فهرس الكتاب

الصفحة 4354 من 11127

2780 - (وَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو المعروف بابن المديني، كذا وقع في رواية أبي ذرٍّ والأكثرين، وفي رواية النسفيِّ بحذف كلمة لي.

ثمَّ إنَّه ذكر الحديث عن ابن المدينيِّ بغير ما ينبئ عن سماع فإمَّا أن يكون أخذه مذاكرة أو عرضًا، أو يكون محمد بن أبي القاسم ليس بمرضيٍّ عنده، وكأنَّه أَشْبَه، فروى النسفيُّ عن البخاريِّ أنَّه قال لا أعرف محمد بن أبي القاسم هذا كما اشتهى. وروى عمر البُجَيري، بالموحدة والجيم مصغرًا، عن البخاريِّ نحو هذا، وزاد قيل له رواه غيره؛ يعني روى هذا الحديث غير محمد بن أبي القاسم؟ فقال لا.

(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ) أي ابنُ سليمان المخزومي، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، واسم أبي زائدة ميمون، وقيل خالد، أبو سعيد الهمداني القاضي، مات قاضيًا بالمدائن سنة ثلاث وثمانين ومائة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ) الذي يقال له الطويل، ولا يعرف اسم أبيه، وثَّقه يحيى بن معين وأبو حاتم، وتوقَّف فيه البخاريُّ كما عرفت مع أنه أخرج حديثه هذا هنا، وليس له في هذا الصَّحيح ولا لشيخه عبد الملك بن سعيد غير هذا الحديث الواحد.

(عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعيد (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ) هو بُزَيل، بضم الموحدة وفتح الزاي وآخره لام مصغرًا، كذا ضبطه

ج 13 ص 146

ابن ماكولا. ووقع في رواية الكلبيِّ عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن تميم نفسه عند الترمذيِّ والطبريِّ بدال مهملة بدل الزاي.

وفي رواية ابن منده من طريق السُّدي عن الكلبي بُدَيل بن أبي مارية، ومثله في رواية عكرمة وغيره عند الطبريِّ مرسلًا، لكن لم يسمِّه، ووهم من قال فيه بديل بن ورقاء، فإنَّه خزاعيٌّ، وهذا سهميٌّ، وكذا وهم من ضَبَطَه بالذال المعجمة.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ورأيت في نسخة صحيحة من «تفسير الطبريِّ» بُرَيل، براء بغير نقطة، ووقع في رواية ابن جريج أنَّه كان مسلمًا، وكذا أخرجه سنيد في «تفسيره» .

(مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ) وهو صحابيٌّ مشهور، ينسب إلى الدَّار، وهم بطنٌ من لخم، بالمعجمة، ويقال الدَّاري للعطَّار ولربِّ الغنم، وكان نصرانيًا فأسلم سنة تسع وسكن المدينة، وبعد قضية عثمان رضي الله عنه انتقل إلى الشام، وكان يختم القرآن في ركعة.

وروى الشعبيُّ عن فاطمة بنت قيس أنَّها سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم في خطبةٍ خطبها، وقد قال حَدَّثني تميم، فذكر خبر الجسَّاسة في قصة الدجَّال، وكانت قصَّته هذه قبل أن يُسلم.

فإن قيل إذا كانت قصَّته قبل أن يُسلم يكون الحديث من مرسل الصحابيِّ؛ لأنَّ ابن عباس رضي الله عنهما لم يحضر هذه القصَّة.

فالجواب أنه نعم كذلك، إلا أنَّه قد جاء في بعض الطُّرق أنَّه رواها عن تميم الداري نفسه، بيَّن ذلك الكلبي في روايته فقال عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، عن تميم الدَّاري قال برئ الناس من هذه الآية غيري وغير عدي بن بدَّاء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشَّام قبل الإسلام، فأتيا الشام في تجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم، الحديث.

