فهرس الكتاب

الصفحة 4277 من 11127

2737 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ) قال (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون البصري (قَالَ أَنْبَأَنِي نَافِعٌ) أي أخبرني، وقيل الإنباء يطلق على الإجازة أيضًا (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُهُ) أي يستشيره (فِيهَا، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ) واسم تلك الأرض ثَمْغ، بفتح المثلثة وسكون الميم وبالغين المعجمة.

(لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ) أي أجود وأعجب منه (فَمَا تَأْمُرُ بِهِ؟ قَالَ إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ) أي وقفت (أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، قَالَ فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى) أي القرابة في الرَّحم، وهو في الأصل مصدر تقول بيني وبينه قرابة وقربى ومقرُبة ومقرَبة وقرْبة وقرُبة.

(وَفِي الرِّقَابِ) أي وفي فكِّ الرِّقاب؛ وهم المكاتبون، يدفع إليهم شيء من الوقف تفكُّ به رقابهم، وكذلك لهم نصيب في الزَّكاة (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) هو منقطع الحاج ومنقطع الغزاة، وقيل هم فقراء حملة القرآن، وقيل طلبة العلم (وَابْنِ السَّبِيلِ) وهو الذي له مال في بلدةٍ لا يصل إليها وهو فقير (وَالضَّيْفِ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (( لاَ جُنَاحَ ) )أي لا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهَا) أي من ولي تلك الأرض (أَنْ يَأْكُلَ) أي في أن يأكل (مِنْهَا) أي من ريعها (بِالْمَعْرُوفِ) أي بحسب ما يحتمل ريع الوقف على الوجه المعتاد (وَيُطْعِمَ) بالنصب عطف على أن يأكل (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ) حال من قوله من وليها؛ يعني أن أكله وإطعامه لا يكون على وجه التَّمول، بل لا يتجاوز المعتاد.

(قَالَ) أي قال ابن عون (فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ سِيرِينَ) أي فحدَّثت بهذا الحديث محمَّد بن سيرين (فَقَالَ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا) أي غير جامع مالًا، يقال مال مؤثَّل _ بالمثلثة المشددة _؛ أي مجموع ذو أصل،

ج 12 ص 534

وأَثَلةُ الشيء أصله.

وفي الحديث جواز الوقف، وهو مذهبُ الجمهور وأبي يوسف ومحمَّد، ولا خلاف بينهم في جواز الوقف في حقِّ وجوب التصدُّق بما يحصل من الوقف ما دام الواقف حيًّا، حتَّى أنَّ من وقف داره أو أرضه يلزمه التصدُّق بِغَلَّة الدَّار والأرض، ويكون ذلك بمنزلة النَّذر بالغلة، ولا خلاف أيضًا في جوازه في حقِّ زوال ملك الرَّقبة إذا اتَّصل به قضاء القاضي، أو إضافة إلى ما بعد الموت؛ بأن قال إذا مت فقد جعلت داري أو أرضي وقفًا على كذا، أو قال هو وقف في حياتي، صدقة بعد وفاتي.

واختلفوا في جوازه مزيلًا لملك الرَّقبة إذا لم توجد الإضافة إلى ما بعد الموت، ولا اتَّصل به حكم حاكم

فقال أبو حنيفة لا يجوز، حتَّى كان للواقف بيع الموقوف وهبته، وإذا مات يصير ميراثًا لورثته.

وقال أبو يوسف ومحمَّد والجمهور يجوز، حتَّى لا يباع ولا يُوهب ولا يُورث.

ومنع القاضي شريح مشروعيَّة الوقف مطلقًا.

وفي الحديث تصريح بمشروعيَّته، وأنَّه لا يباع ولا يوهب ولا يورث؛ لأنَّه صار لله تعالى، وخرج عن ملك الواقف.

واختلفوا هل يدخل في ملك الموقوف عليه أولًا.

فقال أصحابنا لا يدخل، لكنَّه ينتفع بغلَّته بالتصدُّق عليه؛ لأنَّ الوقف حبس الأصل وتصدق بالفرع، والحبس لا يوجب ملك المحبوس.

وعن الشَّافعي ومالك وأحمد ينتقل إلى ملك الموقوف عليه لو كان أهلًا له.

وعن الشَّافعي في قول ينتقل إلى الله، وهو رواية عن أصحابنا. وعن الشَّافعي أنَّ الملك في رقبة الوقف لله تعالى، وذكر صاحب «التَّحرير» أنَّه إذا كان الوقف على شخص وقلنا الملك للموقوف عليه افتقر إلى قبضه كالهبة.

