2742 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون، الفضيلُ بن دكين، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنهم (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) يروي (عَنْ) أبيه (سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي) جملةٌ حاليَّة (وَأَنَا بِمَكَّةَ) حال أيضًا، وزاد الزُّهريُّ في روايته في حجَّة الوداع (( من وجعٍ اشتدَّ بي ) )، وله في الهجرة [خ¦3936] (( من وجع أشفيت منه على الموت ) )، واتَّفق أصحاب الزُّهري على أنَّ ذلك كان في حجَّة الوداع، إلَّا ابن عيينة قال (( في فتح مكَّة ) )، أخرجه الترمذيُّ وغيره من طريقه، واتَّفق الحفاظ على أنَّه وهمٌ فيه. وقد أخرجه البخاريُّ في الفرائض من طريقه [خ¦6733] فقال (( بمكَّة ) )، ولم يذكر الفتح، ويؤيِّده ما رواه أحمد والبزَّار والطبرانيُّ، والبخاري في «التاريخ» وابن سعد من حديث عَمرو بن القاري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم فخلف سعدًا مريضًا حيث خرج إلى حنين، فلمَّا قدم من الجعرانة معتمرًا
ج 13 ص 19
دخل عليه، وهو مغلوبٌ، فقال يا رسول الله إنَّ لي مالًا وإنِّي أورث كلالةً أفأوصِي بمالي؟ الحديث. وفيه قلت يا رسول الله، أميِّتٌ أنا بالدَّار الَّتي خرجت منها مهاجرًا، قال (( إنِّي لأرجو أن يرفعك الله حتَّى ينتفع بك أقوام ) )الحديث، فلعلَّ ابن عيينة انتقل ذهنه من حديث إلى حديثٍ، ويمكن الجمع بين الرِّوايتين بأن يكون ذلك وقع له مرَّتين مرَّة عام الفتح، ومرَّةً عام حجَّة الوداع؛ ففي الأولى لم يكن له وارثٌ من الأولاد أصلًا، وفي الثَّانية كانت له بنتٌ فقط، والله تعالى أعلم.
(وَهْوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا) قال الكرمانيُّ وهو يكره؛ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كلام سعدٍ يحكي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو هو كلامٌ عامٌّ يحكي حال ولده. انتهى.
وفيه أنَّه لا محصِّل ظاهرًا لهذا الكلام كما لا يخفى على أُولي الأفهام.
وقال الحافظ العسقلانيُّ يحتمل أن تكون الجملة حالًا من الفاعل ومن المفعول، وكلٌّ منهما محتملٌ؛ لأنَّ كلًا من النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومن سعد كان يكره ذلك، لكنْ إنْ كان حالًا من المفعول، وهو سعدٌ ففيه التفاتٌ؛ لأنَّ السِّياق يقتضي أن يقول وأنا أكره هذا.
والظَّاهر من حيث التَّركيب أنَّ الجملة حالٌ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والضَّمير في وهو يكره، إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والذي في يموت، يرجع إلى سعد، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون سعدٌ كارهًا أيضًا؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم إذا كان كارهًا لذلك فكراهة سعد أولى، ويدلُّ على كراهته ما رواه مسلم من طريق حميد بن عبد الرَّحمن عن ثلاثة من ولد سعدٍ، عن سعدٍ بلفظ فقال يا رسول الله، خشيت أن أموت بالأرض الَّتي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة، مات في الأرض الَّتي هاجر منها، وله من طريق بُكير بن مسمار، عن عامر بن سعدٍ في هذا الحديث، فقال سعد يا رسول الله، أموت بالأرض الَّتي هاجرت منها، قال (( لا، إن شاء الله تعالى ) )، والله أعلم.
(قَالَ يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ) بفتح المهملة وسكون الفاء وبالراء وبالمد، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث توفي بمكَّة وهو موجبٌ لنقصان هجرته، كذا وقع في هذه الرِّواية. وفي رواية أحمد والنسائي من طريق عبد الرَّحمن بن مهدي، عن سفيان فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم
ج 13 ص 20
(( يرحم الله سعد بن عفراء ) )ثلاث مرَّات.
قال الدَّاوديُّ قوله ابن عفراء، غير محفوظ، وقال الحافظ الدِّمياطيُّ هو وهمٌ، والمعروف ابن خولة، قال ولعلَّ الوهم من سعدٍ بن إبراهيم، فإنَّ الزُّهري أحفظ منه، وقال فيه سعد بن خولة يشير إلى ما وقع في رواية النَّسائيِّ من طريق جريرٍ عن عامر بن سعد (( لكنَّ البائس [1] سعد بن خولة مات في الأرض التي هاجر منها ) )، وهو الَّذي ذكره أصحاب المغازي، وذكروا أنَّه شهد بدرًا، ومات في حجَّة الوداع، وقيل في اسمه خوْلِيُّ، بكسر اللام وتشديد التحتية، واتَّفقوا على سكون الواو، وأغرب ابن التِّين فحكى عن القابسيِّ فتحها، ووقع في رواية ابن عُيينة في الفرائض [خ¦6733] قال سُفيان (( وسعدُ بن خَوْلَة رجلٌ من بني عامر بن لؤيٍّ ) )، وذكر ابن إسحاق أنَّه كان حليفًا لهم، وقيل كان من الفرس الَّذين نزلوا اليمن، وسيأتي بقية خبرهِ في غزوة بدرٍ من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى في حديثِ سبيعة الأسلميَّة [خ¦3991] .
وجزم اللَّيث بن سعدٍ في «تاريخه» عن يزيد بن أبي حبيبٍ بأنَّ سعد بن خولة مات في حجَّة الوداع، وهو الثَّابت في الصَّحيح، خلافًا لمن قال إنَّه مات في مدَّة الهدنةِ مع قريشٍ سنة سبع. وقال التَّيميُّ يحتمل أن يكون لأمِّه اسمان خولة وعفراء. انتهى.
وقيل يحتمل أن يكون أحدهما اسمًا والآخر لقبًا، أو أحدهما اسم أمِّه والآخر اسمُ أبيه، أو الآخرُ اسم جدَّة له. قال الحافظ العسقلانيُّ والأقرب أنَّ عفراء اسم أمِّه، والآخر اسم أبيهِ؛ لاختلافهم في أنَّه خولة أو خولي، وقول الزُّهري في روايته يرثي له ... إلى آخره.
قال ابن عبد البرِّ زعم أهل الحديث أنَّ قوله يرثي لهُ ... إلى آخره، من كلام الزُّهري، قال الحافظ العسقلانيُّ وكأنَّهم استندوا إلى ما وقع في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ، عن إبراهيم بن سعد، عن الزُّهري فإنَّه فصل ذلك. لكن وقع عند المصنِّف في الدَّعوات عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعدٍ في آخره [خ¦6373] (( لكنِ البائس سعد بن خولةَ، قال سعد رثَى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ) )إلى آخره، فهذا صريحٌ في وصله فلا ينبغي الجزمُ بإدراجه.
ووقع في روايةِ
ج 13 ص 21
عائشة بنت سعدٍ عن أبيها في الطبِّ من الزِّيادة [خ¦5659] ثمَّ وضع يده على جبهته، ثمَّ مسح وجهي وبطني، ثم قال (( اللَّهمَّ اشف سعدًا وأتمم لهُ هجرته ) )، قال فما زلتُ أجد بردها.
ولمسلمٍ من طريق حُميد بن عبد الرَّحمن، قلت فادعُ الله أن يشفيَني، فقال (( اللَّهمَّ اشف سعدًا ) )ثلاث مرَّاتٍ.
(قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟) وفي رواية عائشة بنت سعدٍ، عن أبيها في الطِّبِّ [خ¦5659] (( أفأتصدَّق بثُلثي مالي ) ). وكذا وقع في رواية الزُّهري [خ¦1295] [خ¦3936] [خ¦2409] [خ¦5668] [خ¦6373] [خ¦6733] ، فأمَّا التَّعبير بلفظ أفأتصدَّق، فيحتمل التَّنجيز والتَّعليق، بخلاف لفظ أوصِي لكن لمَّا كان المخرج متَّحدًا حُمل على التَّعليق للجمع بين الرِّوايتين، وقد تمسَّك بقوله أتصدَّق، من جعل تبرُّعات المريض من الثُّلث، وحملوه على المنجزةِ، وسيأتي ما فيه إن شاء الله تعالى [خ¦2743 قبل] .
وأمَّا الاختلاف في السُّؤال فكأنَّه سأل أوَّلًا عن الكلِّ، ثمَّ سأل عن الثُّلثين، ثم سأل عن النِّصف، ثمَّ سأل عن الثُّلث، وقد وقع مجموع ذلك في رواية الطَّبراني في «الكبير» من حديث عُبيد الله بن عياض، عن أبيه، عن جدِّه عَمرو بن عبد القاري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على سعدٍ بن مالك يوم الفتح. الحديث، وفيه فقال سعد يا رسول الله إنَّ مالي كثيرٌ، وإنِّي أورث كلالةً أفأتصدَّق بمالي كلِّه؟ قال (( لا ) )، قال أفأتصدَّق بثلثيه؟ قال (( لا ) )، قال أفأتصَّدق بشطره؟ قال (( لا ) )، قال أفأتصدَّق بثلثهِ؟ قال (( نعم، وذلك كثيرٌ ) ).
(قَالَ لاَ. قُلْتُ فَالشَّطْرُ؟) أي النِّصف هو بالجرِّ عطفًا على قوله بمالي كلِّه؛ أي أفأوصي بالنِّصف، وهذا رجَّحه السُّهيليُّ، وقال الزمخشريُّ هو بالنَّصب على تقدير فعل؛ أي أُسمِّي الشَّطر أو أُعَيِّنُ الشَّطر، ويجوز الرَّفع على تقدير أيجوزُ الشَّطر (قَالَ لاَ. قُلْتُ الثُّلُثُ؟) إعرابه كسابقه، وفي بعض النُّسخ بدون الفاء، فحينئذ يجوز الرَّفع والنَّصب، كما لا يخفى (قَالَ الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) كذا في أكثر الرِّوايات، وفي رواية الزُّهريِّ في (( الهجرة ) ) [خ¦3936] ، قال (( الثُّلث يا سعد، والثُّلث كثير ) ). وفي رواية مصعب بن سعدٍ عن أبيه عند مسلم (( قلت فالثُّلث، قال نعم والثُّلث كثيرٌ ) )، وفي رواية
ج 13 ص 22
عائشة بنت سعد عن أبيها في الباب الذي يليه [خ¦2744] ، قال (( الثُّلث والثُّلث كثيرٌ، أو كبيرٌ ) )يعني بالمثلَّثة أو بالموحدة، وهو شكٌّ من الرَّاوي، والمحفوظ في أكثر الرِّوايات بالمثلَّثة، ومعناه كثيرٌ بالنِّسبة إلى ما دونه.
وللنَّسائي من طريق أبي عبد الرَّحمن السلميِّ عن سعد، بلفظ فقال (( أوصيت؟ ) )، قلت نعم، قال (( بكم؟ ) )، قلت بمالي كلِّه، قال (( فما تركت لولدك؟ ) )وفيه (( أوص بالعُشر ) )، قال فما زال يقول وأقول حتَّى قال (( أوص بالثُّلث والثلث كبير أو كثيرٌ ) ).
ثمَّ قوله (( الثلث والثُّلث كثيرٌ ) )بنصب الأوَّل على الإغراء أو بفعل مضمر نحو عين الثُّلث، وبالرَّفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير كافيك الثُّلث، أو الثُّلث كافٍ.
ثم أنَّه يحتمل أن يكون قوله (( والثُّلث كثيرٌ ) )مسوقًا لبيان الجواز بالثُّلث، فإنَّ الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه، وهو ممَّا يفيده الفهم، ويحتمل أن يكون لبيان أن التَّصدُّق بالثُّلث هو الأكمل؛ أي كثير أجره، ويحتمل أن يكون معناه كثيرٌ غير قليلٍ.
قال الشافعيُّ وهذا أولى معانيه يعني أنَّ الكَثرة أمرٌ نسبيٌّ، وعلى الأوَّل عوَّل ابن عبَّاس رضي الله عنهما كما سيأتي في حديث الباب الذي بعده [خ¦2743] .
(إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ) بفتح أنَّ على التَّعليل وبكسرها على الشَّرطيَّة. قال النوويُّ هما صحيحان، وقال القرطبيُّ لا معنى للشَّرط هنا؛ لأنَّه يصير لا جواب له، ويبقى خيرٌ لا رافع له.
وقال ابن الجوزيِّ سمعناه من رواة الحديث بالكسر، وأنكره شيخنا عبد الله بن أحمد؛ يعني ابن الخشَّاب، وقال لا يجوز الكسر؛ لأنَّه لا جواب له لخلوِّ لفظ خير من الفاء وغيرها ممَّا اشترط في الجواب، وتُعُقِّب بأنَّه لا مانع من تقديره، فقال ابن مالك جزاء الشَّرط قوله خيرٌ؛ أي فهو خيرٌ، وحذف الفاء جائزٌ، وهو كقراءة طاوس (( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ أَصْلِحْ لَهُمْ خَيْرٌ ) ) [البقرة 220] .
قال ومن خصَّ ذلك بالشعر بعد عن التَّحقيق، وضيَّق حيث لا تضييق؛ لأنَّه كثير في الشَّعر قليلٌ في غيره، وأشار بذلك إلى ما وقع في الشَّعر فيما أنشده سيبويه
~مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا
أي فالله يشكرها وإلى الردِّ على من زَعَم أنَّ ذلك خاصٌّ بالشِّعر، قال ونظيره قوله في حديث
ج 13 ص 23
اللُّقطة [خ¦2437] (( فإن جاء صاحبها، وإلَّا استمتع بها ) )بحذف الفاء، وقوله في حديث اللِّعان [خ¦2671] (( البيِّنة، وإلا حدٌّ في الظَّهر ) ).
(وَرَثَتَكَ) قال الزَّين ابن المنيِّر إنَّما عبَّر بلفظ الورثة، ولم يقل أن تدع ابنتك مع أنَّه لم يكن له حينئذٍ إلَّا ابنة واحدة، لكنَّ الوارث حينئذٍ لم يتحقَّق؛ لأنَّ سعدًا إنَّما قال ذلك بناءً على موته في ذلك المرض، وبقائها بعده حتَّى ترثه، وكان من الجائز أن تموت قبله، فأجابه صلى الله عليه وسلم بكلام كليٍّ مطابق لكلِّ حاله، وهو قوله ورثتك ولم يخصَّ بنتًا من غيرها.
وقال الفاكهيُّ شارح «العمدة» إنَّما عبَّر صلى الله عليه وسلم بالورثة؛ لأنَّه أطلعه الله على أنَّ سعْدًا سيعيشُ ويأتيه أولادٌ غير البنت المذكورة، فكان كذلك وولد له بعد ذلك أربعة بنين ولا أعرف أسماءهم، ولعلَّ الله أن يفتحَ بذلك.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وليس قوله أن تدعَ بنتك متعيِّنًا؛ لأنَّ ميراثه لم يكن منحصرًا فيها، فقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقَّاصٍ أولاد إذ ذاك منهم هاشم بن عتبة الصحابيُّ الذي قتل بصفِّين، فجاء التَّعبير بالورثة لتدخل البنت وغيرها ممن يرث لو وقع موته إذ ذاك، أو بعد ذلك.
وأمَّا قول الفاكهيِّ إنَّه ولد له بعد ذلك أربعة بنينٍ، وإنَّه لا يعرف أسماءهم، ففيه ذهولٌ شديدٌ منه، فإنَّ أسماءهم في رواية هذا الحديث معيَّنةٌ عند مسلم من طريق عامر ومصعب ومحمد ثلاثتهم عن سعدٍ.
ووقع ذكر عمر فيه في موضع آخر، ولمَّا وقع ذكر هؤلاء في الحديث عند مسلمٍ اقتصر القرطبيُّ على ذكر الثَّلاثة.
ووقع في كلام بعض شيوخنا تعقُّبٌ عليه بأنَّ له أربعة بنين غير الثَّلاثة، وهم عمر ويحيى وإبراهيم وإسحاق، وعزا ذكرهم لابن المدينيِّ وغيره، وفاته أنَّ ابن سعدٍ ذكر له من الذُّكور غير السَّبعة أكثر من عشرة وهم عبد الله، وعبد الرَّحمن، وعمرو، وعمران، وصالح، وعثمان، وإسحاق الأصغر، وعمر الأصغر، وعمير مصغَّرًا وغيرهم، وذكر له من البنات ثنتي عشرة بنتًا، وكأنَّ ابن المدينيِّ اقتصر على ذكر من روى الحديث منهم، والله أعلم.
(أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً) أي فقراء، وهو جمع عائلٍ، وهو الفقير
ج 13 ص 24
من عال يعيل إذا افتقر.
(يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) أي يسألون النَّاس بأكفِّهم، يقال تكفَّف النَّاس، واستكفَّ إذا بسط كفَّه للسُّؤال، أو سأل ما يكفُّ عنه الجوع، أو سأل كفافًا من طعام، وقد مرَّ في أوَّل الباب أيضًا.
(فِي أَيْدِيهِمْ) أي بأيديهم أو سألوا بأكفِّهم وضع المسئول وإلقاءه في أيديهم، ووقع في رواية الزُّهري [خ¦1295] [خ¦396] [خ¦4409] [خ¦5668] [خ¦6373] أنَّ سعدًا قال وأنا ذو مال، ونحوه في رواية عائشة بنت سعدٍ في الطِّبِّ، وهذا اللَّفظ يؤذن بمالٍ كثيرٍ، وذو المال إذا تصدَّق بثلثيه، أو شطره، وأبقى ثلثه بين ابنته وغيرها لا يصيرون عالةً، لكنَّ ذلك خرج على التَّقدير؛ لأنَّ بقاء المال الكثير إنَّما هو على سبيل التَّقدير، وإلَّا فلو تصدَّق المريض بثلثيه مثلًا، ثمَّ طالت حياته ونقص المال فقد تجحف الوصيَّة بالورثة، فردَّ الشَّارع الأمر إلى شيء معتدلٍ، وهو الثُّلث.
(وَإِنَّكَ) عطفٌ على قوله إنَّك إن تدع (مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا) أي فإن النَّفقة (صَدَقَةٌ) وهذا كأنَّه علَّةٌ للنَّهي عن الوصيَّة بأكثر من الثُّلث، فينحل التَّركيب إلى قوله لا تفعل ذلك لأنَّك إن متَّ تركت ورثتك أغنياء وإن عشت تصدَّقت وأنفقت، فالأجر حاصلٌ لك في الحالين.
وقوله (( فإنَّها صدقةٌ ) )، كذا أطلق في هذه الرِّواية، وفي رواية الزُّهري (( وإنَّك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلَّا أجرت بها ) )، وفي ذكرها مقيَّدةٌ بابتغاء وجه الله، تعليق حصول الأجر بذلك وهو المعتبر.
ويستفاد منه أنَّ أجر الواجب يزداد بالنِّية، فإنَّ الإنفاق على الزَّوجة واجبٌ، وفي فعله الأجر، فإذا نوى به ابتغاء وجه الله ازداد أجره بذلك، قاله ابن أبي جمرة، قال ونبَّه بالنَّفقة على غيرها من وجوه البرِّ والإحسان.
(حَتَّى اللُّقْمَةُ) قال العينيُّ حتى هذه ابتدائيَّة؛ يعني حرف ابتداء وما بعده جملةٌ اسميَّةٌ كما في قوله حتى ماءُ دِجلة أشكَلُ، وقد يكون جملةٌ فعليَّةٌ، كما في قوله تعالى {حَتَّى عَفَوْا} [الأعراف 95] ، والتَّقدير هنا حتَّى اللُّقمة.
(الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ) أي إلى فم امرأتك صدقةٌ، وقال الحافظ العسقلانيُّ حتى اللُّقمة بالنَّصب عطفًا على نفقة،
ج 13 ص 25
ونظر فيه العينيُّ، ولم يبيِّن وجه النَّظر، فتدبَّر.
ثم وجه تعلُّق النَّفقة بقصَّة الوصيَّة أن سؤال سعدٍ يشعر بأنَّه رغب في تكثير الأجر، فلمَّا منعه الشَّارع من الزِّيادة على الثُّلث، قال له على سبيل التَّسلية إنَّ جميع ما تفعله في مالك من صدقةٍ ناجزةٍ، ومن نفقةٍ ولو كانت واجبةً تؤجر بها إذا ابتغيت بذلك وجه الله تعالى، ولعلَّه خصَّ المرأة بالذِّكر؛ لأن نفقتها مستمرَّةٌ بخلاف غيرها.
قال ابن دقيق العيد فيه أن الثَّواب في الإنفاق مشروطٌ بصحَّة النِّيَّة وابتغاء وجه الله تعالى، وهذا عسيرٌ إذا عارضه مقتضى الشُّهرة، فإنَّ ذلك لا يحصِّل الغرض من الثَّواب حتى تبتغي بها وجه الله، قال وقد يكون فيه دليلٌ على أنَّ الواجبات إذا أُدِّيت على قصد أداء الواجب ابتغاء وجه الله تعالى أثيب عليها، وإنَّ قوله (( حتَّى ما تجعل في فِي امرأتك ) )لا تخصيص له بغير الواجب، ولفظة حتَّى، هنا تقتضي المبالغة في تحصيل هذا الأجر بالنِّسبة إلى المعنى، كما يقال جاء الحاجُّ حتَّى المشاة.
(وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ) أي يطيل عمرك، وكذلك اتَّفق، فإنَّه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنةً بل قريبًا من خمسين، لأنَّه مات سنة خمسٍ وخمسين من الهجرة، وقيل سنة ثمان وخمسين وهو المشهور، فيكون عاش بعد حجَّة الوداع خمسًا وأربعين، أو ثمانيًا وأربعين.
(فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) أي ينتفع بك المسلمون بالغنائم ممَّا سيفتح الله على يديك من بلاد الشِّرك، ويضرُّ بك المشركون الذين يهلكون على يديك.
وزعم ابن التَّين أنَّ المراد بالنَّفع به ما وقع من الفتوح على يديه كالقادسيَّة وغيرها، وبالضَّرر ما وقع من تأمير ولده عمر بن سعدٍ على الجيش الذين قتلوا الحسين بن عليٍّ ومن معه رضي الله عنهم.
قال الحافظ العسقلانيُّ وهو كلامٌ مردودٌ لتكلُّفه بغير ضرورةٍ تحمله على إرادة الضَّرر الصَّادر من ولده.
وقال العينيُّ لا ينظر فيه من هذا الوجه، بل فيه معجزةٌ من معجزات النبيِّ صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بذلك قبل وقوعه، هذا، وقد وقع منه أيضًا ما هو الضَّرر المذكور بالنِّسبة إلى الكفَّار، وأقوى من ذلك ما رواه الطَّحاويُّ من طريق
ج 13 ص 26
بكير بن عبد الله بن الأشجِّ، عن أبيه، أنَّه سأل عامر بن سعدٍ عن معنى قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم هذا، فقال لمَّا أُمِّر سعد على العراق أُتِيَ بقومٍ قد ارتدُّوا فاستتابهم فتاب بعضهم وامتنع بعضهم فقتلهم، فانتفع به مَن تاب وحصل الضَّرر للآخرين.
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ ابْنَةٌ) وفي رواية الزُّهري ونحوه في رواية عائشة بنت سعدٍ أنَّ سعدًا، قال ولا ترثني إلَّا ابنة واحدة.
قال النَّوويُّ معناه لا يرثني من الولد، أو مِن خواص الورثة، أو من النِّساء، وإلَّا فقد كان لسعدٍ عصباتٌ؛ لأنَّه من بني زهرة وكانوا كثيرين. وقيل معناه لا يرثني من أصحاب الفروض، وقيل خصَّها بالذِّكر على تقدير لا يرثني ممَّن أخاف عليه الضَّياع والعجز إلَّا هي، وقيل ظنَّ أنَّها ترث جميع المال، وقيل استكثر لها نصف التَّركة، ثم هذه البنت زعم بعضهم أنَّ اسمها عائشة، فإن كان محفوظًا فهي غير عائشة بنت سعدٍ التي روت هذا الحديث عند البخاريِّ في الباب الذي يليه [خ¦2744] ، وفي الطِّبِّ [خ¦5659] ، وهي تابعيَّةٌ عمرت حتَّى أدركها مالك وروى عنها، وماتت سنة سبع عشرة ومائة.
لكن لم يذكر أحدٌ من النَّسَّابِيْن لسعدٍ بنتًا تسمَّى عائشة غير هذه، وذكروا أنَّ أكبر بناته أم الحكم الكبرى، وأمَّها بنت شهابٍ بن عبد الله بن الحارث بن زهرة، وذكروا له بناتٌ أُخر أمَّهاتهنَّ متأخِّرات الإسلام بعد الوفاة النبويَّة، فالظَّاهر أنَّ البنت المذكورة هي أمُّ الحكم المذكورة لتقدُّم تزويج سعدٍ بأمِّها، والله تعالى أعلم.
وفي هذا الحديث غير ما تقدَّم من الفوائد مشروعيَّة زيارة المريض للإمام فمن دونه، ويتأكَّد باشتداد المرض، وفيه وضعُ اليد على جبهةِ المريض، ومسح وجهه، ومسح العضو الذي يتألَّم.
وفيه دعاء الزَّائر للمريضِ بطول العمر، وفيه جواز إخبار المريض بشدَّة مرضه، وقوَّة ألمه إذا لم يقترن بذلك شيءٌ ممَّا يمنع، أو يكره من التَّبرم وعدم الرِّضا بل حيث يكون ذلك لطلب دعاءٍ أو دواءٍ فربَّما استُحبَّ، وإن ذلك لا ينافي الاتِّصاف بالصَّبر المحمود، وإذا جاز ذلك في أثناء المرض كان الإخبارُ به بعد البرء أجوز.
وفيه أنَّ أعمال البرِّ والطَّاعة إذا كان منها مَا لا يمكن
ج 13 ص 27
استدراكه قام غيره في الثَّواب والأجر مقامهُ، وربَّما زاد عليه، وذلك أنَّ سعدًا خاف أن يموت بالدَّار التي هاجر منها فيفوت عليه بعض أجر هجرتهِ، فأخبره صلى الله عليه وسلم بأنَّه إن تخلَّف عن دارِ هجرته فعمل عملًا صالحًا من حجٍّ أو جهادٍ، أو غير ذلك كان له به أجرٌ يعوِّض ما فاته من الجهة الأخرى.
وفيه إباحة جمعِ المال بشرطه؛ لأنَّ التَّنوين في قوله وأنا ذو مالٍ؛ للتَّكثير، وقد وقع في طرقه صريحًا وأنا ذو مالٍ كثيرٍ، وفيه الحثُّ على صلة الرَّحم والإحسان إلى الأقارب، وأنَّ صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد، وفيه الإنفاق في وجوه الخيرِ؛ لأنَّ المباح إذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعةً؛ وقد نبَّه على ذلك بأقل الحظوظ الدُّنيويَّة العاديَّة، وهو وضع اللُّقمة في فم الزَّوجة إذ لا يكون ذلك غالبًا إلَّا عند الملاعبةِ والممازحة، ومع ذلك فهو يؤجرُ عليه إذا قصد به قصدًا صحيحًا، فكيف بما هو فوقَ ذلك، وفيه منعُ نقل الميِّت من بلدٍ إلى بلدٍ؛ إذ لو كان ذلك مشروعًا لأَمر بنقل سعدٍ بن خولة، قاله الخطَّابيُّ.
وفيه أنَّ من لا وارث له تجوز له الوصيَّة بأكثر من الثُّلث لقوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّك إن تذر ورثتكَ أغنياء ) )فمفهومه أنَّ من لا وارث له لا يبالي بالوصيَّة بما زاد؛ لأنَّه لا يترك ورثةً يخشى عليهم الفقر، وتُعُقِّب بأنَّه ليس تعليلًا محضًا، وإنَّما فيه تنبيهٌ على الأحظ الأنفع، ولو كان تعليلًا محضًا لاقتضى جواز الوصيَّة بأكثر من الثُّلث لمن كانت ورثته أغنياء، ولنفذ ذلك عليهم بغيرِ إجازتهم ولا قائل بذلك.
وعلى تقدير أن يكون تعليلًا محضًا فهو للنَّقص عن الثُّلث لا للزِّيادة عليه، فكأنَّه لمَّا شرع الإيصاء بالثُّلث، وأنَّه لا يعترض فيه على الموصِي إلَّا أنَّ الانحطاط عنه أولى ولا سيَّما لمن يترك ورثةً غير أغنياء، فنبَّه سعدًا على ذلك.
وفيه سدُّ الذَّريعة لقوله صلى الله عليه وسلم (( ولا تردَّهم على أعقابهم ) )لئلَّا يتذرَّع أحدٌ بالمرض لأجل حبِّ الوطن، قاله ابن عبد البرِّ. وفيه تقييدُ مطلق القرآن بالسُّنة؛ لأنَّه قال سبحانه وتعالى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء 11] فأطلق، وقيَّدت السُّنة الوصيَّة بالثُّلث،
ج 13 ص 28
وفيه أنَّ من ترك شيئًا لله لا ينبغي له الرُّجوع فيه ولا في شيءٍ منه مختارًا.
وفيه التَّأسُّف على فوت ما يحصل الثَّواب، وفيه تسلية من فاته أمرٌ من الأمور بتحصيل ما هو أعلى منه لما أشار إليه صلى الله عليه وسلم لسعدٍ من عمله الصَّالح بعد ذلك، وفيه جواز التصدُّق بجميع المال لمن عُرف بالصَّبر ولم يكن له من تلزمه نفقتهُ، وقد تقدَّمت المسألة في كتاب (( الزَّكاة ) ) [خ¦1425، وما قبله] .
وفيه الاستفسار عن المحتمل إذا احتمل وجوهًا؛ لأنَّ سعدًا لمَّا منع من الوصيَّة بجميع المال احتمل عنده المنع فيما دونهُ والجواز فاستفسر عمَّا دون ذلك، وفيه النَّظر في مصالح الورثة، وأنَّ خطاب الشَّارع للواحد يعمُّ من كان بصفته من المكلَّفين لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعدٍ هذا، وإن كان الخطاب إنَّما وقع له بصيغةِ الإفراد، ولقد أبعد مَن قال إنَّ ذلك مختصٌّ بسعدٍ، ومن كان في مثل حاله ممَّن يخلف وارثًا ضعيفًا، أو كان ما يخلفه قليلًا؛ لأنَّ البنت من شأنها أن يطمع فيها، وإذا كانت بغير مالٍ لم يرغب فيها.
وفيه أنَّ من ترك مالًا قليلًا فالمختار له ترك الوصيَّة وإبقاء المالِ للورثة، وقد تقدَّم اختلاف السَّلف في ذلك القليل في أوَّل الوصايا [خ¦2738 قبل] ، واستدلَّ التَّيميُّ بهذا الحديث لفضل الغني على الفقير، وفيه نظرٌ، وفيه مراعاة العدل بين الورثةِ ومراعاة العدل في الوصيَّة، وفيه أنَّ الثُّلث في حدِّ الكثرة.
وقد اعتبره بعضُ الفقهاء في غير الوصيَّة، ويحتاج الاحتجاجُ به إلى ثبوت طلب الكثرة في الحكم المعيَّن. واستدلَّ بقوله (( ولا يرثني إلَّا ابنة لي ) )، من قال بالرَّدِّ على ذوي الأرحام للحصر في قوله (( لا يرثني إلَّا ابنة لي ) )، وتعقِّب بأنَّ المراد من ذوي الفروض كما تقدَّم، ومَن قال بالرَّدِّ لا يقول بظاهره؛ لأنَّهم يعطونها فرضها ثم يردُّون عليها الباقي، وظاهر الحديث أنَّها ترث الجميع ابتداءً.
وفيه أنَّ البنت الواحدة ليس لها إلَّا النِّصف، والباقي يكون بالرَّدِّ بنصٍّ آخر، وهو قوله تعالى {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال 75] يعني بعضهم أولى بالميراث بسبب الرَّحم، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ،
ج 13 ص 29
والحديث قد مضى في كتابِ الجنائز، في باب رثاء النَّبي صلى الله عليه وسلم [خ¦1295] .
[1] في هامش الأصل البائس اسم من بئس يبأس بؤسًا وبأسًا إذا خضع وافتقر واشتدت حاجته. منه.