حتَّى استخلف عثمان رضي الله عنه فردَّهما، وقد روى حديث الحديبية بطوله عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وأمَّا المسور فصحَّ سماعه من النَّبي صلى الله عليه وسلم، لكنَّه إنَّما قدم مع أبيه وهو صغير بعد الفتح، وكانت هذه القصَّة قبل ذلك بسنتين، ولا يقال إنَّه رواية عن مجهول؛ لأن الصَّحابة رضي الله عنهم كلهم عدول فلا قدح فيه بسبب عدم معرفة أسمائهم، والله تعالى أعلم.
(قَالَ لَمَّا كَاتَبَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) قد مرَّ ترجمته فيما مضى، وكان أحد أشراف قريش وخطيبهم أسر يوم بدر، فقال عمر رضي الله عنه انزع ثنيَّته فلا يقوم عليك خطيبًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( دعه فعسى أن يقوم مقامًا نحمدُه ) )أسلم يوم الفتح، وكان رقيقًا كثير البكاء عند قراءة القرآن، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلف النَّاس بمكَّة وارتد كثيرون، فقام سهيل خطيبًا وسَكَّنَ النَّاسَ ومنعهم من الاختلاف، وهذا هو المقام الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات سنة ثمان عشرة في طاعون عمواس.
(يَوْمَئِذٍ) أي يوم صلح الحديبية (كَانَ فِيمَا اشْتَرَطَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لاَ يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلاَّ رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، وَخَلَّيْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. فَكَرِهَ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ، وَامْتَعَضُوا مِنْهُ) بعين مهملة وضاد معجمة؛ أي أنفوا. وقال ابن الأثير معناه شقَّ عليهم ذلك وعظم، يقال معض من شيءٍ سمعَه، وامتعض إذا غضب وشقَّ عليه. وقال القاضي لا أصل لهذا من كلام العرب وأحسبه فكرهوا ذلك وامتعضوا منه؛ أي شقَّ عليهم.
وقال ابن قَرْقول ، كذا للأصيلي والهمداني، وفسَّروه
ج 12 ص 418
بقولهم كرهوه، وهو غير صحيح، وهو وهم في الخط والهجاء، وإنَّما يصحُّ لو كان امتعضوا بضاد غير مشالة كما عند أبي ذرٍّ هنا.
وقال عَبْدوس بمعنى كرهوا وأنفوا، وقد وقع مفسَّرًا كذلك في بعض الرِّوايات في «الأم» ، وعند القابسي في المغازي (( امَّعظوا ) )بتشديد الميم وبالظاء المعجمة، وعند بعضهم (( اتغظوا ) )على أنه من الغيظ، ولا يصحُّ لفظًا ولا معنى، فافهم. وعند بعض (( اتغضوا ) )بغين معجمة وضاد معجمة غير مشالة، وكل هذه الرِّوايات تغييرات ولا وجه لشيء من ذلك إلَّا امتعضوا، ومعنى انغضوا تفرَّقوا من الإنغاض، قال الله تعالى {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ} [الإسراء 51] .
(وَأَبَى سُهَيْلٌ إِلاَّ ذَلِكَ، فَكَاتَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ، فَرَدَّ يَوْمَئِذٍ أَبَا جَنْدَلٍ عَلَى أَبِيهِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ إِلاَّ رَدَّهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَجَاءَتْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ) نصب على الحال من المؤمنات.
(وَكَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ) بضم الكاف وسكون اللام وضم المثلثة (بِنْتُ عُقْبَةَ) بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الموحدة (ابْنِ أَبِي مُعَيْطٍ) بضم الميم وفتح المهملة وسكون المثناة التحتية وآخره طاء مهملة، أمُّ حميد بن عبد الرَّحمن.
(مِمَّنْ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ وَهْيَ عَاتِقٌ) أي جارية شابة أول ما أدركت (فَجَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْجِعَهَا) بفتح الياء، من رجع المتعدي (إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَرْجِعْهَا إِلَيْهِمْ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} إِلَى {وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ) وهذه الآية في سورة الممتحنة، وأوَّلها قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ} [الممتحنة 10] سماهنَّ مؤمنات بدلالة ظاهر حالهنَّ ونطقهنَّ بكلمة الشَّهادة، ولم يظهر منهنَّ ما ينافي ذلك.
{مُهَاجِرَاتٍ} من دار الكفر إلى دار الإسلام {فَامْتَحِنُوهُنَّ} أي اختبروهن بالنَّظر في الأمارات ليغلب على ظنِّكم موافقة قلوبهنَّ لسانهنَّ في الإيمان. وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 12 ص 419
معنى امتحانهنَّ أن يستحلفنَ ما خرجنَ من بُغض زوج، وما خرجنَ عن أرضٍ إلى أرض، وما خرجنَ لالتماس دنيا، وما خرجن إلَّا حبًّا لله ورسوله.
{اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} أي أعلم منكم لأنَّكم تكتسبون فيه علمًا تطمئنُّ معه نفوسكم إذا استحلفتموهنَّ، وعند الله حقيقة العلم به، فإنَّه المطَّلع على ما في قلوبهنَّ، وليس ذلك إلى البشر، بل لا يتجاوز علمهم عن الظَّاهر، والجملة اعتراض.
{فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} العلم الذي يمكنكم تحصيلُه وتبلغه طاقتكم، وهو الظنُّ الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنَّما سمَّاه علمًا إيذانًا بأنَّه كالعلم في وجوب العمل به، وذلك لأنَّ الظَّن الغالب وما يفضي إليه الاجتهاد والقياس بشرائطها جار مجرى العلم، وأنَّ صاحبه غير داخل في قوله تعالى {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء 36] ففي {عَلِمْتُمُوهُنَّ} استعارة تبعية، فافهم.
{فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} أي ولا تردُّوهن إلى أزواجهنَّ الكفرة {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} لأنه لا حلَّ بين المؤمنة والمشرك، والتَّكرير للمبالغة التي تقتضيها الحال، وفيه المطابقة أيضًا وهي من الصَّنائع البديعية، أو الأوَّل لحصول الفرقة في الحال، فإنَّ دلالة {حِلٌّ} على الحال، والثَّاني للمنع عن الاستئناف.
{وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} أي أعطوا أزواجهن الكفَّار مثل ما دفعوا إليهنَّ من المهور، وذلك لأن صلح الحديبية جرى على أنَّ من جاءهم منهم ردُّوهم إليهم، فلمَّا تعذَّر ردهنَّ لورود النَّهي [1] عنه لزم ردُّ مهورهن؛ لأنَّها بدل إبضاعهن، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان بعد الحديبية إذا جاءته سبيعة بنت الحارث الأسلميَّة مسلمةً، فأقبل زوجها مسافرٌ، المخزومي طالبًا لها، فنزلت، فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق، وتزوَّجها عمر رضي الله عنه [2] ، وبهذه الرِّواية اندفع أنَّ التَّعليل بقوله لأنها بدل إبضاعهن لم يتمشَّ على تقدير تسليم صحَّته إلَّا في غير المدخولات، فإنَّ المدخولات قد استوفيت منافع بضعهن، وإنَّما يتعلم مثل هذا من الشَّارع، والله أعلم.
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} وإن كان لهنَّ أزواج كفَّار، فإنَّ الإسلام حال بينهنَّ
ج 12 ص 420
وبين أزواجهنَّ الكفَّار إذا استبرئت أرحامهنَّ.
استدلَّ به أبو حنيفة رحمه الله على أنَّه إذا وقعت الفرقة بخروجها إلينا مسلمة فلا عدَّة عليها، إلا أن تكون حاملًا في الأصح؛ لأنَّ الزِّيادة على النَّص لا تجوز بالظَّن، وأمَّا الحامل فقوله صلى الله عليه وسلم (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقينَّ ماؤه زرع غيره ) )مشهور يجوز بمثله الزِّيادة على الكتاب، وفيه نظر فإنَّه لا يمنع عن النِّكاح كما في الحبلى من الزِّنا. وفي «الهداية» قول أبي حنيفة فيما إذا كان معتقدهم أنَّه لا عدة {إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهنَّ.
قال في «التَّيسير» أي التزمتم مهورهنَّ، ولم يرد حقيقة الأداء، كما في قوله تعالى {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} [التوبة 29] ؛ أي يلتزموها، وإنَّما شرط إيتاء المهر في نكاحهنَّ إيذانًا بأن ما أعطي أزواجهنَّ الكفَّار لا يقوم مقام المهر، فإنَّ ظاهر النظم يقتضي إيتائين إيتاء إلى الأزواج، وإيتاء إليهنَّ.
{وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} العصم جمع العصمة، وهي ما يُعْتصم به. والكوافر جمع كافرة؛ أي بما يعتصم به الكافرات من عقد وسبب، والمراد نهي المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات وأمرهم بفراقهنَّ. وفي «الكشَّاف» يعني إيَّاكم وإيَّاهن ولا يكن بينكم وبينهنَّ عصمة ولا علقة زوجيَّة؛ أي من العدَّة وغيرها، فيجوز أن يتزوَّج بأربع سواهنَّ وأختهنَّ من غير تربُّص، فافهم.
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا تأخذوا بعقد الكوافر، فمن كانت له امرأة كافرة بمكَّة فلا يعتدنَّ بها، فقد انقطعت عصمتها منه.
