250 - (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتانية، وقد تقدم في أول كتاب الإيمان [خ¦10] (قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذال المعجمة، محمد ابن عبد الرحمن القرشي، وقد مر في باب حفظ العلم [خ¦119] (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هو محمد بن مسلم (عَنْ عُرْوَةَ) هو ابن الزبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، هكذا رواه أكثر أصحاب الزهري، وخالفهم إبراهيم بن سعد، فرواه عنه، عن القاسم بن محمد، ورجح أبو زرعة الأول، ويحتمل أن يكون للزهري فيه شيخان، فإن الحديث محفوظ عن عروة والقاسم من طرق أخرى، وقد أخرج متنه مسلم، والنسائي أيضًا.
(قَالَتْ) أي إنها قالت (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا)
ج 2 ص 389
أكَّد بضمير المنفصل؛ لأنه إذا عطف على الضمير المرفوع المتصل أكد أولًا بمنفصل كما في قوله تعالى {لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ} [الأنبياء 54] ، وهو من باب تغليب المتكلم على الغائب؛ لأن النساء محل الشهوات، وحاملات على الاغتسال، فكن أصلًا فيه، ونظيره قوله تعالى {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة 35] حيث غلب المخاطب على الغائب؛ بناءً على أن آدم عليه السلام كان أصلًا في سكنى الجنة، وحواء عليها السلام كانت تابعة له.
(وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) فالنبي مرفوع على أنه عطف على الضمير المرفوع، ويجوز أن يكون منصوبًا مفعولًا معه (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ) بفتحتين واحد الأقداح التي للشرب، وأما القِدْح بكسر القاف وسكون الدال فهو السهم قبل أن يراش ويركب نصله، وكلمة (من) الأولى ابتدائية، والثانية بيانية، ويحتمل أن يكون قدح بدلًا من إناء بتكرير حرف الجر.
(يُقَالُ لَهُ الْفَرَقُ) ولمالك عن الزهري (( هو الفرق ) )وزاد في رواية أي بسبب الجنابة، ولأبي داود الطيالسي، عن ابن أبي ذئب (( وذلك القدح يومئذ يدعى الفَرَق ) )وهو بفتح الفاء والراء، قاله القتبي وغيره، وقال النووي هو الأفصح.
وقال ابن التيِّن (بتسكين الراء، وحكي ذلك عن أبي زيد وابن دريد وغيرهما من أهل اللغة، وعن ثعلب الفَرَق بالفتح، والمحدثون يسكِّنونه، وكلام العرب بالفتح، حكاه الأزهري عنه، ولعله هو مستند أبي الوليد الباجي في زعمه أن الفتح هو الصواب، وقد عرفت أنهما لغتان، وحكى ابن الأثير أن الفرق بالفتح ستة عشر رطلًا، وبالإسكان مائة وعشرون رطلًا، قال الحافظ العسقلاني وهو غريب) . انتهى.
وعند مسلم في آخر رواية ابن عيينة، عن الزهري في هذا الحديث (( قال سفيان _ يعني ابن عيينة _ الفرق ثلاثة آصع ) ).
قال النووي (وكذا قال الجماهير، ويؤيد كون الفرق ثلاثة آصع ما رواه ابن حبان من طريق عطاء، عن عائشة رضي الله عنها بلفظ(( قدر ستة أقساط ) )، والقِسط بكسر القاف، نصف صاع باختلاف أهل اللغة، ولا اختلاف بينهم أيضًا أن الفرق ستة عشر رطلًا، فصحَّ أن الصاع خمسةُ أرطال وثلاث، وقيل الفرق صاعان).
وقال الجوهري (الفرق مكيال معروف بالمدينة فهو ستة عشر رطلًا) ، ونقل أبو عبيد الاتفاق على أن الفرق ثلاثة آصع، وعلى أنه ستة عشر رطلًا، ولعله يريد اتفاق أهل اللغة، وإلا فقد قال بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم إنَّ الصاع ثمانية أرطال، وتمسكوا بما روي عن مجاهد في الحديث الآتي عن عائشة رضي الله عنها أنه حزر الإناء ثمانية أرطال، وتوسط بعض الشافعية فقال الصاع الذي لماء الغسل ثمانية أرطال، والذي لزكاة الفطر وغيرها خمسة أرطال وثلث، وسيجيء التفصيل في ذلك في الباب الآتي إن شاء الله تعالى.
وفي الحديث جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وكذلك الوضوء، وهذا بالإجماع، ثمَّ إن هذا الإناء المذكور كان من شَبَه بفتح الشين المعجمة والموحدة، يدل عليه ما رواه الحاكم من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه بلفظ (( تور من شبه ) )، وهو نوع من النحاس.
وفيه أيضًا تطهر المرأة بفضل الرجل، وكذا بالعكس مطلقًا عند الجمهور سواء خلت المرأة بالماء أو لم تخل، وذهب الإمام أحمد إلى إنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها، فإن قيل ذكر ابن أبي شيبة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان ينهى أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد، فالجواب على ما قيل إنَّه غاب عنه الحديث المذكور، والسنة قاضية عليه، فإن قيل
ج 2 ص 390
ورد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، فالجواب أنه قال الخطابي (أهل المعرفة بالحديث لم يرفعوا طرق أسانيد هذا الحديث، ولو ثبت فهو منسوخ) ، وقد سبق الكلام في باب وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد مفصلًا، وفيه طهارة فضل الجنب والحائض.
وقال الداودي (وفيه جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته، وعكسه) ، ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته فقال سألت عطاء فقال سألت عائشة رضي الله عنها، فذكرت هذا الحديث بمعناه، وهو نص في المسألة، والله أعلم، فتأمل.