وقال النَّووي في «الرَّوضة» هذا غلطٌ ظاهر. وفيه أنَّ الوقف ينعقد بلفظ حبست، بل الأصل هذه اللَّفظة؛ لأن الوقف في اللُّغة الحبس.

وفي «الرَّوضة» لا يصحُّ الوقف إلَّا بلفظ، فلو بني على هيئة المساجد، أو على غير هيئتها وأذن للصَّلاة

ج 12 ص 535

فيه لم يصر مسجدًا، وألفاظه على مراتب

أحدها قوله وقفت كذا أو حبست أو سبَّلت أو أرضي موقوفة أو محبَّسة أو مسبَّلة، فكلُّ لفظ من هذه الألفاظ صريح هذا هو الصَّحيح الذي قطع به الجمهور، وفي وجه ذلك كله كناية. وفي وجه الوقف صريح، والباقي كناية.

الثَّاني قوله حرَّمتُ هذه البقعة للمساكين أو أبَّدتها أو داري محرَّمة أو مؤبَّدة، وذلك كناية على المذهب.

الثَّالث تصدَّقت بهذه البقعة، وهو ليس بصريح، فإن زاد معه صدقة محرَّمة أو محبَّسة أو موقوفة التحق بالصَّريح، وقيل لا بدَّ من التَّقييد بأنَّه لا يباع ولا يوهب.

وقالت الحنابلة يصحُّ الوقف بالقول وبالفعل الدَّال عليه، وإن كان الوقف على آدمي معيَّن افتقر إلى قبوله؛ كالوصيَّة والهبة.

وقال القاضي منهم لا يفتقر إلى قبوله كالعتق.

وفيه أن قيِّم الوقف له أن يتناولَ من غلَّة الوقف بالمعروف، ولا يأخذُ أكثر من حاجته، هذا إذا لم يعيِّن الواقف له شيئًا معيَّنًا، فإذا عيَّنَهُ له أن يأخذَ ذلك، قليلًا كان أو كثيرًا.

وفيه صحَّة شروط الوقف.

وفيه فضيلة ظاهرة لعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.

وفيه مشاورة أهل الفضل والصَّلاح في أمور الدِّين وطرق الخير.

وفيه أنَّ خيبر فتحت عنوة، وأنَّ الغانمين مَلكوها واقتسموها، واستقرَّت أملاكهم على حصصهم ونفذت تصرُّفاتهم فيها.

وفيه فضيلة صلة الرَّحم والوقف عليهم.

وفيه أنَّ الواقف إذا أخرجه من يده إلى متولٍّ ينظر فيه فله أن يجعلَه في صنفٍ واحدٍ أو أصناف مختلفة، إلَّا إذا عيَّن الواقف الأصناف.

وفيه أنَّ ما كان نظير الأرض التي حبسها عمر رضي الله عنه كالدُّور والعقارات يجوز وقفها.

واحتجَّ أبو حنيفة رحمه الله فيما ذهب إليه بقول شريح لا حبس عن فرائض الله. أخرجه الطَّحاوي عن سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن عطاء بن السَّائب، ورجاله ثقات.

وأخرجه البيهقي في «سننه» بأتم منه، ومعناه لا يوقف ولا يزوى

ج 12 ص 536

عن ورثته، ولا يمنع عن القسمة بينهم. ويؤيِّد هذا ما رواه الطَّحاوي أيضًا من حديث عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعد ما أنزلت سورة النِّساء وأنزل فيها الفرائض نهى عن الحبس. وأخرجه البيهقي أيضًا وقال وفي سنده ابن لهيعة وأخوه عيسى، وهما ضعيفان.

وقال العيني ما لابن لهيعة، وقد قال ابن وهب كان ابن لهيعة صادقًا، وقال في موضع آخر وحدَّثني الصَّادق البار والله ابن لهيعة. وقال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل يقول ما كان محدِّث مصر إلَّا ابن لهيعة، وعنه مَن مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه، ولهذا حدَّث عنه أحمد في «مسنده» بحديث كثير، وأمَّا أخوه عيسى فقال ابن حبَّان إنَّه من الثِّقات.

وقال الطَّحاوي هذا شريح، وهو قاضي عمر وعثمان وعلي الخلفاء الرَّاشدين رضي الله عنهم قد روى عنه هذا، ووافق أبا حنيفة في هذا عطاء بن السَّائب وأبو بكر بن محمَّد وزفر بن الهذيل.