وعن النَّخعي هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر. وعن مجاهد أمرهم بطلاق الباقيات مع الكفَّار ومفارقتهن. وقال الزُّهري فلمَّا نزلت هذه الآية طلَّق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأتين كانتا له بمكَّة مشركتين. قريبة بنت أبي أميَّة بن المغيرة، فتزوَّجها بعده معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما بمكَّة، والأخرى أم كلثوم بنت عمرو الخزاعيَّة أمُّ عبد الله بن عمر، فتزوَّجها أبو جهم بن حذافة، رجل من قومها، وهما على شركهما.
{وَاسْأَلُوا} أيُّها المؤمنون الذين ذهبت
ج 12 ص 421
أزواجهم فلحقت بالمشركين {مَا أَنْفَقْتُمْ} من مهورهنَّ ممَّن يزوِّجهنَّ منهم {وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا} أي وليسأل المشركون الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا تزوَّجن منكم من تزوَّجها ما أنفقوا من مهورِ أزواجهم المهاجرات {ذَلِكُمْ} إشارة إلى جميع ما ذكر في هذه الآية {حُكْمُ اللَّهِ} .
وقوله تعالى {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} استئناف، أو حال من حكم الله، على حذف الضَّمير؛ أي يحكمه الله بينكم، أو جعل الحكم حاكمًا على المبالغة {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الممتحنة 10] يشرع ما تقتضيهِ حكمته، وروي أنَّه لمَّا نزلت الآية أدَّى المؤمنون ما أمروا به من أداءِ مُهور المهاجرات إلى أزواجهنَّ المشركين، وأبى المشركون أن يؤدُّوا شيئًا من مهور الكوافر إلى أزواجهنَّ المسلمين، فنزل قوله تعالى {وَإِنْ فَاتَكُمْ} أي وإن سبقكُم وانفلتَ منكم {شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} أحدٌ من أزواجكم، وقد قرئ به في الشَّواذ. وإيقاع شيء موقع أحد للتَّحقير والإهانة على المرتدَّة، والمبالغة في التَّعميم؛ بمعنى أنَّه لا يغادر شيءٌ من هذا الجنس وإن قلَّ وحقر غير معوَّض منه، تغليظًا في هذا الحكم وتشديدًا فيه، أو شيء من مهورهنَّ.
{إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} من العُقْبَة، وهي النَّوبة؛ أي فجاءت عُقْبتكم؛ أي نوبتكم من أداء المهر، شبَّه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأولئك مهور نساء هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون به، كما يتعاقب في الرُّكوب وغيره.
{فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ} أي إلى الكفَّار {مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} أي فآتوا من فاتته امرأته إلى الكفَّار مثل مهرها من مهر المهاجرة، ولا تؤدُّوه زوجها الكافر.
وقال الزَّجاج معنى {فَعَاقَبْتُمْ} فأصبتُموهم في القتال بعقوبة، وكانت العاقبة لكم حتَّى غنمتُم، فالذي ذهبت زوجته كان يُعطي من الغنيمة المهر؛ يعني فآتوا بدل الفائت من الغنيمة التي صارت في أيديكم من أموال الكفَّار.
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما جميع من لحقَ بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين
ج 12 ص 422
راجعة عن الإسلام ستُّ نسوة
أمُّ الحكم بنت أبي سفيان، كانت تحت عياض بن شدَّاد الفهري. وفاطمة بنت أبي أميَّة، كانت تحت عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، فلمَّا أراد عمر رضي الله عنه أن يهاجر أبت وارتدَّت، وهي أخت أم سلمة رضي الله عنها. وبَرْدَع بنت عقبة، كانت تحت شمَّاس بن عثمان. وعبدة بنت عبد العزَّى بن نضلة، وزوجها عمرو بن عبدود. وهند بنت أبي جهل، كانت تحت هشام بن العاص. وكلثوم بنت جرول، كانت تحت عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [الممتحنة 11] ولمَّا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة وفرغ من بيعة الرِّجال أخذ في بيعة النِّساء، وهو على الصَّفا نزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ} يريد وأد البنات، وقرئ (( يقتِّلن ) )بالتشديد {وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك، كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبًا؛ لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلده بين الرِّجلين، وقيل هو تأكيد مثل ما كسبت أيديكم.
{وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} فيما تأمرهنَّ به من الحسنات، وتنهاهنَّ عنه من السَّيئات، وقيل كل ما وافق طاعة الله فهو معروف، وقيل هذا في النَّوح، وقيل لا يخلون بغير ذي محرم، والتَّقييد بالمعروف مع أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلَّا بمعروف تنبيه على أنَّه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، وأنّ تلك الطَّاعة جديرة بغاية التوقِّي والاجتناب.
