فهرس الكتاب

الصفحة 4350 من 11127

2778 - (وَقَالَ عَبْدَانُ) بفتح المهملة، واسمه عبد الله، وعبدان لقبه ابن عثمان بن جبلة، بالجيم والموحدة، المروزي (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) أي عثمان بن جبلة (عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السُّلَمي، بضم السين وفتح اللام، الكوفي القارئ، مقرئ الكوفة، واسمه عبد الله بن حبيب، مات سنة خمس ومائة، ولأبيه صحبة (أَنَّ عُثْمَانَ) أي ابن عفان رضي الله عنه (حِيْنَ حُوصِرَ، أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ) أي نظر عليهم من فوق، كذا في رواية الكُشْمِيْهنيِّ، وفي رواية غيره ؛ أي لمَّا حاصره المصريُّون الَّذين أنكروا عليه تولية عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقصَّته مشهورةٌ، وقد وقع في رواية النسائيِّ من طريق زيد بن أبي أنيسة قال (( لمَّا حصر عثمان في داره واجتمع النَّاس قام فأشرف عليهم ) )، الحديث.

(وَقَالَ أَنْشُدُكُمْ اللهُ) وفي رواية الأحنف عند النسائيِّ (( أَنْشدكم بالله الَّذي لا إله إلَّا هو ) )، وزاد الترمذيُّ والنَّسائيُّ من رواية ثمامة بن حزن، عن عثمان رضي الله عنه (( أنشدكم الله والإسلام ) )يقال نشدتُ فلانًا أنشدُه، إذا قلت له نشدتك الله؛ أي سألتك بالله كأنَّك ذكَّرته إيَّاه (وَلاَ أَنْشُدُ إِلاَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ فَحَفَرْتُهَا) قال ابن بطَّال هذا وهمٌ من بعض رُواته،

ج 13 ص 134

والمعروف أنَّ عثمان اشتراها لا أنَّه حفرها.

وقال الحافظ العسقلانيُّ هو المشهور في الروايات، فقد أخرجه الترمذيُّ من رواية زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق فقال فيه (( هل تعلمون أنَّ رُومة لم يكن يُشْرَبُ من مائها إلَّا بثمنٍ ) ). لكن لا يتعيَّن الوهم، فقد روى البغويُّ في «معجم الصحابة» من طريق بشر بن بشير الأسلمي، عن أبيه قال (( لمَّا قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء وكانت لرجلٍ من بني غفار عينٌ يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمدٍّ، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم تبيعنيها بعينٍ في الجنَّة؟ فقال يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثمَّ أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال أتجعل لي ما جعلته له؟ قال نعم قال قد جعلتُها للمسلمين ) ). انتهى.

وإذا كانت أوَّلًا عينًا فلا مانع أن يحفرَ فيها عثمان بئرًا، ويحتمل أنَّ العين المذكورة كانت تجري إلى بئر فوسَّعها عثمان أو طواها فنسب حفرها إليه.

وقال الكِرمانيُّ رُوْمة، بضم الراء وسكون الواو، كانت رَكِيَّةً ليهوديٍّ يبيع المسلمين ماءها، فاشتراها منه عثمان رضي الله عنه بعشرين ألف درهمٍ، والله تعالى أعلم.

(فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَحَفَرْتُهَا، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ) التَّجهيز تهيئةُ جهاز السَّفر، وجيش العُسْرة هو جيش تبوك جهَّزه عثمان رضي الله عنه في تلك الغزوة بتسعمائة وخمسين بعيرًا، وأتمَّ الألف بخمسين فرسًا.

وفي رواية أحمد من حديث عبد الرحمن بن سمرة أنَّه جاء بألف دينارٍ في ثوبه فصبَّها في حجر النَّبي صلى الله عليه وسلم حين جهَّز جيش العُسْرة فقال (( ما على عثمان ما عمل بعد اليوم ) ).

