258 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) وقد مرَّ ذكره مرارًا [1] [خ¦16] [خ¦43] [خ¦218] (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحاك بن مَخْلَد _ بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام _ البصري المتفق عليه علمًا وعملًا، ولقب بالنبيل؛ لأن شعبة حلف أنه لا يحدِّث شهرًا، فبلغ ذلك أبا عاصم فقصده فدخل مجلسه وقال حدِّث وغلامي العطَّار حرٌّ عن كفارة يمينك، فأعجبه ذلك، وقال أبو عاصم النبيل، فلقِّبَ به، وقيل لغير ذلك، وقد تقدم ذكره في باب القراءة والعرض على المحدِّث [خ¦16] .
(عَنْ حَنْظَلَةَ) هو ابن أبي سفيان القرشي، وقد تقدم في باب دعاؤكم إيمانكم [خ¦8] (عَنِ الْقَاسِمِ) بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه التيمي المدني، أفضل أهل زمانه، كان ثقةً عالمًا فقيهًا من الفقهاء السبعة بالمدينة، إمامًا ورعًا من خيار التابعين، مات سنة بضع ومئة (عَنْ عَائِشَةَ) عمَّته رضي الله عنها، ورواة هذا الإسناد ما بين بصري ومكي ومدني، وأبو عاصم المذكور فيه من كبار شيوخ البخاري، وقد أكثر عنه في هذا الكتاب، لكنه نزل في هذا الإسناد فأدخل بينه وبينه محمد بن المثنى، وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود، والنسائي أيضًا.
(قَالَتْ) أي إنها قالت (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا اغْتَسَلَ) أي أراد أن يغتسل (مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلاَبِ) أي طلب إناءً مثل الإناء الذي يسمَّى الحلاب، وقد وصفه أبو عاصم كما أخرجه أبو عوانة في (( صحيحه ) )عنه بأنه أقل من شبرٍ في شبر، وفي روايةٍ لابن حبان (وأشار أبو عاصم بكفَّيه فكأنَّه حلَّق بشبريه يصف به ذروه الأعلى) ، وفي رواية للبيهقي (( كقدر كوزٍ يسع ثمانية أرطالٍ ) ).
وفي حديث مكِّي عن القاسم (أنه سئل كم يكفي من غسل الجنابة، فأشار إلى القدح والحلاب) ، ففيه بيان مقدار ما يحتمل من الماء لا الطيب والتطيب.
قال محمود العيني ومن له ذوق من المعاني، وتصرف في التراكيب، يعلم أن الحلاب المذكور في الترجمة إنما هو الإناء، ولم يقصد البخاري إلا هذا، غير أن القوم أكثروا الكلام فيه من غير زيادة فائدة، ولفظ الحديث أكبر شاهد على ما ذكرنا؛ لأنه قال دعى بشيء نحو الحلاب فلفظ نحو هاهنا بمعنى المثل، ومثل الشيء غيره، فلو كان دعى بالحلاب كان ربما يشكل على أن في بعض الألفاظ دعى بإناءٍ مثل الحلاب.
ج 2 ص 403
(فَأَخَذَ بِكَفِّهِ) بالإفراد، وفي رواية الكُشْمِيْهني بالتثنية، وكذا وقع في رواية مسلم، وفي رواية أبي داود (فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ) بكسر الشين المعجمة (ثُمَّ) بشق رأسه (الأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا) أي بكفيه، وهذا يدلُّ على أن الرواية الصحيحة (( فأخذ بكفيه ) )بالتثنية حيث أعاد الضمير بالتثنية، وأمَّا على رواية مسلم فظاهر؛ لأنه زاد في روايته بعد قوله الأيسر (( فأخذ بكفيه ) )ومعنى قال بهما قلب بكفَّيه.
والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام أيضًا فتقول قال بيده أي أخذ، وقال برجله أي مشى، وقالت له العينان سمعًا وطاعة أي أومأت، وجاء في حديثٍ آخر (( فقال بثوبه ) )أي رفعه، وكل ذلك على المجاز والاتساع، ويقال إن قال يجيء لمعان كثيرة بمعنى أقبل ومال واستراح وذهب وغلب وأحبَّ وحكم وغير ذلك.
قال العيني وسمعت أهل مصر يستعملون هذا في كثيرٍ من ألفاظهم ويقولون أخذ العصا وقال به؛ أي ضرب به، وأخذ ثوبه وقال به عليه؛ أي لَبِسَه، وغير ذلك، يقف على هذا من تتبَّع كلامهم.
(عَلَى رَأْسِهِ) وفي رواية الأكثر بفتح السين [2] . قال الجوهري بالسكون طرف، وبالحركة اسم، وكل موضع يصلح فيه (بين) فهو بالسكون، وإن لم يصلح فيه فهو بالتحريك.
وقال ثعلب إن كل ما كان أجزاء تنفصل وتتفرق، قلت فيه وَسْط بالتسكين، وما كان لا ينفصل ولا يتفرق قلت فيه بالتحريك، تقول من الأول اجعل هذه الخرزة وسْط السبحة، وانظم هذه الياقوتة وسْط القلادة، وتقول أيضًا منه لا تعقد وَسْط الحلقة ووَسْط القوم، وتقول من القسم الثاني احتجم وسَط رأسه، واقعد وسَط الدار، فقس على هذا.
وفي (( الواعي ) )لأبي محمد قال الفراء سمعت يونس يقول وَسَط ووَسْط بمعنى.
وفي (( المخصص ) )عن الفارسي سوَّى بعض الكوفيين بين وَسْط ووسَط فقال هما طرفان واسمان.
وممَّا يستنبط من الحديث أن المغتسل يجوز له أن يجهز الإناء الذي فيه الماء ليغتسل منه، ومنه أنه يستحب البداءة بشق الرأس لكونها أكثر شعثًا من بقيَّة البدن من أجل الشعر، ومنه أنه يستحبُّ له أن يبدأ بشقه الأيمن، وبذلك ترجم عليه ابن خزيمة والبيهقي.
ثمَّ اعلم أنه قد استشكل القوم مطابقة الحديث للترجمة فافترقوا ثلاث فرق
الفرقة الأولى قد نسبوا البخاري إلى الوهم والغلط منهم الإسماعيلي فإنه قال في (( مستخرجه ) )يرحم الله
ج 2 ص 404
أبا عبد الله _ يعني البخاري _ من ذا الذي يسلم من الغلط، سبق إلى قلبه أن الحلاب طيبٌ، وأيُّ معنى للطيب عند الاغتسال قبل الغسل، وإنما الحلاب إناءٌ يحلب فيه، ويسمَّى مُحْلِبًا أيضًا قال وفي تأمُّل طرق هذا الحديث بيان ذلك حيث جاء فيه (( كان يغتسل من حلاب ) )، ورواه هكذا أيضًا ابن خزيمة وابن حبَّان فقوله (يغتسل) يدلُّ على أن الحلاب إناء الماء، وفي رواية ابن حبان والبيهقي (( ثمَّ يصبُّ على شقِّ رأسه الأيمن ) )والتطيب لا يعبَّر عنه بالصَّب، وقد روى الإسماعيلي من طريق بندار عن أبي عاصم بلفظ «كان إذا أراد أن يغتسل من الجنابة دعا بشيءٍ دون الحلاب، فأخذ بكفِّه فبدأ بالشَّق الأيمن ثمَّ الأيسر، ثمَّ أخذ بكفيه ماء فأفرغ على رأسه» فلولا قوله ماء لأمكن حمله على الطيب قبل الغسل.
ومن هؤلاء الفرقة ابن الجوزي حيث قال غلط جماعة في تفسير الحلاب منهم البخاري، فإنه ظن أنَّ الحلاب شيءٌ من الطيب، هذا وقال الخطابي في (( شرح أبي داود ) )الحلاب إناءٌ يسع قدر حلب ناقة، وقد ذكره البخاري وتأوَّله على استعمال الطيب في الطهور، وأحسبه توهَّم أنه أريد به المحلب الذي يستعمل في غسل الأيدي، وليس من الطيب في شيء، وإنما هو ما فسرت لك، وقال الشاعر
~صاحِ هل رَيْتَ أو سمعتَ بِراعِ ردَّ في الضَّرْع ما قَرَى في الحِلاب
وقال القاضي عياض الحلاب والمِحلب بكسر الميم وعاءٌ يَملَؤُهُ قدر حلب الناقة. انتهى.
وأنت خبير بأنه لا ينبغي أن يظن بالبخاري أنَّه توهم أن الحلاب ضربٌ من الطيب، كيف وقوله (أو الطيب) يدفع ذلك فإنه عطفه عليه وجعله قسيمًا له، والعطف يقتضي التغاير كما سبق، بل لم يرد به إلا إناء يوضع فيه ماء.
وأما الطائفة الثانية فأولهم الأزهري قال في (( التهذيب ) )الحلاب في هذا الحديث ضبطه جماعةٌ بالمهملة واللام الخفيفة؛ أي ما يحلب فيه كالمحلب فصحَّفوه، وإنما هو الجُلَّاب بضم الجيم وتشديد اللام، وهو ماء الورد فارسيٌّ معرّب.
وقد أنكر جماعة على الأزهري هذا من جهة أن المعروف في الرواية بالمهملة والتخفيف، ومن جهة المعنى أيضًا؛ لأن الطيب لأن يستعمل بعد الغسل أليق منه قبله وأولى؛ لأنه إذا بدأ به ثمَّ اغتسل أذهبه الماء، قاله ابن الأثير، وكذلك أنكر عليه أبو عبيد الهروي.
ج 2 ص 405
وقال القرطبي الحلاب بكسر المهملة لا يصح غيرها، وقد وهم من ظنه من الطيب، وكذا من قال المراد به _ أي في هذا الحديث _ مَحْلب الطيب بفتح الميم، وكذا من قاله بضم الجيم على أن قوله بتشديد اللام غير صحيح؛ لأن في اللغة الفارسية ماء الورد هو جُلاَب بضم الجيم وتخفيف اللام، أصله كُلاب فلفظ كُل بضم الكاف الصَّماء وسكون اللام اسم للورد عندهم، وآب بمد الهمزة وسكون الباء الموحدة اسم الماء، والقاعدة عندهم أنْ يتقدَّم المضاف إليه على المضاف، وكذا الصفة تتقدم على الموصوف، وإنما الجلَّاب بتشديد اللام اسم لنوع المشروب).
وأما الجماعة الثالثة فمنهم المحب الطبري قال (لم يرد البخاري بقوله(أو الطيب) ما له عرف طيِّب، وإنما أراد تطييب البدن بإزالة ما فيه من وسخ ودرن ونجاسة إن كانت، وإنما أراد بالحلاب الإناء الذي يغتسل منه يبدأ به فيوضع فيه ماء الغسل)، قال وأو في قوله (( أو الطيب ) )بمعنى الواو، وكذا ثبت في بعض الروايات كما ذكره الحميدي، ومحصِّل ما ذكره أنه يحمله على إعداد ماء الغسل ثمَّ الشروع في التنظيف قبل الشروع في الغسل).
هذا، وقيل يحتمل أن يكون البخاري أراد الإشارة إلى ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه «أنه كان يغسل بخَطْمي، ويكتفي بذلك في غسل الجنابة» ، كما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه، ورواه أبو داود مرفوعًا عن عائشة رضي الله عنها بإسناد ضعيفٍ، فكأنه يقول دلَّ هذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعمل الماء في غسل الجنابة، ولم يثبت أنه كان يقدِّم على ذلك شيئًا ممَّا ينقِّي الدرن كالسِّدر وغيره.
ويقوِّي ذلك ما في معظم الروايات بالحلاب أو الطيب فقوله أو يدلُّ على أنَّ الطيب قسيم الحلاب، فيحمل على أنه من غير جنسه، وجميع من اعترض عليه حمله على أنه أراد من جنسه، فلذلك أشكل عليهم، والمراد بالحلاب على هذا الماء الذي في الحلاب، فأطلق على الحال اسم المحلِّ مجازًا.
وقال الكِرماني يحتمل أن يكون أراد بالحلاب الإناء الذي
ج 2 ص 406
فيه الطِّيب، فالمعنى بدأ تارةً بطلب ظرف الطيب، وتارةً بطلب نفس الطِّيب، فدلَّ حديث الباب على الأول دون الثاني. انتهى.
قال الحافظ العسقلاني وهو مستمدٌّ من كلام ابن بطال فإنه قال بعد حكايته لكلام الخطابي وأظنُّ البخاري جعل الحلاب في هذه الترجمة ضربًا من الطيب قال فإن كان ظنَّ ذلك فقد وهم، وإنما الحلاب الإناء الذي فيه طيب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يستعمله عند الغسل، قال وفي الحديث الحضُّ على استعمال الطِّيب عند الغسل تأسِّيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم. انتهى كلامه.
فكأنَّه جعل قوله في الحديث (( فأخذ بكفِّه ) )أي من الطيب الذي في الإناء، فبدأ بشق رأسه الأيمن؛ أي فطيَّبه إلى آخره.
ومحصِّله أنَّ الصفة المذكورة صفة التطيب لا الاغتسال، وهو توجيه حسن بالنسبة لظاهر لفظ الرواية التي ساقها البخاري، لكن من تأمَّل طرق الحديث كما قال الإسماعيلي عرف أن الصفة المذكورة للغسل لا للتَّطيب، فروى الإسماعيلي من طريق مكي بن إبراهيم، عن حنظلة في هذا الحديث (( كان يغتسل بقدح ) )بدل قوله (( بحلاب ) )وزاد فيه (( كان يغسل يديه ثمَّ يغسل وجهه، ثمَّ يقول بيده ثلاث غرف ) )الحديث.
وللجوزقي من طريق حمدان السُّلمي، عن أبي عاصم (( اغتسل فَأُتِي بحلاب فغسل شق رأسه الأيمن ) )الحديث فقوله اغتسل ويغتسل يدلُّ على أنه إناء الماء لا إناء الطيب، وقد مرَّ نقلًا عن الإسماعيلي ما يتعلَّق بذلك.
هذا، وقال الحافظ العسقلاني أيضًا ورأيت عن بعضهم ولا أحفظه أن المراد بالطيب في الترجمة الإشارة إلى حديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت تطيِّب النبيَّ صلى الله عليه وسلم عند الإحرام قال والغسل من سنن الإحرام، فكأنَّ الطيب حصل عند الغسل، فأشار البخاري هنا إلى أن ذلك لم يكن مستمرًِّا من عادته. انتهى.
ويقوِّيه تبويب البخاري بعد ذلك بسبعة أبواب باب من تطيَّب ثمَّ اغتسل وبقي أثر الطِّيب [خ¦270] ، ثمَّ ساق حديث عائشة رضي الله عنها (( أنا طيَّبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ طاف في نسائه، ثمَّ أصبح محرمًا ) )، وفي روايةٍ بعدها [خ¦271] (( كأنِّي أنظر إلى وبيص الطيب _ أي لمعانه _ في مفرقه صلى الله عليه وسلم، وهو محرمٌ ) )، وفي روايةٍ أخرى عنده قبيل هذا الباب [خ¦267] (( ثمَّ يصبح محرمًا يَنْضَخ طيبًا ) )فاستنبط الاغتسال بعد التطيُّب من قولها ثمَّ طاف على نسائه؛ لأنه كناية عن الجماع، ومن لازمه الاغتسال فعرف أنه اغتسل بعد أن تطيَّب وبقي أثر الطِّيب بعد الغسل لكثرته؛ لأنه كان صلى الله عليه وسلم يحبُّ الطيب، ويكثر منه.
فعلى هذا فقوله هنا من بدأ بالحلاب؛ أي بإناء الماء الذي للغسل، فاستدل به لأجل الغسل، أو من بدأ بالطيب عند إرادة الغسل، فالترجمة متردِّدة بين أمرين فدلَّ حديث الباب على مداومته على البُداءة
ج 2 ص 407
بالغسل، وأمَّا التَّطيب بعده فمعروف من شأنه، وأمَّا البداءة بالطيب قبل الغسل فبالإشارة إلى الحديث الذي ذكرناه، وهذا أحسن الأجوبة عندي وأليقها بتصرفات البخاري، والله أعلم.
وعرف من هذا أن قول الإسماعيلي (وأيُّ معنىً للطيب عند الغسل) ، معترضٌ عليه. انتهى.
[1] في هامش الأصل وقد سبق أولًا في باب حلاوة الإيمان. منه.
[2] (( بفتح السين ) )ليست في (خ) .