2736 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصي، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، قال (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزاي وبالنون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا) ليس فيه نفي غيرها؛ لما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه يرفعه (( أسألك بكلِّ اسم هو لك سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ) )الحديث. وحديث عائشة رضي الله عنها (( اللَّهم إنِّي أسألك بجميع أسمائك الحسنى كلِّها ما علمنا منها وما لم نعلمْ، وأسألك باسمك العظيم الأعظم، الكبير الأكبر من دعاكَ به أجبتَه ) )فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 12 ص 529
(( أصبتيه أصبتيه ) )وأمَّا وجه التَّخصيص بذكرها؛ فلأنَّها أشهر الأسماء وأبينها.
(مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا) أي إلَّا اسمًا واحدًا، ويروى بتأويل التَّسمية أو الصِّفة أو الكلمة. وفائدة قوله مائة إلَّا واحدًا، هي التَّأكيد ودفع التَّصحيف بسبعة وتسعين أو بتسعة وسبعين أو بسبعة وسبعين، فإنَّ أسماء الله تعالى توقيفيَّة تعلم بطريق الوحي والسنَّة، ولم يكن لنا أن نتصرَّف فيها بما لم يهتدْ إليه مبلغ علمنَا، ومنتهى عقولنا، وقد منعنا عن إطلاق ما لم يرد به التَّوقيف وإن جوَّزه العقل، وحكم به القياس، وكان الخطأ في ذلك غير هيِّن، والمخطئُ فيه غير معذور، والنُّقصان عنه كالزِّيادة فيه غير مرضيٍّ، ولا يخلو الكاتب عن زلَّة وهفوة القلم بسبعة وتسعين وغيره، فينشأ الاختلاف في المسموع من المسطور فأكَّده به؛ حسمًا لمادَّة الخلاف، وإرشادًا إلى الاحتياط في هذا الباب.
قال الكرماني فإن قلت ما الحكمة في الاستثناء؟.
قلت قيل الفرد أفضل من الزَّوج، ولذلك جاء إن الله وتر يحبُّ الوتر، ومنتهى الإفراد من المراتب من غير تكرار تسعة وتسعون؛ لأنَّ مائة وواحدًا يتكرَّر فيه الواحد.
وقيل الكمال من العدد في المائة؛ لأنَّ الأعداد كلها ثلاثة أجناس آحاد وعشرات ومئات؛ لأنَّ الألوف ابتداء آحاد أُخَر بدل عشرات الألوف ومئاتها، فأسماء الله تعالى مائة، وقد استأثرَ الله بواحد منها، وهو اسمُ الله الأعظم لم يطَّلع عليه غيره، فكأنَّه قال مائة، لكن واحد منها عند الله، والله تعالى أعلم. وقد يقال أسماء الله تعالى أكثر منها، لكن معاني جميعها محصورة فيها، فلذلك اقتصر عليها، أو أنَّ المعنى من أحصى من أسمائه تعالى هذا العدد دخل الجنَّة.
(مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) قال الخطَّابي الإحصاء يحتمل وجوهًا
أظهرها العدُّ لها حتَّى يستوفيها؛ أي لا يقتصر على بعضها، بل يثني على الله تعالى
ج 12 ص 530
بجميعها.
وثانيها الإطاقة؛ أي من أطاق القيام بحقِّها، والعمل بمقتضاها، وهو أن يعتبر معانيها، ويلزم نفسه بواجبها، فإذا قال الرَّزاق، ألزم ووثق به وهلم جرًّا.
وثالثها العقل؛ أي من عقلها وأحاط علمًا بمعانيها من قولهم فلان ذو حصاة؛ أي ذو عقل، وقيل أحصاها؛ أي عرفها؛ لأنَّ العارف بها لا يكون إلَّا مؤمنًا، والمؤمن يدخل الجنَّة لا محالة.