{فَبَايِعْهُنَّ} إذا بايعنك بضمان الثَّواب على الوفاء بهذه الأشياء {وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة 12] روي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا أخذ في بيعة النِّساء وهو على الصَّفا، وعمر
ج 12 ص 423
بن الخطَّاب رضي الله عنه أسفل منه يبايعهنَّ بأمره ويبلغهنَّ عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متقنِّعة متنكِّرة خوفًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفَها، فقال صلى الله عليه وسلم (( أبايعكنَّ على أن لا تشركنَ بالله شيئًا ) )فرفعت هند رأسها وقالت والله لقد عبدنا الأصنام وإنَّك لتأخذ علينا أمرًا ما رأيناك أخذته على الرِّجال، تبايع الرِّجال على الإسلام والجهاد، فقال صلى الله عليه وسلم (( ولا تسرقنَ ) )فقالت إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، وإنِّي أصبت من ماله هناتٍ فما أدري أتحلُّ لي أم لا؟ فقال أبو سفيان ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غير فهو لك حلالٌ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها، فقال لها (( وإنَّك لهند بنت عتبة ) )قالت نعم، فاعف عمَّا سلف يا نبيَّ الله، عفا الله عنك، فقال (( ولا تزنين ) )فقالت أوتزني الحرَّة، وفي رواية ما زنت منهنَّ امرأة قط. فقال (( ولا يقتلنَ أولادهنَ ) )فقالت ربيناهم صغارًا وقتلتهم كبارًا، فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر رضي الله عنه حتَّى استلقى، وتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال (( ولا يأتين ببهتان ) )فقالت والله إنَّ البهتان لأمر قبيحٌ، وما تأمرنا إلا بالرُّشد ومكارم الأخلاق، فقال (( ولا يعصينك في معروف ) )فقالت والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيءٍ.
وقيل في كيفية المبايعة دعا بقدح من ماء فغمس فيه يده، ثمَّ غمس أيديهنَّ، وقيل صافحنَّ، وكان على يده ثوبٌ قطري من برود اليمن، وقيل كان عمر رضي الله عنه يصافحهنَّ عنه، وسيأتي قريبًا عن عائشة رضي الله عنها والله ما مسَّت يده يد امرأةٍ قطُّ في المبايعة، ما بايعهنَّ إلَّا بقوله، والله أعلم.
هذا وقال الكرماني نزلت هذه الآية بيانًا؛ لأنَّ الشَّرط إنَّما كان في الرِّجال دون النِّساء.
(قَالَ عُرْوَةُ) هو متَّصل بالإسناد المذكور أولًا(فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
ج 12 ص 424
إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ إِلَى {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة 10 - 12] . قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَايَعْتُكِ).
وقولها (كَلاَمًا يُكَلِّمُهَا بِهِ) من مقول عائشة رضي الله عنها، وقع حالًا من مقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ، وَمَا بَايَعَهُنَّ إِلاَّ بِقَوْلِهِ) وكانت عائشة رضي الله عنها تقول يبايع النِّساء بالكلام بهذه الآية، وما مسَّ يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط إلَّا يد امرأةٍ يملكها.
وعن الشَّعبي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النِّساء بالكلام بهذه الآية. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بايع النِّساء دعا بقدحٍ من ماء فغمس يده فيه، ثمَّ غمس أيديهنَّ فيه.
واختلف العلماء في صلح المشركين على أن يردَّ إليهم من جاء منهم مسلمًا فقال قوم لا يجوز هذا، وهو منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم (( أنا بريء من كلِّ مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب ) ).
وقد أجمع المسلمون أنَّ هجرة دار الحرب فريضةٌ على الرِّجال والنِّساء، وذلك الذي بقيَ من فرض الهجرة، وهذا قول الكوفيِّين وأصحاب مالك.
وقال الشَّافعي هذا الحكم في الرِّجال غير منسوخٍ، وليس لأحد هذا العقد إلا للخليفة؛ أو لرجل يؤمر به، فمن عقد من غير الخليفة فهو مردودٌ.
وفي «التَّوضيح» وقول الشَّافعي هذا الحكم في الرِّجال غير منسوخ يدلُّ أن مذهبه أنَّه في النِّساء منسوخ.
[1] في هامش الأصل قوله لورود النهي يعني في قوله تعالى {فلا ترجعوهن} وهذا من تخصيص العام عند الشافعية، فإنهم يجوزونه مع التراخي، ونسخ السنة بالكتاب عند الحنفية، ولعل رد النِّساء لم يكن داخلًا في ذلك الصلح، فافهم. منه.
[2] في هامش الأصل وعن الضحاك كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين عهد أن لا يأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها، وللنَّبي صلى الله عليه وسلم من الشرط مثل ذلك. وعن قتادة ثم نسخ هذا الحكم. منه.