فإن قلت ما تقول في وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أوقاف الصَّحابة رضي الله عنهم بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.

فالجواب أنَّ وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّما جاز؛ لأن المانع منه وقوعه حبسًا عن فرائض الله، ووقفه صلى الله عليه وسلم لم يكن حبسًا عن فرائض الله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّا معشر الأنبياء لا نورِّث ما تركنا صدقة ) ).

وأمَّا أوقاف الصَّحابة رضي الله عنهم بعد موته صلى الله عليه وسلم، فيحتمل أن ورثتهم أمضوها بالإجازة هذا هو الظَّاهر.

فإن قلت قال البيهقي ولو صحَّ هذا الخبر لكان منسوخًا.

قلت النَّسخ لا يثبت إلَّا بدليل، ولم يبيِّن دليله في ذلك، فمجرَّد الدَّعوى غير صحيحة.

والجواب عن حديث الباب أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( إن شئتَ حبستَ أصلها وتصدَّقت بها ) )لا يستلزمُ

ج 12 ص 537

إخراجها عن ملكه، ولكنَّها تكون جارية على ما أجراها عليه ما تركها، ويكون له فسخ ذلك متى شاء.

ويؤيِّد هذا ما رواه الطَّحاوي، وقال حدَّثنا يونس أنا ابن وهب أنَّ مالكًا أخبره عن زياد بن سعد، عن ابن شهاب أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال لولا أنِّي ذكرت صدقتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحو هذا لردَدتها، فلمَّا قال عمر رضي الله عنه هذا دلَّ ذلك على أنَّ نفس الإيقاف للأرض لم يكن يمنعه من الرُّجوع فيها، وإنَّما منعه من الرُّجوع فيها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره فيها بشيء وفارقه على الوفاء به، فكره أن يرجع عن ذلك كما كره ربط عبد الله بن عمر أن يرجع بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصَّوم الذي كان فارقه عليه أنَّه يفعله، وقد كان له أن لا يصوم.

وأمَّا ما قاله ابنُ حزم هذا الخبر منكر وبليَّة من البلايا، وكذب بلا شك. فقد قال العيني إنَّ قوله هذا بليَّة وكذب، تهافت عظيم، وكيف يقول هذا القول السَّخيف، والحال أنَّ رجاله علماء ثقات؛ فيونس من رجال مسلم، والبقيَّة من رجال «الصَّحيح» ، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قول عمر رضي الله عنه أنَّه لا يباع إلى آخره، والحديث أخرجه المؤلِّف في «الوصايا» أيضًا [خ¦2764] ، وأخرجه مسلم «فيه» أيضًا، والنَّسائي في «الأحباس» .

خاتمة اشتمل كتاب الشُّروط من الأحاديث المرفوعة على سبعة وأربعين حديثًا، الخالص منها خمسة أحاديث، والبقيَّة مكرَّرة، والمعلَّق منها سبعة وعشرون، وكلها عند مسلم سوى بلاغ الزُّهري [خ¦2733 بعد] ، وفيه من الآثار عن الصَّحابة ومن بعدهم رضي الله عنهم أحد عشر أثرًا.

قد وقع الفراغ بمنِّ الله وتوفيقه وإحسانه من القطعة الثَّانية عشر من شرح صحيح الإمام البخاري على يد جامعها الفقير إلى عناية ربِّه القدير عبد الله بن محمَّد المدعو بيوسف أفندي زاده

ج 12 ص 538

كتب الله لهم الحسنى وزيادة في يوم الثُّلاثاء الثَّاني عشر من أيَّام شهر شعبان المعظَّم، المنسلك في عقد شهور سنة أربعين ومائة وألف، من هجرة من يأخذ العفو ويأمر بالعرف، عليه من الصَّلوات أزكاها، ومن التحيَّات أوفاها، ومن التَّسليمات أنماها، ويتلوها القطعة الثَّالثة عشر المبدوأة بكتاب «الوصايا» إن شاء الله تعالى، يسَّر الله تعالى إتمام شرح ذلك الصَّحيح المبارك، وجعله وسيلة إلى خاصَّة شفاعة ذلك النَّبي الأمجد، والرَّسول الممجَّد المؤيَّد، يوم لا شفاعة فيه لأحد، إلَّا بإذن الله الواحد الأحد الصَّمد.

ج 12 ص 539

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت