2772 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة (ابْنُ زُرَيْعٍ) مصغَّر زرع، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله، كذا وقع هنا، وقد أخرجه أبو داود عن مسدَّد، عن يزيد بن زريع وبشر بن المفضل ويحيى القطَّان ثلاثتهم، عن عبد الله بن عون.
وقد زعم ابن عبد البرِّ أنَّ ابن عونٍ تفرَّد به عن نافع، وليس كما قال، فقد أخرجه البخاريُّ من رواية صخر بن جويرية، عن نافع، كما تقدم قبل أبواب [خ¦2764] ، وأخرجه مختصرًا وأحمد والدَّارقطني مطوَّلًا من رواية أيُّوب.
وأخرجه الطحاويُّ من رواية يحيى بن سعيدٍ الأنصاري، والنسائي من رواية عبيد الله بن عمر الأكبر، وأحمد والدَّارقطني من رواية عبد الله بن عمر الأصغر المكبَّر كلُّهم عن نافع.
وسيجيءُ ما في رواياتهم من الفوائد إن شاء الله تعالى.
(عَنْ نَافِعٍ) وفي رواية الأنصاريِّ عن ابن عون الماضية في آخر الشُّروط [خ¦2737] (( أنبأني نافع ) )، والإنباء بمعنى الإخبار عند المتقدِّمين جزمًا.
وقد وقع عند الطحاويِّ من وجهٍ آخر، عن ابن عَون أخبرني نافع، والأنصاريُّ المذكور أحدُ شيوخ البخاريِّ أخرج عنه عدَّة أحاديث بغير واسطةٍ.
منها حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه في وصيَّة الزكاة [خ¦1450] ، وأخرج عنه في مواضع بواسطة [خ¦1010] [خ¦3234] [خ¦3280] ، وكان الأنصاريُّ قاضي البصرة، وقد تمذهبَ للكوفيين في الأوقاف، فصنَّف في الكلام على هذا الحديث جزءًا مفردًا نقله الحافظ العسقلانيُّ.
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ أَصَابَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) كذا لأكثر الرُّواة عن نافع، ثمَّ عن ابن عونٍ؛ جعلوه من مسند ابن عمر رضي الله عنهما، لكنْ أخرجه مسلم والنَّسائي من رواية سفيان الثوري، والنسائيُّ من رواية أبي إسحاق الفَزَاري كلاهما، عن عبد الله بن عون، والنسائيُّ من رواية سعيد بن سالم، عن عُبيد الله بن عمر كلاهما، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ جعلوه من مسند عمر رضي الله عنه، والمشهور هو الأوَّل.
(بِخَيْبَرَ أَرْضًا) قد تقدم في رواية صخر بن جويرية أنَّ اسمَها ثَمْغٌ. وكذا لأحمد من رواية أيُّوب (( أنَّ عمر رضي الله عنه أصاب أرضًا من يهود بني حارثة يقال
ج 13 ص 119
لها ثَمْغ )) ، ونحوه في رواية سعيد بن سالم المذكورة، وكذا للدارقطنيِّ من طريق الداوديِّ.
وللطحاوي من رواية يحيى بن سعيد، وروى عمر بن شبة بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (( أنَّ عمر رضي الله عنه رأى في المنام ثلاث ليالٍ أن يتصدَّق بثَمْغٍ ) ). وللنَّسائيِّ من رواية سفيان، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (( جاء عمر رضي الله عنه فقال يا رسول الله، إني أصَبْتُ مالًا لم أصب مثله قط، كان لي مائة رأس فاشتريت بها مائة سهمٍ من خيبر من أهلها ) )، فيحتمل أن يكون ثمغ من جملة أراضي خيبر، وأنَّ مقدارها كان مقدار مائة سهمٍ من السِّهام التي قسمها النَّبي صلى الله عليه وسلم بين من شهد خيبر، وهذه المائة سهم غير المائة سهم التي كانت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بخيبر التي حصَّلها من حربه من الغنيمة وغيره.
وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك في صفة كتاب وقف عمر رضي الله عنه عند أبي داود وغيره، وذكر عمر بن شبَّه بإسنادٍ ضعيفٍ عن محمد بن كعب، أنَّ قصَّة عمر رضي الله عنه هذه كانت في سنة سبعٍ من الهجرة، والله تعالى أعلم.
(فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَصَبْتُ أَرْضًا، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ) أي أجود، والنَّفيس الجيِّد المغتبط به، يقال نَفُس، بفتح النون وضم الفاء نفاسة، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ، والمعروف بكسر الفاء مع أنه تقدَّم للمصنف قبل باب ما يجوز من شروط المكاتب في قصَّة بريرة رضي الله عنها [خ¦2560] ونفست فيها أنه بكسر الفاء.
وقال الداوديُّ سمِّي نفيسًا لأنَّه أخذ بالنَّفس، وفي رواية صخر بن جويرية [خ¦2764] (( إنِّي استفدت مالًا وهو عندي نفيسٌ فأردت أن أتصدَّق به ) ).
وقد تقدَّم في مرسل أبي بكر بن حزم أنَّه رأى في المنام الأمر بذلك، ووقع في روايةٍ للدارقطنيِّ إسنادها ضعيف (( أنَّ عمر رضي الله عنه قال يا رسول الله، إنِّي نذرت أن أتصدَّق بمالي ) ). ولم يثبت هذا، وإنَّما كانت صدقة تطوُّع، كما سيأتي من حكاية لفظ كتاب الوقف المذكور إن شاء الله تعالى.
(فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ) وفي رواية يحيى بن سعيد
ج 13 ص 120
أنَّ عمر رضي الله عنه استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يتصدَّق (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا) أي بمنافعها، ويُبَيِّنُ ذلك في رواية عبيد الله بن عمر (( إحبس أصلها وسَبِّل ثمرتها ) )، وفي رواية يحيى بن سعيد (( تصدَّق بثمره وحَبِّس أصله ) ) (فَتَصَدَّقَ عُمَرُ) وفي نسخة (أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ) وفي رواية مسلم من هذا الوجه .
زاد الدارقطنيُّ من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع (( حبيس ما دامت السَّماوات والأرض ) ). كذا لأكثر الرواة عن نافع، ولم يختلف فيه عن ابن عون إلَّا ما وقع عند الطحاويِّ من طريق سعيد الجحدري، عن ابن عون فذكره بلفظ صخر بن جويرية الآتي، والجحدريُّ إنَّما رواه عن صخر لا عن ابن عون.
قال السبكيُّ اعتبطت بما وقع في رواية يحيى بن سعيد، عن نافع عند البيهقيِّ (( تصدَّق بثمره وحبَّس أصله لا يباع ولا يورث ) )، وهذا ظاهره أنَّ الشَّرط من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ بخلاف بقيَّة الرِّوايات، فإنَّ الشَّرط فيها ظاهره أنَّه من كلام عمر رضي الله عنه.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وقد تقدَّم قبل خمسة أبواب من طريق صخر بن جويرية، عن نافعٍ بلفظ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم [خ¦2764] (( تصدَّق بأصله، لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث ولكن يُنْفَقُ ثَمَرُه ) )، وهي أتمُّ الروايات وأصرحها في المقصود فعزوها إلى البخاريِّ أولى.
وقد علَّقه البخاريُّ في المزارعة [خ¦2334 قبل] بلفظ قال النَّبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه (( تصدَّقْ بأصله لا يُباع ولا يُوهب ولكن ينفق ثمره ) )فتصدَّقَ به، وقوله تصدَّق، صيغة أمر، وقوله فتصدقَ، بصيغة الماضي.
(فِي الْفُقَرَاءِ) والفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعًا من حاجته من الفقار كأنَّه أصيب فَقَاره.
وأمَّا المسكين فهو من له مالٌ أو كسبٌ لا يكفيه من السكون كأنَّ العجز أسكنه، ويدلُّ عليه قوله تعالى {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الكهف 79] ، وأنَّه صلى الله عليه وسلم يسأل المسكنة ويتعوَّذ من الفقر، وقيل بالعكس
ج 13 ص 121
لقوله تعالى {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد 16] .