وقال ابنُ الجوزي لعلَّه يكون المراد بقوله (( من أحصاها ) )من قرأ القرآن حتَّى يختمه، فيستفاد منه أنَّ من حفظ القرآن العزيز دخل الجنَّة؛ لأنَّ جميع الأسماء فيه، وقيل من أحصاها؛ أي حفظها، وهكذا فسَّره البخاري والأكثرون. ويؤيِّده في رواية في «الصَّحيح» (( من حفظها دخل الجنَّة ) ).
وقال الطِّيبي أرادَ بالحفظ القراءة بظهر القلب، فيكون كناية؛ لأنَّ الحفظ يستلزم التَّكرار، فالمراد بالإحصاء تكرار مجموعها، وذكر الجزاء بلفظ الماضي تحقيقًا لوقوعه، كأنَّه قد وجد.
ثمَّ اعلم أنَّ اسم الله تعالى ما يصحُّ أن يُطلق عليه سبحانه وتعالى بالنَّظر إلى ذاته، أو باعتبار وصفه من صفاته السَّلبية كالقدُّوس والأوَّل، أو الثبوتيَّة الحقيقيَّة كالعليم والقادر، أو الإضافيَّة كالحميد والملك، أو باعتبار فعل من أفعاله، كالخالق والرَّزاق.
وقالت المعتزلة الاسم هو التَّسمية دون المسمَّى. وقال الغزالي الاسم هو اللَّفظ الدَّال على المعنى بالوضع لغة، والمسمَّى هو المعنى الموضوع له الاسم، والتَّسمية وضع اللَّفظ له أو إطلاقه عليه.
وقال الطِّيبي قال مشايخنا التَّسمية هو اللَّفظ الدَّال على المسمَّى، والاسم هو المعنى المسمَّى به كما أنَّ الوصف والصِّفة كذلك؛ أي الصِّفة مدلوله، وهو المعنى القائم بالموصوف، وقد يطلقُ ويراد به اللَّفظ كما تطلق الصِّفة، ويراد الوصف إطلاقًا لاسم المدلول على الدَّال، وعليه اصطلحت النُّحاة.
وقيل الفرق بين الاسم والمسمَّى إنَّما يظهرُ من قولك رأيت زيدًا، فإنَّ المراد بالاسم المسمى؛ لأنَّ المرئي ليس حروف ز ي د، وإذا قلت سمَّيته زيدًا، فالمراد غير المسمَّى؛ لأن معناه سميته بمركَّب من هذه الحروف، وفي قولك زيد حسن، هو
ج 12 ص 531
لفظٌ مشترك يمكن أن تعني به أن هذا اللَّفظ حسنٌ، وأن تعني به أنَّ مسمَّاه حسنٌ.
وأمَّا قول من قال لو كان الاسم هو المسمَّى لكان من قال نار يلزم أن يحترقَ فمه فهو غريب؛ لأنَّ العاقل لا يقول إنَّ زيدًا الذي هو مركَّب من الزاي والياء والدال هو الشَّخص.
وقال محيي السنَّة في «معالم التَّنزيل» الإلحاد في أسمائه تسميتُه بما لا ينطق به كتاب ولا سنَّة. وقال أبو القاسم القشيري في كتابه «مفاتيح الحجج» أسماء الله تعالى تؤخذ توقيفًا، ويراعى فيها الكتاب والسنَّة والإجماع، فكلُّ اسم وردَ في هذه الأصول وجب إطلاقه في وصفه تعالى، وما لم يرد فيها لا يجوز إطلاقه في وصفه تعالى، وإن صحَّ معناه.
وقال الرَّاغب ذهبت المعتزلة إلى أنَّه يصحُّ أن يُطلق على الله تعالى كل اسم يصحُّ معناه فيه، والأفهام الصَّحيحة البشريَّة لها سعة ومجال في اختيار الصِّفات، قال وما ذهب إليه أهل الحديث هو الصَّحيح، ولو تُرِك الإنسان وعقله لما جسر أن يطلق عليه عامَّة هذه الأسماء التي ورد الشَّرع بها، إذ كان أكثرها على حسب تعارفنا يقتضي أعراضًا؛ إمَّا كمية نحو العظيم والكبير، وإمَّا كيفية نحو الحي والقادر، أو زمانًا نحو القديم والباقي، أو مكانًا نحو العليِّ والمتعالي، أو انفعالًا نحو الرَّحيم والودود، وهذه معانٍ لا تصحُّ عليه سبحانه على حسب ما هو متعارف بيننا، وإن كان لها معانٍ معقولة عند أهل الحقائق من أجلها صحَّ إطلاقها عليه عزَّ وجلَّ.
وقال الزَّجاج لا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يصف به نفسه، فيقول يا رحيم، ولا يقول يا رقيق.
وذكر الحاكم أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي أنَّ أسماء الله التي ورد بها الكتاب والسنَّة وإجماع العلماء على تسميته بها منقسمة بين عقائد خمس
الأوَّل إثبات الباري؛ ليقع به مفارقة التَّعطيل.
الثَّاني إثبات وحدانيته؛ ليقع بها البراءة من الشِّرك.
الثَّالث إثبات أنَّه ليس بجوهر ولا عرض؛ ليقع به البراءة من التَّشبيه.
الرَّابع إثبات أنَّ
ج 12 ص 532
وجود كل ما سواه كان من قبل إبداعه واختراعه إيَّاه؛ ليقع البراءة من قول من يقول بالعلَّة والمعلول.
الخامس أنَّه مدبر ما أبدع، ومصرِّفه على ما يشاء؛ لتقع به البراءة من قول القائلين بالطَّبائع أو بتدبير الكواكب أو بتدبير الملائكة.
وزعم ابن حزم أنَّ من زاد شيئًا في الأسماء على التِّسعة والتِّسعين من عند نفسه فقد ألحد في أسمائه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال (( مائة إلَّا واحدًا ) )فلو جاز أن يكون له اسم زائد لكانت مائة، هذا فليتأمَّل.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في موضعين
أحدهما في قوله والثنيا، من غير قيدٍ بالإقرار؛ لأنَّ الثنيا في نفسه أعم من أن يكون في الإقرار أو في غيره، كما في الحديث المذكور.
والأخرى في قوله (( مائة إلَّا واحدًا ) )، والحديث أخرجه المؤلِّف في «التَّوحيد» أيضًا [خ¦7392] . وأخرجه التِّرمذي في «الدَّعوات» ، والنَّسائي في «النُّعوت» ، وأخرجه ابن ماجه من حديث موسى بن عقبة حدَّثني الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا؛ مائة إلَّا واحدًا، إنَّه وتر يحبُّ الوتر، من حفظها دخل الجنَّة ) )فذكرها مفصَّلة اسمًا؛ بعد اسم، وقال في آخره قال زهير فبلغنا عن غير واحدٍ من أهل العلم أنَّ أوَّله يفتح بقول لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كلِّ شيء قدير، لا إله إلَّا الله له الأسماء الحسنى.
وقال التِّرمذي وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ولا يعلم في كثير من الرِّوايات ذكر الأسماء إلَّا في هذا الحديث.
وقد روى آدم بن أبي إيَّاس هذا الحديث بإسنادٍ غير هذا، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيحٌ.
وأخرجه الحاكم في «مستدركه» وقال هذا حديث صحيحٌ قد خرَّجاه في «الصَّحيحين» بأسانيد صحيحة دون ذكر الأسامي فيه، والعلَّة فيه عندهما أنَّ الوليد بن مسلم أوثق وأحفظ وأعلم وأجل من أبي اليمان وبشر بن شعيب وعليِّ بن عيَّاش وأقرانهم من أصحاب شعيب. وأخرجه ابن حبَّان أيضًا في «صحيحه» .