2810 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ مرَّة (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) هو شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مُوسَى) هو عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ، وفي رواية غندر عن شعبة في فرض الخمس [خ¦3126] سمعت أبا وائل، حَدَّثنا أبو موسى (قَالَ جَاءَ رَجُلٌ) وفي رواية غندر (( جاء أعرابيٌّ ) ). وهذا يدلُّ على وهم ما وقع عند الطبرانيِّ من وجهٍ آخر، عن أبي موسى أنَّه قال يا رسول الله فذكره؛ فإنَّ أبا موسى رضي الله عنه وإن جاز أن يتَّهم نفسه لكن لا يصفها بكونه أعرابيًّا. وهذا الأعرابيُّ يصلح أن يفسَّر بلاحق بن ضُمَيْرة الباهلي،
ج 13 ص 231
وحديثه عند أبي موسى المديني في الصحابة من طريق عُفَيْر بن مَعْدان سمعت لاحق بن ضُمَيْرة الباهلي قال وفدتُ على النَّبي صلى الله عليه وسلم فسألتُه عن الرَّجل يلتمس الأجر والذِّكر، فقال (( لا شيءَ له ) )الحديث، وفي إسناده ضَعْفٌ.
وفي «فوائد أبي بكر» بإسنادٍ ضعيفٍ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّه قال (( يا رسول الله، كلُّ بني سلمة تقاتل، فمنهم من يقاتل رياءً ) )الحديث، فلو صحَّ لاحتمل أن يكون معاذٌ أيضًا سأل عمَّا سأل عنه الأعرابي؛ لأنَّ سؤال معاذ خاص، وسؤال الأعرابيِّ عامٌّ، ومعاذ رضي الله عنه أيضًا لا يُقال له أعرابيٌّ، فيحمل على التعدُّد.
(إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ) وفي رواية منصور عن أبي وائل الماضية في العلم [خ¦123] (( فقال ما القتال في سبيل الله؟ فإنَّ أحدنا يقاتل ... ) )إلى آخره.
(وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ) أي ليُذْكَرَ بين النَّاس ويشتهر بالشَّجاعة، وهي رواية الأعمش، عن أبي وائل الآتية في التوحيد حيث قال (( ويقاتل شجاعة ) ) [خ¦7458] (وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ) على البناء للمفعول، والمراد بالمكان المرتبة في الشَّجاعة، وفي رواية الأعمش (( ويقاتل رياء ) )فيرجع الَّذي قبله إلى السُّمعة، ويرجع هذا إلى الرياء، وكلاهما مذمومٌ. وزاد في رواية منصور والأعمش (( ويقاتل حميَّة ) )؛ أي لمن يقاتل لأجله من أهل أو عشيرة أو صاحب، وزاد في رواية منصور (( ويقاتل غضبًا ) )؛ أي لأجل حظِّ نفسه، ويحتمل أن يفسَّر القتال للحميَّة بدفع المضرَّة، والقتال غضبًا لِجَلْبِ المَنْفَعَة.
فالحاصل من رواياتهم أنَّ القتال يقعُ بسبب خمسة أشياء طلبُ المغنم، وإظهار الشَّجاعة، والرياء، والحمية، والغضب، وكلٌّ منها يتناوله المدح والذمُّ، فلهذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي.
(فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِيْ سَبِيْلِ الله) المراد بكلمة الله دعوة الله إلى الإسلام؛ أي التَّوحيد وما يستلزمه من الاستسلام؛ يعني فهو المقاتل في سبيل الله
ج 13 ص 232
لا طالب الغنيمة والشُّهرة ولا مظهر الشَّجاعة.
وقال الكرمانيُّ قال بعضهم الفرق بين الثاني والثالث أنَّ الثاني للسُّمعة والثالث للرِّياء؛ أي من الغزاة من سمَّع، َ ومنهم من راءى، والأولى أن يُقال ليرى منزلته في سبيل الله، وعبَّر النَّبي صلى الله عليه وسلم بقوله (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ) )إحمادًا عليه وشكرًا لصنيعه، وإلا كان يكفيه في الجواب أن يقول من قاتلَ ليرى مكانه. انتهى فليُتَأمَّل.
قال الحافظ العسقلانيُّ ويحتمل أن يكون المراد أنَّه لا يكون في سبيل الله إلَّا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمةِ الله فقط، بمعنى أنَّه لو أضاف إلى ذلك سببًا من الأسباب المذكورة أخلَّ بذلك.
ويحتمل أن لا يخلَّ إذا حصل ضمنًا لا أصلًا ومقصودًا، وبذلك صرَّح الطبريُّ فقال إذا كان أصل الباعث هو الأوَّل لا يضرُّه ما عرض له بعد ذلك.
وبذلك قال الجمهور لكن روى أبو داود والنسائيُّ من حديث أبي أمامة رضي الله عنه بإسنادٍ جيِّدٍ قال جاء رجلٌ فقال يا رسول الله، أرأيت رجلًا يلتمس الأجر والذِّكر ما له؟ قال لا شيء له، فأعادها ثلاثًا كلُّ ذلك يقول لا شيء له ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله لا يقبل من العمل إلَّا ما كان خالصًا وابْتُغِي به وجهه ) ).
ويمكن أن يحملَ هذا على من قصد الأمرين معًا على حدٍّ واحدٍ فلا يخالف المرجَّح أوَّلًا، فتصير المراتب خمسًا أن يقصدَ الشَّيئين معًا، أو يقصد أحدهما صرفًا، أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمنًا، فالمحذور أن يقصد غير الأعلى فقد يحصل الأعلى ضمنًا وقد لا يحصلُ، ويدخل تحته مرتبتان.
وهذا ما دلَّ عليه حديث أبي موسى، ودونه أن يقصدهما معًا، فهو محذورٌ أيضًا على ما دلَّ عليه حديث أبي أمامة، والمطلوب أن يقصدَ الأعلى صرفًا، وقد يحصل غير الأعلى، وقد لا يحصل، وفيه مرتبتان أيضًا.
قال ابنُ أبي جمرة ذهب المحققون إلى أنَّه إذا كان الباعث
ج 13 ص 233
الأوَّلُ قصد إعلاء كلمة الله تعالى لم يضرُّه ما انضاف إليه. انتهى.
ويدلُّ على أنَّ دخول غير الأعلى ضمنًا لا يقدح في الأعلى إذا كان الأعلى هو الباعث الأصليُّ، ما رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ، عن عبد الله بن حوالة قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقدامنا لنغنم فرجعنا ولم نغنم شيئًا، فقال (( اللَّهم لا تكلهم إليَّ ) )الحديث.
وفي إجابة النَّبي صلى الله عليه وسلم بما ذكر غاية البلاغة والإيجاز، وهو من جوامع كَلِمِه صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه لو أجابه بأنَّ جميع ما ذكره ليس في سبيل الله احتمل أن يكون ما عدا ذلك كلُّه في سبيل الله، وليس كذلك فعدل إلى لفظٍ جامعٍ عدل به عن الجواب عن ماهيَّة القتال إلى حال المقاتل فتضمَّن الجواب وزيادة.
ويحتمل أن يكون الضَّميرُ في قوله (( فهو ) )راجعًا إلى القتال الذي في ضمن قاتل؛ أي فقتاله قتال في سبيل الله، واشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلبِ رضاه، وطلب ثوابه وطلب دحض أعدائه، وكلُّها متلازمة.
والحاصل ممَّا ذكر أنَّ القتالَ منشؤه القوَّة العقليَّة، والقوَّة الغضبيَّة، والقوَّة الشَّهوانية، ولا يكون في سبيل الله إلَّا الأول.
وقال ابن بطَّال إنَّما عدل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن لفظ جواب السَّائل؛ لأنَّ الغضب والحمية قد يكونان لله تعالى، فعدل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلى لفظٍ جامعٍ فأفاد دفع الإلباس وزيادة الإفهام.
وفيه بيان أنَّ الأعمال تحتسب بالنيَّة الصالحة، وأنَّ الفضل الذي ورد في المجاهد يختصُّ بمن ذكر. وفيه جواز السُّؤال عن العلَّة، وتقديم العلم على العمل. وفيه ذمُّ الحرص على الدُّنيا وعلى القتال لحظِّ النفس في غير الطَّاعة.
ومطابقةُ الحديث للترجمة أظهر من أن يخفى.