(وَالْقُرْبَى) أي وذوي القربى، يحتمل أن يكون هم في من ذكر في الخمس، وهم بنو هاشم وبنو عبد المطَّلب، وقيل بنو هاشم وحدهم، وقيل جميع قريش، والغنيُّ والفقير فيه سواء، وقيل مخصوصٌ بفقرائهم، ويحتمل أن يراد بهم قربى الواقف، وبهذا جزم القرطبي.
(وَالرِّقَابِ) أي وفي فكِّ الرِّقاب بأن يعاون المكاتب بشيءٍ منها على أداء النُّجُوم، وقيل بأن يبتاعَ الرِّقاب فتعتق، وبه قال مالك وأحمد، أو بأن يفدي الأسارى.
(وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي وفي الصَّرف في سبيل الله بالإنفاق على المتطوِّعة من المجاهدين وابتياع الكراع والسِّلاح، وقيل وفي بناء القناطرِ والمصانعِ (وَالضَّيْفِ) وهو من نزل بقومٍ يريد القرى، وقد تقدَّم القول فيه في (( الهبة ) ) [خ¦2280] .
(وَابْنِ السَّبِيلِ) وهو المسافرُ المنقطع عن ماله (لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ) قد تقدَّم البحث فيه قبل أبواب [خ¦2764] ، قال القرطبيُّ جرت العادة بأنَّ العامل يأكلُ من ثمرة الوقف، حتَّى لو اشترط الواقف أنَّ العامل لا يأكل منه لاستقبح ذلك منه، والمراد بالمعروف القدر الَّذي جرت به العادة، وقيل القدر الذي يدفع الشَّهوة، وقيل المراد أن يأخذَ منه بقدر عمله، والأوَّل أولى.
(أَوْ يُطْعِمَ صَدِيْقًا) وفي رواية صخر (( أو يؤكل ) )بضم الياء، وهي بمعنى يطعم (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ) ويروى ، ويروى بدون به، وفيه، والمعنى غير متَّخذٍ منها مالًا؛ أي ملكًا، والمراد أنَّه لا يتملَّك شيئًا من رقابها.
وزاد الأنصاريُّ وسليم قال فحدَّثت به ابن سيرين فقال (( غير متأثِّلٍ مالًا ) )، والقائل فحدَّثت به، هو ابن عون راويه عن نافع. بيَّن ذلك الدارقطنيُّ من طريق أبي أسامة، عن ابن عون قال ذكرت حديث نافع لابن سيرين فذكره، زاد سليم قال ابن عون وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أنَّ فيه (( غير متأثِّلٍ مالًا ) ).
وفي رواية الترمذيِّ من طريق ابن عُلَيَّة، عن ابن عون (( حدَّثني رجلٌ أنَّه قرأها في قطعة أديمٍ أحمر ) ). قال ابن عليَّة وأنا قرأتها عند ابن عبيد الله بن عمر
ج 13 ص 122
كذلك، وقد أخرج أبو داود صفة كتاب وقف عمر رضي الله عنه من طريق يحيى بن سعيدٍ الأنصاري قال نسخها لي عبد الله بن عبد الحميد بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، فذكره وفيه (( غير متأثٍّل مالًا ) ).
والمتأثل بمثنَّاة ثم مثلثة مشددة بينهما همزة، هو المتِّخذ مالًا، والتأثُّل اتِّخاذ أصل المال حتَّى كأنَّه عنده قديم، وأَثَلَةُ كلِّ شيءٍ، بالحركات أصله، ومنه أثلة الأسنان لمنبتها، قال الشاعر
~ولَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ وقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثَالِي
واشتراط نفي التَّأثُّل يقوي ما ذهب إليه من قال إنَّ المراد من قوله يأكل بالمعروف حقيقة الأكل لا الأخذ من مالِ الوقف بقدر العمالة، قاله القرطبيُّ، وزاد أحمد من طريق حمَّاد بن زيد عن أيوب، فذكر الحديث.
قال حمَّاد وزعم عَمرو بن دينار أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يُهْدي إلى عبد الله بن صفوان من صدقة عمر رضي الله عنه، وكذا رواه عمر بن شبَّه من طريق حمَّاد بن زيد، عن عمر.
وزاد عمر بن شبَّه عن يزيد بن هارون، عن ابن عون في آخر هذا الحديث (( وأوصى بها عمر رضي الله عنه إلى حفصة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها ثمَّ إلى الأكابر من آل عمر ) )ونحوه في رواية عُبيد الله بن عمر عند الدارقطنيِّ، وفي رواية أيُّوب عن نافع عند أحمد يليه ذو الرأي من آل عمر، فكأنَّه كان أوَّلًا شرط أنَّ النظر فيه لذوي الرأي من أهله، ثمَّ عيَّن عند وصيَّته لحفصة، وقد بيَّن ذلك عمر بن شبَّه، عن أبي غسان المدني قال هذه نسخة صدقة عمر رضي الله عنه أخذتها من كتابه الذي عند ابن عمر رضي الله عنهما فنسختها حرفًا حرفًا، هذا ما كتب عبد الله بن عمر أمير المؤمنين في ثَمْغ أنَّه إلى حفصة ما عاشت تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوي الرَّأي من أهلها، فذكر الشَّرط كله نحو الذي تقدَّم في الحديث المرفوع، ثمَّ قال والمائة وسق الذي أطعمني النَّبي صلى الله عليه وسلم فإنَّها مع ثَمْغ على سننه الذي أمرتُ به، وإن شاء وليُّ ثَمْغٍ أن يشتري من ثمره رقيقًا يعملون فيه فَعَل، وكَتَبَ مُعَيقيبٌ، وشَهِدَ عبدُ الله بن الأرقم.
وكذا أخرج أبو داود
ج 13 ص 123
في روايته نحو هذا وذكرا جميعًا كتابًا آخر نحو هذا الحديث وفيه من الزِّيادة وصرمة بن الأكوع والعبدُ الَّذي فيه صدقة كذلك.
وهذا يقتضي أنَّ عمر رضي الله عنه إنَّما كتب كتاب وقفه في خلافته؛ لأنَّ معيقيبًا كان يكتبُ له في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنَّه أمير المؤمنين، وكان قد وقفه في أيَّام النَّبي صلى الله عليه وسلم على ما يشهد له حديث الباب، فيحتمل أن يكون وقفه في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم باللَّفظ، وتولَّى هو النَّظر عليه إلى أن حَضَرَتْه الوصيَّة فكتب حينئذٍ الكتاب.
ويحتمل أن يكون أخَّر وقفيَّته ولم يقع منه قبل ذلك إلَّا استشارته في كيفيَّته.
وقد روى الطحاويُّ وابن عبد البرِّ من طريق مالك، عن ابن شهاب قال قال عمر رضي الله عنه (( لولا أنِّي ذكرت صدقتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لرددتها ) )، فهذا يشعر بالاحتمال الثاني، وأنَّه لم ينجِّز الوقف إلَّا عند وصيَّته.
واستدلَّ الطحاويُّ بقول عمر رضي الله عنه هذا لأبي حنيفة وزفر في أنَّ إيقاف الأرض لا يمنعُ من الرُّجوع فيها، وأنَّ الذي منع عمر رضي الله عنه من الرجوع كونه ذكره للنَّبي صلى الله عليه وسلم فكره أن يفارقه على أمرٍ ثمَّ يخالفه إلى غيره.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ولا حجَّة فيما ذكره من وجهين
أحدهما أنَّه منقطِعٌ؛ لأنَّ ابن شهاب لم يدرك عمر رضي الله عنه.
ثانيهما أنَّه يحتمل أن يكون عمر رضي الله عنه كان يرى صحَّة الوقف ولزومه، إلَّا أن يشترط الواقف الرجوع فله أن يرجعَ.
وأجاب عنه العينيُّ بأنَّ المنقطع في رواية مثل الزهريِّ لا يضر؛ لأنَّ الانقطاع إنَّما يمنع لنقصان في الراوي بفوات شرطٍ من شرائطه المذكورة في موضعها، والزهريُّ إمامٌ جليلٌ القدر لا يتَّهم في روايته، وقد روى عنه مثل الإمام مالك في هذه، ولولا اعتماده عليه لما رواه عنه، وبأنَّ الاحتمال الناشئ من غير دليلٍ لا يعمل به ولا يلتفت إليه.
هذا، وحديث عمر رضي الله عنه هذا أصلٌ في مشروعيَّة الوقف، قال أحمد
ج 13 ص 124
حدَّثنا حَمَّاد هو ابنُ خالد ثنا عبد الله هو العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنهم قال (( أوَّل صدقةٍ كانت؛ أي موقوفةً في الإسلام، صدقة عمر ) )، وروى عمر بن شبَّه، عن عَمرو بن سعد بن معاذ قال سألنا عن أوَّل حبسٍ في الإسلام، فقال المهاجرون صدقة عمر، وقال الأنصار صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي إسناده الواقديُّ.
وفي «مغازي الواقدي» إنَّ أوَّلَ صدقةٍ موقوفةٍ كانت في الإسلام أراضي مخيريق، بالمعجمة مصغرًا؛ التي أوصى بها إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فوقفها النَّبي صلى الله عليه وسلم.
قال الترمذيُّ لا نعلم بين الصَّحابة والمتقدِّمين من أهل العلم خلافًا في جواز وقف الأرضين، وجاء عن شريح أنَّه أنكر الحبس، ومنهم من تأوَّله، وقال أبو حنيفة لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه إلَّا زفر وابن الهذيل.
فحكى الطحاويُّ عن عيسى بن أبان قال كان أبو يوسف يجيز بيع الوقف فبلغه حديث عمر رضي الله عنه هذا فقال من سمع هذا من ابن عون؟ فحدَّثه به ابن عُليَّة، فقال هذا لا يسع أحدًا خلافه ولو بلغ أبا حنيفة لقال به، فرجع عن بيع الوقف حتَّى صار كأنَّه لا خلاف فيه بين أحد. انتهى.
قال الحافظ العسقلانيُّ ومع حكاية الطحاويِّ هذا فقد انتصر كعادته، فقال قوله في قصَّة عمر حبَّس الأصل وسبَّل الثَّمرة، لا يستلزم التَّأبيد، بل يحتمل أن يكون أراد مدَّة اختياره لذلك. انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا التَّأويل ولا يفهم من قوله وقفت وحبست إلَّا التأبيد حتى يصرِّح بالشرط عند من يذهب إليه، وكأنَّه لم يقف على الرواية الَّتي فيها (( حبيس ما دامت السَّماوات والأرض ) ). قال القرطبيُّ ردُّ الوقف مخالفٌ للإجماع فلا يلتفت إليه، وأحسن ما يُعتذر منه عمَّن ردَّه ما قال أبو يوسف فإنَّه أعلم بأبي حنيفة من غيره.
وأشار الشافعيُّ إلى أنَّ الوقف من خصائص أهل الإسلام؛ أي وقف الأراضي والعقار، قال ولا نعرف أنَّ ذلك وَقَعَ في الجاهليَّة، وحقيقة الوقف شرعًا ورود صيغةٍ تَقْطَعُ تصرُّف الواقف في رقبة الموقوف الذي يدوم الانتفاع به وتثبت صرف منفعتهِ
ج 13 ص 125
في جهة خير.
وفي حديث الباب من الفوائد جواز ذكر الولد أباه باسمه المجرَّد من غير كنيةٍ ولا لقب. وفيه جواز إسناد الوصيَّة والنَّظر على الوقف للمرأة. وفيه إسناد النَّظر إلى من لم يسمَّ إذا وصف بصفة معينة تميِّزه. وفيه أنَّ الواقف يلي النَّظر على وقفه إذا لم يسنده لغيره، قال الشافعيُّ لم يزل العدد الكثير من الصَّحابة فمَنْ بَعْدَهم يلون أوقافهم لا يختلفون فيه. وفيه استشارة أهل العلم والدين والفضل في طريق الخير سواءٌ كانت دينيَّة أو دنيويَّة، وأنَّ المشير يشيرُ بأحسن ما يظهر له في جميع الأمور. وفيه فضيلةٌ ظاهرة لعمر رضي الله عنه لرغبته في امتثال قوله تعالى {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران 92] .
وفيه فضل الصَّدقة الجارية، وصحَّة شروط الواقف واتِّباعه فيها، وأنَّه لا يشترط تعيين المصرف لفظًا. وفيه أنَّ الوقف لا يكون إلَّا فيما له أصل يدوم الانتفاع به فلا يصحُّ وقف ما لا يدوم الانتفاع به؛ كالطَّعام. وفيه أنَّه لا يكفي في الوقف لفظ الصَّدقة، سواء قال تصدَّقت بكذا أو جعلته صدقة، حتَّى يضيف إليها شيئًا آخر لتردُّد الصَّدقة بين أن تكون تمليك الرَّقبة أو وقف المنفعة، فإذا أضاف إليها ما يميِّز أحد المحتملين صحَّ بخلاف ما لو قال وقفت أو حبست فإنَّه صريحٌ في ذلك على الرَّاجح، وقيل الصَّريح الوقف خاصة، وفيه نظرٌ كثبوت التَّحبيس في قصَّة عمر رضي الله عنه هذه، نعم، لو قال تصدَّقت بكذا على كذا وذكر جهةً عامةً صحَّ.
وتمسَّك من أجاز الاكتفاء بقوله تصدَّقت بكذا، بما وَقَعَ في حديث الباب من قوله فتصدَّق بها عمر رضي الله عنه، ولا حجَّة في ذلك لما تقدَّم من أنَّه أضاف إليها (( لا تباع ولا توهب ) ). ويحتمل أيضًا أن يكون قوله فتصدَّق بها عمر، راجعًا إلى الثَّمرة على حذف مضاف؛ أي فتصدَّق بثمرتها فليس فيه متعلَّقٌ لمن أثبت الوقف
ج 13 ص 126
بلفظ الصَّدقة مجرَّدًا وبهذا الاحتمال الثاني جزمَ القرطبي.
وفيه جواز الوقف على الأغنياء؛ لأنَّ ذوي القربى والضيف لم يقيَّدا بالحاجة وهو الأصحُّ عند الشافعيَّة. وفيه أنَّ للواقف أن يشترطَ لنفسه جزءًا من ريع الموقوف؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه شرطَ لمن ولي وقفه أن يأكلَ منه بالمعروف، ولم يستثن إن كان هو النَّاظر أو غيره، فدلَّ على صحَّة الشَّرط، وإذا جاز في المبهم الذي لم يعيِّنه كان فيما يعيِّنه هو أجوز.
ويستنبط منه صحَّة الوقف على النَّفس، وهو قولُ ابن أبي ليلى وأبي يوسف وأحمد في الأرجح عنه، وقال به من المالكيَّة ابن شعبان، وجمهورهم على المنع إلَّا إذا استثنى لنفسه شيئًا يسيرًا بحيث لا يُتَّهَمُ أنَّه قَصَدَ حِرمان ورثته، ومن الشافعيَّة ابن سُريج وطائفة، وصنَّف فيه محمد بن عبد الله الأنصاريُّ شيخ البخاري جزءًا ضخمًا، واستدلَّ له بقصَّة عمر هذه، وبقصَّة راكب البدنة، وبحديث أنسٍ رضي الله عنه (( في أنَّه صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها ) )، ووجه الاستدلال به أنَّه أخرجها عن ملكه بالعتق وردَّها إليه بالشرط، وسيأتي البحث فيه في (( النكاح ) ) [خ¦508] إن شاء الله تعالى، وبقصَّة عثمان الآتية بعد أبواب [خ¦2778] .
واحتجَّ المانعون بقوله في حديث الباب (( سبَّل الثمرة ) )وتسبيل الثَّمرة تمليكها للغير، والإنسان لا يتمكَّن من تمليك نفسه لنفسه.
وتُعُقِّبَ بأنَّ امتناع ذلك إنَّما هو لعدم الفائدة، والفائدةُ في الوقف حاصلةٌ؛ لأنَّ استحقاقه إيَّاه مِلْكًا غيرَ استحقاقه إيّاه وَقْفًا ولا سيَّما إذا ذكر له مالًا آخر فإنَّه حكمٌ آخر يستفاد من ذلك الوقف.
واحتجُّوا أيضًا بأنَّ الذي يدلُّ عليه حديث الباب أنَّ عمر رضي الله عنه اشترط لِنَاظِرِ وَقْفِهِ أن يأكلَ منه بقدْر عُمَالته، ولذلك منعَه أن يتَّخذ لنفسه مالًا، فلو كان يؤخذُ منه صحَّة الوقف على النَّفس لم يمنعْه من الاتخاذ، فكأنَّه اشترط لنفسه أمرًا لو سكت عنه لكان يستحقُّه لقيامه.
ج 13 ص 127
وهذا على أرجحِ قولي العلماء أنَّ الواقف إذا لم يشترط للنَّاظر قدر عمله جازَ له أن يأخذَ بقدر عمله، ولو اشترط الواقف لنفسه النَّظر واشترط أجرةَ، ففي صحَّة هذا الشَّرط عند الشافعيَّة خلاف كالهاشميِّ إذا عمل في الزكاة هل يأخذ من سهم العاملين، والرَّاجح الجواز، ويؤيِّده حديث عثمان الآتي بعده.
واستدلَّ به على جوازِ الوقف على الوارث في مرض الموت، فإن زاد على الثُّلُث رُدَّ، وإن خرج منه لَزِمَ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه جعل النَّظر بعده لحفصة وهي ممَّن يرثه، وجعلَ لمن وَلِيَ وَقْفَه أن يأكلَ منه.
وتُعُقِّب بأنَّ وقف عمر رضي الله عنه صدر منه في حياةَ النَّبي صلى الله عليه وسلم، والَّذي أوصى به إنَّما هو شرط النَّظر، واستدلَّ به أيضًا على أنَّ الواقف إذا شرط للنَّاظر شيئًا أخذه، وإن لم يشترِطْه له لم يجز، إلَّا إن دخل في صفة أهلِ الوقف كالفقراء، فإن كان على معيَّنين ورضوا بذلك جاز.
واستدلَّ به أيضًا على أن تعليقَ الوَقْفِ لا يصحُّ؛ لأنَّ قوله حبس الأصل يناقضُ تأقيته، واستدلَّ بقوله لا يُباع، على أنَّ الوقف لا يُنَاقَلُ به. وعن أبي يوسف إنْ شَرَطَ الواقفُ أنَّه إذا تعطَّلت منافِعُه بِيْعَ وصُرِفَ ثمنُه في غيره، يُباع ويُوقَفُ على ما سُمِّي في الأول، وكذا إن شَرطَ البيعَ إذا رأى الحظَّ في نَقْله إلى مَوْضعٍ آخر، واستُدِلَّ به على وَقْفِ المشاع؛ لأنَّ المائة سهمٍ التي كانت لعمر رضي الله عنه بخيبرَ لم تكن منقسمةً، وفيه أنَّه لا سراية في الأرض الموقوفة؛ بخلاف العتق، ولم ينقل أنَّ الوقف سرى من حصة عمر رضي الله عنه إلى غيرها من الأراضي، وحكى بعض المتأخِّرين عن بعض الشافعيَّة أنَّه حكم فيه بالسِّراية وهو شاذٌّ منكرٌ، واستدلَّ به على أنَّ خيبر فُتِحت عنوةً، وسيأتي البحث فيه في كتاب (( المغازي ) ) [خ¦4195 قبل] إن شاء الله تعالى.