2790 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظي، أبو زكريا الشَّامي الدِّمشقي، ويقال الحمصي، وهو من جملة الأئمَّة الحنفية أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، قال (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضم الفاء وفتح اللام، وآخره حاء مهملة، على صيغة التَّصغير، هو ابنُ سليمان، وكان اسمه عبدُ الملك، وفُليح لقبُه، غَلَبَ عليه واشتهر به (عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَلِيٍّ) هو هلالُ بن أبي ميمونة، ويقال هلال بن أبي هلال الفهري المدني، وفي رواية محمَّد بن فُلَيْح، عن أبيه حدَّثني هلال.
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) كذا وقع في رواية الأكثرين عن فُلَيح، وقال أبو عامر العَقَدي عن فليح، عن هلال، عن عبد الرَّحمن بن أبي عَمْرة، بدل عطاء بن يسار، أخرجه أحمد وإسحاق في «مسنديهما» عنه، وهو وهمٌ من فليح في حال تحديثه لأبي عامر، وعند فليح بهذا الإسناد
ج 13 ص 184
حديث غير هذا، وهو في الباب الذي يليه حيث قال [خ¦2793] حدَّثنا إبراهيم بن المنذر ثنا محمَّد بن فُلَيح قال حدَّثني أبي، عن هلال بن علي، عن عبد الرَّحمن بن أبي عَمْرة، عن أبي هريرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. الحديث، فلعلَّ ذهنه انتقل من حديثٍ إلى حديثٍ.
وقد نبَّه يونس بن محمد في روايته عن فُلَيح على أنَّه ربَّما يشكُّ فيه؛ فأخرج أحمد عن يونس، عن فليح، عن هلال، عن عبد الرَّحمن بن أبي عمرة أو عطاء بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه فذكر هذا الحديث، قال فليح ولا أَعْلَمُه إلَّا عن ابنِ أبي عَمْرة، قال يونس ثمَّ حدَّثنا به فُلَيح، فقال عطاء بن يسار، ولم يشك. انتهى.
وكأنَّه رَجَعَ إلى الصَّواب فيه، ولم يقف ابن حبَّان على هذه العلَّة، فأخرجه من طريق أبي عامر، والله الهادي إلى الصَّواب.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه قال (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ) قال الكرماني أي كالحق، وقال العينيُّ معناه حقًّا بطريق الفضل والكرم لا بطريق الوجوب (أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) فإن قيل الإيمان المجرَّد يكفي في دخول الجنَّة فَلِمَ ذكر الصَّلاة والصِّيام؟ فالجواب أنَّهما ذُكِرا اهتمامًا بشأنهما وبيانًا لشرفهما، كذكر جبرائيل وميكائيل بعد الملائكة، كذا قال الكِرمانيُّ، وفي تنظيره نَظَرٌ، فافهم.
فإن قيل فلم ما ذكر الحج والزَّكاة، وهما أيضًا من أركان الإسلام؟
فالجواب أنَّه لعلَّهما لم يكونا واجبين في ذلك الوقت أو على السَّامع، كذا قال الكرمانيُّ أيضًا وفي ذلك تبع ابن بطَّال، وفيه نظرٌ أيضًا؛ لأنَّ الزَّكاة فُرِضَتْ قبل خيبر، وهذا رواه أبو هريرة رضي الله عنه، وهو لم يأت النَّبي صلى الله عليه وسلم إلَّا بخيبر.
وقد ثَبَتَ الحجُّ في رواية التِّرمذي في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وقال فيه لا أدري أذكر الزَّكاة أم لا، على أنَّ الحديث لم يذكر لبيان الأركان، فكأنَّ الاقتصار على ما ذكر إن كان محفوظًا؛ لأنَّه هو المتكرِّر غالبًا، وأمَّا الزَّكاة فلا تجب إلَّا على من له مالٌ بشرطه، والحجُّ لا يجب إلَّا مرةً
ج 13 ص 185
على التَّراخي.
(جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا) وفي رواية ، وفيه تأنيسٌ وتسليةٌ لمن حُرِمَ الجهاد في سبيل الله، وأنَّه ليس محرومًا من الأجر، بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنَّة وإن قصر عن درجة المجاهدين.
وفي «صحيح مسلم» من حديث أنسٍ رضي الله عنه يرفعه (( من طلب الشَّهادة صادقًا أُعْطِيَها ولو لم تُصِبْه ) )، وعند الحاكم (( من سأل القتل صادقًا ثمَّ مات أعطاه الله أجر شهيدٍ ) ). وعند النَّسائي بسندٍ جيدٍ عن معاذ يرفعه (( من سأل الله القتل من عند نفسه صادقًا ثمَّ مات أو قتل فله أجر شهيدٍ ) ).
(قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ) قيل الذي خاطبه بذلك هو معاذ بن جبل رضي الله عنه، كما في حديث التِّرمذي قال حدَّثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبي قالا حدَّثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من صام رمضان وصلَّى الصَّلوات وحجَّ البيت، لا أدري أذكر الزَّكاة أم لا، كان حقًّا على الله أن يَغْفِرَ له إن هاجر في سبيل الله أو مكث بأرضه التي وُلِدَ بها ) )قال معاذ ألا أخبر بها النَّاس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ذَرِ النَّاس يعملون؛ فإنَّ الجنة مائة درجةٍ ما بين كلِّ درجتين كما بين السَّماء والأرض، والفردوس أعلى الجنة وأوسطها، وفوق ذلك عرش الرَّحمن، ومنها تفجر أنهار الجنَّة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ) ).
وقيل أبو الدَّرداء رضي الله عنه، كما وقع عند الطَّبراني، وأصله عند النَّسائي لكن قال فيه فقلنا (أَفَلاَ نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) وفي رواية محمد بن جحادة عند التِّرمذي (( ما بين كلِّ درجتين مائة عام ) )، وقال هذا حديثٌ حسنٌ غريب، وروى الطَّبراني من هذا الوجه (( خمسمائة عامٍ ) )فإن كانتا محفوظتين كان اختلاف العدد بالنسبة إلى اختلاف السير، وزاد التِّرمذي من حديث أبي سعيد رضي الله عنه
ج 13 ص 186
عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ في الجنَّة مائة درجةٍ، لو أنَّ العالمين اجتمعوا في إحداهنَّ لوسعتهم ) )، وقال هذا حديثٌ غريب، قال الكِرماني قيل لمَّا سوَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الجهاد في سبيل الله وعدمه في دخول الجنة ورأى استبشار السَّامع بذلك لسقوط مشاق الجهاد عنه استدرك بقوله (( إنَّ في الجنة مائة درجةٍ كذا وكذا ) ).
وأمَّا الجواب به فهو من الأسلوب الحكيم؛ أي بشِّرهم بدخول الجنة بما ذكر من الأعمال، ولا تكتف بذلك بل زِدْ عليه بشارةً أخرى، وهو الفوز بدرجات الشُّهداء، وبل بشِّرهم أيضًا بالفردوس.
وفيه الحثُّ على ما يحصل به أقصى درجات الجنان من المجاهدة مع النَّفس، قال تعالى {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج 78] انتهى، وقوله وأمَّا الجواب إلى قوله وفيه الحثُّ، من كلام الطِّيبي.
واعترض عليه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه لو لم يرد الحديث إلَّا كما وقع هنا لكان ما قال الطِّيبي مُتَّجِهًا، لكن وردتْ في الحديث زيادةٌ دلَّت على أنَّ قوله (( إنَّ في الجنة مائة درجةٍ ) )... إلى آخره تعليلٌ لتلك البشارة المذكورة، فعند التِّرمذي من رواية معاذ رضي الله عنه، قال معاذ يا رسول الله، ألا أُخْبِرُ النَّاسَ؟ قال (( ذر النَّاس يعملون فإنَّ في الجنة مائة درجةٍ ) ). .. إلى آخره.
فظهر أنَّ المرادَ لا تبشِّر النَّاس بما ذكرته من دخول من آمن وعملِ الأعمال المفروضة عليه الجنةَ، فيقفوا عند ذلك ولا يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه من الدَّرجات التي تحصل بالجهاد، وهذه هي النكتة في قوله (( أعدَّها الله للمجاهدين ) ).
وإذا تقرَّر هذا كان فيه تعقب أيضًا على قول بعض شراح المصابيح سوَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم بين الجهاد في سبيل الله وبين عدمه، وهو الجلوس في الأرض التي ولد المرء فيها.
ووجه التَّعقب أنَّ التَّسوية ليست على عمومها وإنَّما هي في أصل دخول الجنة لا في تفاوت الدَّرجات، وليس في هذا السِّياق ما ينفي أن يكون في الجنة درجاتٌ أخرى أُعِدَّت لغير المجاهدين دون درجات المجاهدين. انتهى كلامه.
ج 13 ص 187
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ كلام الطِّيبي متَّجهٌ والاعتراض عليه غيرُ واردٍ؛ لأنَّ الزِّيادة المذكورة في حديث معاذ رضي الله عنه، وكلام الطِّيبي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وكلُّ واحدٍ من الحديثين مستقلٌّ بذاته، والرَّاوي مختلفٌ، فكيف يكون ما في حديث معاذ رضي الله عنه تعليلًا لما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
على أنَّ حديث معاذ هذا لا يعادل حديث أبي هريرة ولا يدانيه، فإنَّ عطاء بن يسار لم يُدْرِك معاذًا رضي الله عنه، قال التِّرمذي عطاء لم يدرك معاذ بن جبل معاذ قديم الموت، مات في خلافة عمر رضي الله عنه، والله تعالى أعلم.
وقال القاضي عياض يحتمل أن تُجْرَى الدَّرجاتُ على ظاهرها محسوسة، وأن تُحْمَل على المعنى، والمراد كثرة النِّعم وعِظَم الإحسان.
(فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ) قيل هو البُستان الذي يجمع ما في البساتين كلها من شجر وزهرٍ ونبات، وقيل هو متنزه أهل الجنَّة. وفي التِّرمذي هو ربوة الجنَّة، وقيل الذي فيه العنب يقال كرم مفردس؛ أي معرَّش، وقيل هو البستان بالرُّومية، فنقل إلى العربية، وهو مذكر، وإنَّما أُنِّثَ في قوله تعالى {يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون 11] بتأويل الجنَّة، قاله الجواليقي عن أهل اللغة. وقال الزَّجاج الفردوس الأودية التي تنبت ضروبًا من النَّبات، وهو لفظ سرياني، وقيل أصله بالنَّبطية فرداسًا، وقيل الفردوس يعدُّ بابًا من أبواب الجنَّة.
(فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ) المراد بالأوسط هنا الأعدل والأفضل، كما في قوله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة 143] ؛ أي خيارًا.
قال الحافظُ العسقلاني فعلى هذا، فعطف الأعلى عليه للتَّأكيد، ويمكن أن يرادَ بأعلى الجنة أرفعها؛ لأنَّ الله مدحَ الجنان إذا كانت في علو قال {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} [البقرة 265] .
وقال ابن حبَّان المراد بالأوسط السعة، وبالأعلى الفوقيَّة، وقال الطِّيبي المراد بأحدهما العلوّ الحسِّي، وبالآخر العلوّ المعنويِّ، والله تعالى أعلم.
(أُرَى) بضم الهمزة؛ أي أظنُّ، وهو شكٌّ من يحيى بن صالح شيخ البُخاري فيه، وقد رواه غيرُه عن فُلَيح بغير شكٍّ منهم يونس بن محمد عند الإسماعيلي
ج 13 ص 188
وغيره (وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ) أي من الفرْدوس، ووهم من زَعَمَ أنَّ الضَّمير للعرش (تَفَجَّرُ) أصله تتفجَّر بتائين، فحُذِفَتْ إحداهما؛ أي تنشقُّ (أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) وقد وقع في حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه عند الترمذيِّ والفردوس أعلاها درجةً، ومنها؛ أي من الدَّرجة التي فيها الفردوس تفجَّر أنهار الجنة الأربعة، ومن فوقها يكون عرش الرَّحمن، وروى إسحاقُ بن راهويه في «مسنده» من طريق شيبان، عن قتادة عنه قال الفردوسُ أوسطُ الجنة وأفضلها.
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ) يعني أنَّ محمدًا روى هذا الحديث عن أبيه فليح بإسناده هذا، فلم يشك كما شكَّ يحيى بن صالح بقوله أرى فوقه عرش الرَّحمن.
وهذا التَّعليق وصله البُخاري في التَّوحيد [خ¦7423] عن إبراهيم بن المنذر عنه بتمامه، وقال أبو علي الجيَّاني وقع في رواية أبي الحسن القابسي وهو وهمٌ؛ لأنَّ البخاريَّ لم يدركه، والصَّواب قال محمد بن فليح مُعَلَّقًا، كما روته الجماعة.
وفي الحديث فضيلةٌ ظاهرةٌ للمجاهدين. وفيه عظم الجنَّة وعظم الفردوس منها، كما نقل ابن بطَّال إنَّ الجنة قد حفَّت بالفردوس من كلِّ جهةٍ. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ درجة المجاهد قد يَنالها غيرُ المجاهد، إمَّا بالنِّية الخالصة، أو بما يوازيه من الأعمال الصَّالحة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أمرَ الجميع بالدُّعاء بالفردوس بعد أن أعلمهم أنَّه أعدَّ للمجاهدين. وقيل فيه جواز الدُّعاء بما لا يحصل للدَّاعي، والأوَّل أولى، كما لا يخفى.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( إنَّ في الجنة مائة درجةٍ ) )إلى آخره، وقد أخرجه البخاري في التوحيد [خ¦7423] ، وأخرجه التِّرمذي في الجهاد، وقد تقدَّم بلفظه.