(فَلَهُ الْجَنَّةُ فَجَهَّزْتُهُمْ، قَالَ) أبو عبد الرحمن السلميُّ (فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ) أي بالَّذي قال عثمان رضي الله عنه، وفي رواية صعصعة بن معاوية التميمي، قال أرسل عثمان رضي الله عنه وهو محصورٌ إلى عليٍّ وطلحة والزبير وغيرهم، فقال احْضُروا غدًا، فأشرف عليهم، فذكر الحديث بطوله، أخرجه سيف في «الفتوح» .

وفي رواية النسائيِّ من طريق الأحنف

ج 13 ص 135

بن قيس أنَّ الذين صدَّقوه بذلك هم عليُّ بن أبي طالب وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنهم.

وزاد الترمذيُّ في رواية زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق هل تعلمون أنَّ حراء حين انتفضَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اثبت حِراءُ؛ فليس عليك إلَّا نبيٌّ أو صدِّيقٌ أو شهيدٌ ) )قالوا نعم. وفي رواية زيدٍ أيضًا (( ذكر رُومة لم يكن يشرب منها إلَّا بثمنٍ فابتعتها، فجعلتها للفقير والغنيِّ وابن السبيل ) ).

وزاد النسائيُّ من طريق الأحنف، عن عثمان رضي الله عنه فقال (( اجعلها سقايةً للمسلمين وأجرُها لك ) )، وزاد في روايته أيضًا أشياء عدَّدها، فمن تلك الأشياء ما وقع في رواية ثمامة بن حزن هل تعلمون أنَّ المسجد ضاق بأهله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخيرٍ له منها في الجنة ) )فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلِّي فيها.

ونحوه لإسحاق بن راهويه وابن خُزيمة وابن حبَّان من طريق أبي سعيدٍ مولى أبي أسيد، عن عثمان رضي الله عنه في قصَّة مقتله مطوَّلًا، وزاد النسائيُّ من رواية الأحنف بن قيس، عن عثمان رضي الله عنه (( أنَّه اشتراها بعشرين ألفًا أو بخمسة وعشرين ألفًا ) )، وزاد في ذكر جيش العسرة (( فجهَّزتُهم حتَّى لم يفقدوا عقالًا ولا خطامًا ) ).

وللترمذيِّ من حديث عبد الرحمن بن خباب السلمي (( أنَّه جهَّزهم بثلاثمائة بعير ) )، ومن تلك الأشياء ما وقع في رواية أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، عن عثمان رضي الله عنه، عند أحمد والنسائي أنشد الله رجلًا شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بيعة الرُّضوان، يقول (( هذه يدُ الله، وهذه يد عثمان ) )الحديث. وسيأتي بيان ذلك في (( مناقب عثمان رضي الله عنه ) )من حديث ابن عمر رضي الله عنهما إن شاء الله تعالى [خ¦3698] .

ومنها ما روى الدارقطنيُّ من طريق ثمامة بن حزن،

ج 13 ص 136

عن عثمان رضي الله عنه أنَّه قال (( هل تعلمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم زوَّجني ابنتيه واحدةً بعد أُخرى، رضي بي، ورضي عنِّي؟ قالوا نعم ) ).

ومنها ما أخرجه ابنُ منده من طريق عبيد الحميري قال أشرف عثمان رضي الله عنه فقال يا طلحة، أنشدك الله أَمَا سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( ليأخذ كلُّ رجلٍ منكم بيد جليسه، فأخذ بيدي فقال هذا جليسي في الدنيا والآخرة ) )، قال نعم.

وللحاكم في «المستدرك» من طريق أسلم أنَّ عثمان رضي الله عنه حين حصر قال لطلحة أتذكر إذ قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ عثمان رفيقي في الجنَّة؟ ) )قال نعم.

وقد روى الترمذيُّ بإسناده عن ثمامةَ بن حزن القشيريِّ قال شهدت الدَّار حين أشرف عليهم عثمان رضي الله عنه، فقال ائتوني بصاحبَيْكم اللذين ألَّباكم عليَّ، فجيء بهما كأنهما جملان أو كأنَّهما حماران، قال فأشرف عليهم عثمان رضي الله عنه فقال أنشدكُم بالله وبالإسلام هل تعلمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماءٌ يُستعذب غير بئر رومة؟ فقال (( من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخيرٍ له منها في الجنة؟ ) )، فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أشربَ منها حتَّى أشربَ من ماء البحر، فقالوا اللَّهمَّ نعم، فقال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أنَّ المسجد ضاق بأهله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنَّة ) )فاشتريتها من صُلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلِّي فيها ركعتين، قالوا اللَّهمَّ نعم، قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أني جهَّزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا اللَّهم نعم، قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 13 ص 137

كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرَّك الجبل حتَّى تساقطت حجارته بالحضيضِ، قال فركضَه برجله، فقال (( اسكن ثبير فإنَّما عليك نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان ) )قالوا اللَّهم نعم، قال الله أكبر، اشهدوا، وربِّ الكعبة، أنِّي شهيد، ثلاثًا. قال الترمذيُّ هذا حديثٌ حسنٌ.

وفي هذا الحديث من الفوائد، مناقب ظاهرةٌ لعثمان رضي الله عنه، وجواز تحديث الرجل بمناقبه إذا احتاج إلى ذلك لدفع مضرَّةٍ أو تحصيل منفعةٍ، وإنَّما يكره ذلك عند المفاخرة والمكاثرة والعجب.

ثمَّ هذا التعليق وصله الدارقطنيُّ والإسماعيليُّ وغيرهما من طريق القاسم بن محمد المروزي عن عبدان بتمامه، ومطابقتهُ للترجمة تؤخذ من قوله (( فحفرتها ) )؛ أي حفرت رومة.

وتمامُ دَلالته يؤخذ من تمام القصَّة، وهو أنَّه قال (( دلوي فيها كدلاء المسلمين ) ). كما في رواية الترمذيِّ، وأمَّا مطابقة قصَّة أنس فظاهرة، وكذا قصَّة الزبير فإنَّ البنت إذا طلقت يلزمه أباها إسكانها، فإذا أسكنها في وقفه فكأنَّه اشترط على نفسه رفع كلفةٍ، فلا وجه لما ادَّعاه الإسماعيليُّ من أنَّه ليس في أحاديث الباب شيءٌ يوافق ما ترجم به إلَّا أثر أنس رضي الله عنه.

تتمة قال الدارقطنيُّ تفرَّد بهذا الحديث عثمان والد عبدان، عن شعبة، وقد اختلف فيه على أبي إسحاق فرواه زيد بن أبي أنيسة عنه كهذه الرواية، أخرجه الترمذيُّ والنسائيُّ. ورواه عيسى بن يونس، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة، عن عثمان رضي الله عنه أخرجه النسائيُّ أيضًا، وتابعه أبو قطن عن يونس، أخرجه أحمد.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وتَفَرُّدُ عثمان والد عبدان لا يضرُّه؛ فإنَّه ثقةٌ، واتِّفاق شعبة وزيد بن أبي أنيسة على روايته، هكذا، أرجحُ من انفراد يونس، عن أبي إسحاق إلَّا أنَّ آل الرجل أعرفُ به من غيرهم فيتعارض

ج 13 ص 138

التَّرجيح، فلعلَّ لأبي إسحاق فيه إسنادين، والله تعالى أعلم.

(وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي وَقْفِهِ لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ) ومطابقته للترجمة تؤخذُ من قوله في وقفه، وكان وقفه أرضًا، كما تقدم قبل أبواب [خ¦2772] (وَقَدْ يَلِيهِ الْوَاقِفُ وَغَيْرُهُ، فَهْوَ وَاسِعٌ لِكُلٍّ) هذا من كلام البخاريِّ، وأشار به إلى أنَّ قوله من وليه أعمُّ من الواقف وغيره.

وقال الداوديُّ استدلال البخاريِّ من قول عمر رضي الله عنه على هذا غلطٌ؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه جعل الولاية إلى غيره فكيف يليه هو نفسه. انتهى، وقد عرفت التَّوجيه في ذلك فيما تقدم فتذكَّر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت