2809 - (حَدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) قال الكرمانيُّ نسبه البخاري إلى جدِّه، وهو محمد بن يحيى بن عبد الله الذُّهلي، بضم الذال المعجمة، وكذا جزم به الكلاباذيُّ وغيره. ووقعَ في رواية
ج 13 ص 227
أبي علي بن السَّكن بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الراء، قال العينيُّ كلاهما من أفراد البخاريِّ.
وضبط العسقلانيُّ المُخَرميَّ، بفتح الخاء المعجمة، وقال أيضًا فإن لم يكن ابن السَّكن نسبه من قبل نفسهِ، وإلَّا فما قاله هو المعتمدُ.
وقد أخرجه ابن خُزيمة في التوحيد من «صحيحه» عن محمَّد بن يحيى الذُّهلي، عن حسن بن محمَّد، وهو المروزيُّ، بهذا الإسناد قال
(حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي ابن بهرام (أَبُو أَحْمَدَ) التميميُّ المروزيُّ، سكن بغداد ومات سنة أربع عشرة ومائتين، قال (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشين المعجمة، أبو معاوية النَّحوي (عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ) كذا وقع لجميع رواة البخاريِّ، وقال بعد ذلك (وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ) مرادف الزِّراعة (ابْنِ سُرَاقَةَ) بضم المهملة وتخفيف الراء وبالقاف، الأنصاري، وهذا الثَّاني هو المعتمد، والأوَّل وهمٌ، نبَّه عليه غيرُ واحدٍ، من آخرهم الدِّمياطيُّ، فقال قوله أم الرُّبيع بنت البراء وهم، وإنَّما هي الرُّبيع بنت النَّضر عمة أنس بن مالك بن النَّضر، بن ضمضم بن عَمرو، وهي التي كسرت ثنيَّة امرأة.
وقد تقدَّم ذكر قتل أخيها أنس بن النَّضر [خ¦2805] ، وهي أمُّ حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن النجَّار، ذكره ابنُ إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما فيمن شهد بدرًا.
واتَّفقوا على أنَّه رماه حِبَّان، بكسر المهملة بعدها موحدة ثقيلة، ابن العَرِقَة، بفتح المهملة وكسر الراء بعدها قاف، وهو على حوضٍ فأصاب نحره فمات.
ووقع في رواية ابن خزيمة أنَّ الرُّبَيِّع بنت البراء، بحذف أم، فهذا أشبهُ بالصَّواب، لكن ليس في نسب الرُّبَيِّع بنت النَّضر أحد اسمه البراء فلعلَّه كان فيه الربيِّع عمَّة البراء، فإنَّ البراء بن مالك أخو أنس بن مالك، فكلٌّ منهما ابن أخيها أنس بن النَّضر.
وقد رواه الترمذي وابن خُزيمة من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة فقال عن أنس (( أنَّ الرُّبَيِّع بنت النضر أتت النَّبي صلى الله عليه وسلم وكان ابنها حارثة بن سراقة أصيب يوم بدر ) ). الحديث.
ورواه النسائيُّ من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابتٍ، عن أنس رضي الله عنه قال (( انطلق حارثة ابن عمتي
ج 13 ص 228
فجاءت عمَّتي أمُّه )) .
وحكى أبو نعيمٍ الأصبهانيُّ أنَّ الحكم بن عبد الملك رواه عن قتادة كذلك، وكذا بيَّنه الإسماعيليُّ في «مستخرجه» ، والحاصل أنَّ الصَّحيح أن يقول الربيِّع بنت النَّضر، وهي أمُّ حارثة.
وقال ابن الأثير في «جامع الأصول» الذي وقع في كتب النَّسب والمغازي وأسماء الصَّحابة أنَّ أم حارثة هي الرُّبَيِّع بنت النَّضر عمة أنس بن مالك.
وأجاب الكرمانيُّ بأنَّه لا وهم للبخاريِّ؛ إذ ليس في رواية النَّسَفيِّ إلَّا هكذا قال أنس إنَّ أم حارثة بن سراقة أتت النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو ظاهرٌ وكأنَّه كان في رواية الفربريِّ حاشية بعض الرواة غير صحيحةٍ فألحقت بالمتن. انتهى.
وتعقَّبه الحافظ العسقلانيُّ فقال وقد راجعت أصل النَّسفي من نسخة ابن عبد البر فوجدتها موافقةً لرواية الفربريِّ، فالنُّسخة التي وقعت للكِرمانيِّ ناقصة، وادِّعاء الزيادة في مثل هذا الكتاب مردودٌ على قائله.
والظاهر أنَّ لفظ أم وبنت وهم كما تقدَّم توجيهه قريبًا، والخطب فيه سهلٌ ولا يقدح ذلك في صحَّة الحديث، ولا في ضبط رواته.
وقد وقع في رواية سعيد بن أبي عروبة التي ضبط فيها اسم الرُّبَيِّع بنت النَّضر وهمٌ في اسم ابنها، فسمَّاه الحارث، وقد روى هذا الحديث أبان عن قتادة فقال إنَّ أمَّ حارثة، لم يزدْ، أخرجه أحمد، وكذلك أخرجهُ من رواية حمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس.
وسيأتي في المغازي إن شاء الله تعالى من طريق حميد، عن أنسٍ كذلك [خ¦3982] . هذا ثمَّ إنَّه شرع الكرمانيُّ في إبداء احتمالات بعيدةٍ متكلَّفة لتوجيه الرواية الَّتي في البخاريِّ فقال ثمَّ إنَّه على تقدير وجوده وصحَّته عن البخاريِّ يحتمل احتمالات أن يكون للرُّبَيِّع ولدٌ يُسَمَّى أيضًا بالرُّبَيِّع من زوجٍ آخر غير سراقة اسمه البراء، وأن يكون (( بنت البراء ) )خبرًا لأن، وضمير هي راجعٌ إلى الرُّبَيِّع، وأن يكون بنت صفة لأمِّ الرُبَيِّع، وهي المخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأطلق الأم على الجدَّة تجوُّزًا، وأن تكون إضافة الأم إلى الرُّبيِّع للبيان؛ أي الأم التي هي الربيِّع، وبنت تصحيف من عمَّة إذ الرُّبَيِّع هي
ج 13 ص 229
عمَّة البراء بن مالك، قال وارتكاب بعض هذه التكلُّفات أولى من تخطئة العدول الثِّقات. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذه تعسُّفات، والأنساب لا تُعْرَفُ بالاحتمالات، والعدول الثِّقات غير معصومين عن الخطأ، ودعوى الأولويَّة غيرُ صحيحةٍ. انتهى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ إنَّما اختار البخاريُّ رواية شيبان على رواية سعيد لتصريح شيبان في روايته بتحديث أنسٍ لقتادة، وللبخاريِّ حرصٌ على مثل ذلك، إذا وقعت الرواية عن مدلِّس أو معاصر، وقد قال هو في تسمية من شهد بدرًا وهو حارثة بن سراقة، فلم يعتمد على ما وقع في رواية شيبان أنَّه حارثة بن الربيِّع بل جزم بالصَّواب، والرُّبَيِّع أمُّه، وسراقة أبوه، والله تعالى أعلم.
(أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَلاَ تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ) جملة كان معترضة، وقوله (أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ) استئنافٌ بيانيٌّ؛ أي لا يُعْرَفُ راميه، أو لا يُعْرَفُ من أين أتى، أو جاء على غير قصدٍ من راميه، قاله أبو عبيد وغيره، وقد تقدَّم تفصيله أوَّل الباب، والثابت في الرواية بالتنوين وسكون الراء (فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ) قال الخطابيُّ أقرَّها النَّبي صلى الله عليه وسلم على هذا؛ يعني فيؤخذ منه الجواز.
وقال الحافظ العسقلانيُّ كان ذلك قبل تحريم النَّوح فلا دَلالة فيه، فإنَّ تحريمه كان عقيب غزوة أحد، وهذه القصَّة كانت عقيب غزوة بدر. ووقع في رواية سعيد بن أبي عروبة (( اجتهدت في الدعاء ) )بدل قوله في البكاء، وهو خطأ، ووقع ذلك في بعض النُّسخ دون بعض، وفي رواية حميدٍ الآتية في صفة الجنَّة، من الرقاق [خ¦6567] (( فإن كان في الجنَّة لم أبك عليه ) ). وعند النسائيِّ أيضًا (( فإن كان في الجنَّة لم أبك عليه ) )، وهو دالٌّ على صحة الرواية بلفظ البكاء. وقال في رواية حميد (( وإلَّا فسترى ما أصنع ) )ونحوه
ج 13 ص 230
في رواية حمَّاد عن ثابت، عن أنسٍ رضي الله عنه عند أحمد.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ) كذا هنا، وفي رواية سعيد بن أبي عروبة (( إنَّها جنان في جنة ) )، وفي رواية أبان عند أحمد (( إنَّها جنانٌ كثيرةٌ في جنَّة ) )، وفي رواية حميد [خ¦6567] (( إنَّها جنانٌ كثيرةٌ ) )فقط، والضَّمير في إنَّها ضميرٌ مبهم يفسِّره ما بعده، وهو كقولهم هي العرب تقول ما شاءت، والقصد بذلك التَّفخيم والتَّعظيم.
(وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى) والفردوس هو البستان الَّذي يجمع كلَّ ما في البساتين من شجرٍ وزهرٍ ونبات، وقيل هو روميَّة معربة، والجنة البستان، ويقال هي النَّخل الطِّوال.
وقال الأزهريُّ كلُّ شجرٍ متكاثفٍ يستر بعضُه بعضًا فهو مشتقٌّ من جننتُه سترته، ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمِّه ما قال، رجعت وهي تضحكُ وتقول بخٍ بخٍ لك يا حارثة. وهو أوَّل من قتل من الأنصار يوم بدر.
وعن أبي نعيم كان كثيرَ البرِّ بأمِّه قال صلى الله عليه وسلم (( دخلتُ الجنَّة فرأيت حارثة لذلك البر ) ).
قيل فيه نظرٌ؛ لأنَّ المقول فيه هذا هو حارثة بن النعمان، كما بيَّنه أحمد في «مسنده» والله أعلم.
ومطابقةُ الحديث للترجمة ظاهرة.