قال الحافظ العسقلانيُّ ويحتمل أن تكون القصَّة وقعت قبل الإسلام، ثم تأخَّرت المحاكمة حتَّى أسلموا كلهم، فإنَّ في القصَّة ما يشعر بأنَّ الجميع تحاكموا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلعلَّها كانت بمكة سنة الفتح، فعلى هذا يكون إسلام تميم الداري سنة سبع أو ثمان.

(وَعَدِيِّ) بفتح العين وكسر الدال المهملتين وتشديد الياء (ابْنِ بَدَّاءٍ) بفتح الموحدة وتشديد الدال المهملة مع المد. قال الذهبيُّ

ج 13 ص 147

عدي بن بدَّاء مذكور في تفسير {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [المائدة 106] في الترمذيِّ، والصحيح أنَّ عديًّا نصرانيٌّ لم يبلغنا إسلامه، وفي كتاب «القضاء» للكرابيسيِّ سمَّاه البداء بن عاصم، وأخرجه عن معلَّى بن منصور، عن يحيى بن أبي زائدة.

ووقع عند الواقديِّ أنَّ عدي بن بدَّاء كان أخا تميم الداري، فإن ثبت فلعلَّه أخوه لأمِّه أو من الرضاعة، لكن في «تفسير مقاتل بن حيان» أنَّ رجلين نصرانيين من أهل دارين أحدهما تميمٌ، والآخر يماني. وفي «تفسير مقاتل» أيضًا خرج بديل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل مسافرًا في البحر إلى النَّجاشي، فمات بديل في السَّفينة وكان كتب وصية، وجعلها في متَاعه ثمَّ دفعه إلى تميم وصاحبه عدي فأخذا منه ما أعجبهما، وكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلاث مائة مثقال منقوش مموَّهٍ بالذهب، فلمَّا ردَّا بقيَّة المتاع إلى ورثته نظروا في الوصية وفقدوا بعض متاعه فكلَّموا تميمًا وعديًا فقالا ما لنا به علمٌ، وفيه فقام عَمرو بن العاص والمطَّلب بن أبي وداعة السَّهميان فحلفا، فاعترف تميمٌ بالخيانة، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( يا تميم، أسلم يتجاوز الله عنك ما كان في شرككَ ) )، فأسلم وحسن إسلامه، ومات عديُّ بن بدَّاء نصرانيًا.

وفي «تفسير الثعلبي» كان بديل بن أبي مارية، وقيل ابنُ أبي مريم، مولى عمرو بن العاص مسلمًا، ومات بالشام، والله أعلم.

(فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ) وفي رواية الكلبيِّ فمرض السَّهمي فأوصى إليهما وأمرهما أن يُبَلِّغا ما تركَ أهلَه، قال تميم فلمَّا مات أخذنا من تركته جامًا، وهو أعظمُ تجارته، فبعناه بألف درهم، فاقتسمتُها أنا وعدي.

(فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا) بالجيم وتخفيف الماء؛ أي إناء، قاله الحافظ العسقلانيُّ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا تفسير الخاصِّ بالعام؛ لأنَّ الإناء أعمُّ من الجام، والجام هو الكأس (مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا)

ج 13 ص 148

بضم الميم وفتح الخاء المعجمة والواو المشددة وآخره صاد مهملة؛ أي مخططًا بخطوط طوال دقاق، كالخوص؛ أي ورق النَّخل.

وقال ابن الجوزي صيغت فيه صفائح مثلُ الخوص، معناه منقوشًا فيه صفة الخوص، ووقع في بعضِ نسخ أبي داود (( مُخَوَّضًَا ) )بالضاد المعجمة؛ أي مموَّهًا، والأوَّل أشهر.

(مِنْ ذَهَبٍ) ووقع في رواية ابن جُريج، عن عكرمة أنَّ السَّهمي المذكور مرض فكتب وصيَّةً بيده ثم دسَّها في متاعه ثمَّ أوصى إليهما، فلما مات فتحا متاعه، ثمَّ قدما على أهله فدفعا إليهم ما أرادا، ففتح أهله متاعه فوجدوا الوصية، وفقدوا شيئًا، فسألوهما عنه فجحدوه، فرفعوهما إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية إلى قوله {مِنَ الآثِمِيْنَ} ، فأمرهم أن يستحلفوهما.

وفي روايةٍ أخرى إناء من فضة منقوشًا مذهبًا، وأنَّ تميمًا وعديًا لمَّا سئلا عنه قالا اشتريناه منه فارتفعوا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فنزلت {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} [المائدة 107] .

ووقع في رواية الكلبيِّ عن تميم فلمَّا أسلمت تأثَّمت، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأدَّيت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أنَّ عند صاحبي مثلها.

(فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا ابْتَعْنَاهُ) أي اشتريناه (مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلاَنِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ) أي من أولياء السهميِّ؛ أي الميِّت، ووقع في رواية الكلبي (( فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر منهم ) )وسمَّى مقاتل بن سليمان في «تفسيره» الآخر بأنَّه المطلب بن أبي وداعة وهو سهميٌّ أيضًا لكنه سمَّى الأول عبد الله بن عمرو بن العاص، وكذا جزم به يحيى بن سلام في «تفسيره» ، وقول من قال عمرو بن العاص أظهر، والله أعلم.

(فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ. قَالَ) أي ابن عباس رضي الله عنهما (وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوت} [المائدة 106] )

ج 13 ص 149

وقال ابن زيد نزلت هذه الآية في رجلٍ توفِّي وليس عنده أحدٌ من أهل الإسلام، وذلك في أوَّل الإسلام والأرض حربٌ والناس كفَّار، وكانوا يتوارثون بالوصيَّة، ثمَّ نسخت الوصية، وفرضت الفرائض، وعمل المسلمون بها. رواه ابن جرير.

هذا وقد استدلَّ بهذا الحديث لجواز ردِّ اليمين على المدَّعي فيحلف ويستحقُّ، وسيأتي البحثُ فيه إن شاء الله تعالى، واستدلَّ به ابن سُريج الشافعي المشهور للحكم بالشَّاهد واليمين، وتكلَّف في انتزاعه، فقال إن قوله {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} [المائدة 107] لا يخلو من أربعة أوجه إمَّا أن يقرَّا، أو يشهد عليهما شاهدان، أو شاهد وامرأتان، أو شاهدٌ واحد.

قال وقد أجمعوا على أنَّ الإقرار بعد الإنكار لا يوجب يمينًا على الطَّالب، وكذلك مع الشَّاهدين ومع الشَّاهد والمرأتين، فلم يبق إلَّا شاهدٌ واحدٌ فلذلك استحقَّ الطالبان يمينهما مع الشَّاهد الواحد. انتهى.

وتعقِّب بأنَّ القصَّة وردت من طرق متعدِّدة ليس في شيءٍ منها أنَّه كان هناك من يشهد، بل في رواية الكلبيِّ فسألهم البينة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه؛ أي عديًّا بما يعظم على أهل دينه، ثمَّ إنَّه استدلَّ بهذا الحديث على جواز شهادة الكفار بناء على أنَّ المراد بالغير الكفَّار، ومعنى {مِنْكُمْ} من أهل دينكم {أَو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي من غير أهل دينكم، وبذلك قال أبو حنيفة ومن تبعه.

وتعقِّب بأنَّه لا يقول بظاهرها؛ فلا يُجِيْزُ شهادة الكفَّار على المسلمين، وإنَّما يجيز شهادة بعض الكفَّار على بعض، وقيل إنَّ الآية دلَّت بمنطوقها على قبول شهادة الكافر على المسلم، وبايمائها على قبول شهادة الكافر على الكافر بطريق الأولى.

ثمَّ دلَّ الدليل على أنَّ شهادة الكافر على المسلم غيرُ مقبولةٍ قال الله تعالى {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء 141] ، فبقيت شهادة الكافر على الكافر على حالها.

وخصَّ جماعة القبول بأهل الكتاب، وبالوصية، وبفقد المسلم حينئذٍ، منهم ابن عبَّاس

ج 13 ص 150

وأبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيَّب وشريح وابن سيرين والأوزاعي والثوري وأبو عبيد وأحمد، وهؤلاء أخذوا بظاهر الآية، وقوَّى ذلك عندهم حديث الباب، فإنَّ سياقه مطابقٌ لظاهر الآية.

وقيل المراد بالغير غير العشيرة، ومعنى {مِنْكُمْ} من عشيرتكم {أَو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي من غير عشيرتكم، وهو قول الحسن، واحتجَّ له النَّحاس بأن لفظ آخر لا بدَّ أن يشارك الذي قبله في الصِّفة حتَّى لا يسوغ أن يقال مررت برجلٍ كريمٍ ولئيمٍ آخر، فعلى هذا، فقد وصف الاثنان بالعدالة فيتعيَّن أن يكون الآخران كذلك.

وتُعُقِّب بأن هذا وإن ساغَ في الآية، لكنَّ الحديث دلَّ على خلاف ذلك والصَّحابيُّ إذا حكى سبب النَّزول كان ذلك في حكم الحديث المرفوع اتِّفاقًا، وأيضًا ففيما قال ردُّ المختلف فيه؛ لأنَّ اتِّصاف الكافر بالعدالة مختلفٌ فيه وهو فرع قبول شهادته، فمن قَبِلَها وصفَه بها، ومن لا فلا.

واعترض أبو حيَّان على المثال الذي ذكره النَّحَّاس بأنَّه غير مطابقٍ فلو قلت جاءني رجلٌ مسلمٌ وآخر كافر صحَّ؛ بخلاف ما لو قلت جاءني رجلٌ مسلمٌ وكافر آخر، والآية من قبيل الأوَّل لا الثاني؛ لأنَّ قوله وآخران، من جنس قوله اثنان؛ لأنَّ كلاًّ منهما صفة رجلان، فكأنَّه قال رجلان اثنان ورجلان آخران.

وذهب جماعة من الأئمة إلى أنَّ هذه الآية منسوخة وأنَّ ناسخها {مِمَّنْ تَرْضَونَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، واحتجُّوا بالإجماع على ردِّ شهادة الفاسق، والكافر شرٌّ من الفاسق، وأجاب الأوَّلون بأنَّ النَّسخ لا يثبت بالاحتمال، وأنَّ الجمع بين الدَّليلين أولى من إلغاء أحدهما، وبأنَّ سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن، حتى صحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذا عن عائشة رضي الله عنها وعامر بن شرحبيل، وجمع من السَّلف أنَّ سورة المائدة محكمة.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ الآية نزلت فيمن مات مسافرًا وليس عنده

ج 13 ص 151

أحدٌ من المسلمين. أخرجه الطبريُّ بإسناد رجاله ثقاتٌ، وأنكر أحمد على من قال إنَّ هذه الآية منسوخة.

وصحَّ عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه أنَّه عمل بذلك بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم، فروى أبو داود بإسنادٍ رجاله ثقات عن الشعبيِّ قال (( حَضَرتْ رجلًا من المسلمين الوفاةُ بِدَقُّوْقَا، ولم يجد أحدًا من المسلمين، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة بتركته ووصيته، فأخبرا الأشعريَّ فقال هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأَحْلَفَهُما بعد العصر ما خانا ولا كذبا ولا كتما ولا بدَّلا، وأمضى شَهَادَتَهما ) ).

ورجَّح الفخر الرَّازي وسبقه الطبريُّ إلى ذلك أنَّ قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} خطابٌ للمؤمنين، فلما قال {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} وصحَّ أنَّه أراد غير المخاطبين تعيَّن أنهما من غير المؤمنين، وأيضًا فجواز استشهاد المسلم ليس مشروطًا بالسفر، وأنَّ أبا موسى رضي الله عنه حكم بذلك فلم ينكره أحدٌ من الصَّحابة رضي الله عنهم فكان حجَّة، وذهب الكرابيسيُّ ثمَّ الطبريُّ وآخرون إلى أنَّ المراد بالشَّهادة في الآية اليمين.

قال وقد سمَّى الله اليمين شهادة في آية اللعان، وأيَّدوا ذلك بالإجماع على أنَّ الشاهد لا يلزمه أن يقول أشهد بالله، وأنَّ الشاهد لا يمين عليه أنَّه شهد بالحقِّ، قالوا فالمراد بالشَّهادة اليمين؛ لقوله {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} [المائدة 106] ؛ أي يحلفان، فإن عرف أنَّهما حلفا على الإثم رجعت اليمين على الأولياء.

وتعقِّب بأن اليمين لا يشترط فيها عدد ولا عدالة؛ بخلاف الشَّهادة، وقد اشترطا في هذه القصَّة فقوي حملها على أنَّها شهادة.

وأمَّا اعتلال من اعتلَّ في ردِّها بأنَّها تخالف القياس والأصول لما فيها من قبول شهادة الكافر وحبس الشَّاهد وتحليفه، وشهادة المدَّعي لنفسه واستحقاقه بمجرَّد اليمين، فقد أجاب من قال به

ج 13 ص 152

بأنَّه حُكْمٌ بنفسه مُسْتَغنٍ عن نظيره.

وقد قبلت شهادة الكافر في بعض المواضع كما في الطِّب، وليس المراد بالحبس السِّجن وإنَّما المراد الإمساك لليمين ليحلف بعد الصَّلاة، وأمَّا تحليف الشَّاهد فهو مخصوصٌ بهذه الصُّورة عند قيام الرِّيبة، وأمَّا شهادة المدَّعي لنفسه واستحقاقه بمجرَّد اليمين، فإنَّ الآية تضمَّنت نقل الأيمان إليهم عند ظُهور اللَّوْثِ بخيانة الوَصِيِّين، فيُشْرَعُ لهما أن يَحْلِفا ويستحقَّا، كما شُرِعَ لمدَّعي الدَّم في القسامة أن يحلف ويستحقَّ.

فليس هو من شهادة المدَّعي لنفسه، بل من باب الحكم له بيمينه القائمة مقام الشَّهادة لقوَّة جانبه، وأيُّ فرقٍ بين ظهور اللَّوْثِ في صِحَّة الدَّعوى بالدَّم وظهوره في صحة الدَّعوى بالمال؟

وحكى الطبريُّ أنَّ بعضَهم قال المراد بقوله {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة 106] الوصيان، قال والمراد بقوله {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} معنى الحضور لِمَا يُوْصِيهما به المُوصي، ثمَّ زَيَّفَ ذلك، والله أعلم.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة؛ لأنَّه في بيان سبب نزول هذه الآيات المذكورة في الترجمة، والحديثُ أخرجه أبو داود في القضايا، والترمذي في التفسير، وقال إنَّه حديثٌ غريب.

خاتمة قال الفربريُّ قال أبو عبد الله لا أعرف هذا الإسناد حسنًا، وإنما أدخلته في الباب لأخرج الحديث، وقال محمد بن أبي القاسم لا أعرفه كما اشتهي، قلت له رواه غير محمَّد بن أبي القاسم قال لا، وكان علي بن عبد الله؛ يعني ابن المديني، يستحسن هذا الحديث، حديث ابن أبي القاسم، وروى عنه أبو أسامة إلَّا أنَّه غير مشهورٍ. انتهى، فلذا قال في عنوان الإسناد قال لي علي بن عبد الله، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت