2771 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابنُ مسرهدٍ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابنُ سعيد (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المثناة الفوقية وتشديد التحتية وفي آخره حاء مهملة، واسمه يزيد بن حميدٍ الضُّبَعِي (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) ورجال الإسناد كلُّهم بصريُّون (قَالَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا، قَالُوا لاَ وَاللَّهِ، لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ) أي لا نطلب ثمنه من أحدٍ لكنَّه مصروفٌ إلى الله، فالاستثناءُ منقطعٌ أو التقدير لا نطلب مصروفًا إلَّا إلى الله، أو منتهيًا إلى الله فالاستثناءُ متَّصلٌ، وإلَّا فالطلب يستعمل بمن لا بإلى، فافهم.
وقد تقدَّم هذا الحديث بهذا الإسناد مطوَّلًا في أبواب المساجد،
ج 13 ص 117
من أوائل كتاب الصلاة، في باب نبش قبور مشركي الجاهلية [خ¦428] ، والغرضُ منه هنا ما اقتصر عليه من قولهم (( لا نطلب ثمنه إلَّا إلى الله ) )، فإنَّ ظاهره أنَّهم تصدَّقوا بحائطهم لله عزَّ وجلَّ، فقبل النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك منهم، وهذا وقف المشاع من جماعة.
وأمَّا ما ذكره الواقديُّ أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه دفع ثمن الأرض لمالكها منهم وقدَّره عشرة دنانير فصار ملكًا لأبي بكرٍ، وتصدَّق به أبو بكرٍ رضي الله عنه فلا يكون وقف مشاعٍ، فإن ثبت ذلك كانت الحجَّة للترجمة من جهة تقرير النَّبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم ينكر قولهم ذلك، ولو كان وقف المشاع لا يجوز لأنكر عليهم وبيَّن لهم الحكم، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ معنى قوله صلى الله عليه وسلم (( ثامنوني بحائطكم ) )، قرِّروا ثمنه معي وبيعونيه بالثَّمن، فهذا يكون بيعًا عند دفع الثَّمن، وقد دفعه أبو بكر رضي الله عنه فصار بينه وبينهم بيعٌ بالثَّمن الذي دفعه إليهم، ثمَّ إنَّ الظاهر أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه هو الَّذي تصدَّق به إلى الله تعالى، وليس فيه صورةُ وقف مشاع، فليُتأمَّل.
واستُدِلَّ بهذه القصَّة على أنَّ حكم المسجد يثبت للبناء إذا رفع بصورة المسجد ولو لم يصرِّح الباني بذلك، وعن بعض المالكية إن أُذِّن فيه ثبت له حكم المسجد، وعن الحنفيَّة إن أُذِّن للجماعة بالصلاة فيه ثبت، والمسألة مشهورةٌ ولا يثبت عند الأكثر إلَّا إذا صرَّح الباني بالوقفيَّة، أو ذَكَرَ صيغةً محتملة ونوى معها. وجزمَ بعض الشافعيَّة بمثل ما نقل عن الحنفيَّة لكن في الموات خاصة.
قال الحافظ العسقلانيُّ والحقُّ أنَّه ليس في الحديث ما يدلُّ لإثبات ذلك ولا نفيه، والله تعالى أعلم.