2819 - (وَقَالَ اللَّيْثُ) أي ابن سعدٍ، كذا أخرجه البخاري معلَّقًا، ووصله أبو نُعيم من حديث يحيى بن بُكير، عن اللَّيث، وقد روى البخاريُّ هذا الحديث في مواضع مسندًا في الأيمان والنُّذر [خ¦6639] عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج.
(حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ) وفي رواية ، وقال المبرد كلاهما صحيحٌ. قال القرطبي الطَّواف الدَّوران حول الشَّيء وهو هاهنا كنايةٌ عن الجماع، واللام فيه لام القسم التي تدخل على جواب القسم، وكثيرًا ما تَحذف معها العربُ المقسمَ به اكتفاء بدَلالتها عليه، لكنَّها لا تدلُّ على مقسم به معيَّن.
(عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ) شكُّ من الرَّاوي، وفي لفظ (( ستين امرأة ) )، وفي رواية (( سبعين ) )، وفي رواية (( مائة ) )من غير شكٍّ، وفي أخرى (( تسعة وتسعين ) )من غير شكٍّ، ولا منافاة بين هذه الرِّوايات؛ لأنَّه ليس في ذكر القليل نفي الكثير، وهو من مفهوم العدد، ولا يعمل به جمهور أهل الأصول (كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ) وفي رواية (يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) جملة في محلِّ الجرِّ على أنَّها صفة فارس.
(فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) قيل يريد به وزيره من الإنس والجن، وقيل المراد به الملك إمَّا جبريل وإمَّا غيره،
ج 13 ص 255
وفي «صحيح مسلم» (( فقال له صاحبه أو الملك ) )، وهو شكٌّ من أحد رواته، وفي رواية له (( فقال له صاحبه ) )بالجزم من غير تردُّد.
وقال القرطبي فإن كان صاحبه فيعني به وزيره من الإنس أو من الجنِّ، وإن كان الملك فهو الذي كان يأتيه بالوحي، قال وقد أبعدَ من قال هو خاطره.
وقال النَّووي قيل المراد بصاحبه هو الملك، وهو الظَّاهر، وقيل القرين، وقيل صاحب له آدمي، وقال العيني الصَّواب أنَّه هو الملك كما ذكره البخاريُّ في النِّكاح [خ¦5242] .
(فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) أي فلم يقل سليمان عليه السَّلام إن شاء الله، بلسانه، لا أنَّه غفل عن التَّفويض إلى الله تعالى بقلبه، فإنَّه لا يليق بمنصب النُّبوة، وإنَّما هذا كما اتَّفق لنبينا صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الرُّوح والخضر وذي القرنين [1] ، فوعدهم أن يأتي بالجواب غدًا جازمًا بما عنده من معرفة الله تعالى، وصدق وعده في تصديقه وإظهار كلمته، لكنه ذهل عن النُّطق بها، لا عن التَّفويض بقلبه، فاتَّفق أن يتأخَّر الوحي عنه، ورمي بما رمي لأجل ذلك، ثمَّ علَّمه الله تعالى بقوله {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا*إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف 23 - 24] الآية؛ أي ولا تقولنَّ لأجل شيءٍ تعزم عليه إنِّي فاعل ذلك الشَّيء غدًا؛ أي فيما يستقبل من الزَّمان ولم يرد الغد خاصَّة.
وقوله {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ} متعلق بالنَّهي لا بقوله {إِنِّي فَاعِلٌ} لأنَّه لو قال إنِّي فاعل كذا إلا أن يشاء الله، كان معناه إلَّا أن تعترض مشيئة الله دون فعله، وذلك ممَّا لا مدخل فيه للنَّهي وتعلقه بالنَّهي على وجهين
أحدهما ولا تقولنَّ ذلك القول إلَّا أن يشاء الله أن تقوله بأن يأذن لك فيه.
والثَّاني ولا تقولنَّه إلَّا بأن يشاء الله؛ أي إلَّا بمشيئة الله، وهو في موضع الحال، يعني إلَّا ملتبسًا بمشيئة الله قائلًا إن شاء الله، فكان بعد ذلك يستعمل هذه الكلمة حتَّى في الواجب.
(فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ) أي من مائة امرأة (إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ) وفي رواية (( بشقِّ غلام ) )، وفي أخرى (( نصف إنسان ) )، وفي أخرى (( فلم تحمل شيئًا إلَّا واحدًا سقط إحدى شفتيه ) ).
(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا) حال، وهو جمع فارس (أَجْمَعُونَ) بالرفع لتأكيد ضمير الجمع الذي في قوله لجاهدوا، ويجوز أجمعين بالنصب تأكيدًا لقوله فرسانًا إن صَّحت الرِّواية، وقيل هو تفسيرٌ لقوله تعالى {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا} [ص 34] .
وفي الحديث الحضُّ على طلب الولد لنيَّة الجهاد في سبيل الله، وقد يكون الولد بخلاف ما أمله فيه، ولكن له الأجر في نيته وعلمه [2] .
وفيه أنَّ من قال
ج 13 ص 256
إن شاء الله، وتبرَّأ من المشيئة ولم يعط الحظَّ لنفسه في أعماله فهو حريٌّ أن يبلغ أمله ويُعطى أمنيته، وليس كلُّ من قال قولًا ولم يستثن فيه المشيئة لا يبلغ أمله، بل منهم من شاء الله إتمام أمله، ومنهم من يشاء أنْ لا يتمَّه بما سبق في علمه، لكن هذه التي أخبرَ عنها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّها ممَّا لو استثنى لتمَّ أمله.
فدلَّ هذا على أنَّ الأقدارِ في عِلْمِ الله عزَّ وجلَّ على ضروبٍ؛ فقد يقدَّر للإنسان الرِّزق والولد والمنزل إن فعل هذا، أو قال أو دعا، فإن لم يفعل ولا قال ولا دعا لم يقدِّر ذلك الشَّيء، وأصل هذا في قصَّة يونس عليه السَّلام {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ*لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات 143 - 144] فبان بهذا أنَّ تسبيحه كان سبب خروجه من بطن الحوت، ولو لم يسبِّح ما خرج منه.
وفيه أنَّ الاستثناء يكون بإثر القول، وإن كان فيه سكوتٌ يسير لم ينقطعْ به دون الأفكار الحائلة بين الاستثناء واليمين، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف 24] ؛ أي إذا نسيت كلمة الاستثناء، ثمَّ تنبَّهت عليها فتداركها بالذِّكر ولو بعد سنةٍ ما لم تحنث. وعن سعيد بن جبير ولو بعد يومٍ أو أسبوع أو شهر أو سنة، وعن طاوس هو على ثنياه ما دام في مجلسه، وعن الحسن نحوه، وعن عطاء يستثنى على مقدار حلب ناقةٍ غزيرة، وعند عامَّة الفقهاء أنَّه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولًا.
ويحكى أنَّه بلغ المنصور أنَّ أبا حنيفة خالف ابن عباس في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه فقال له أبو حنيفة هذا يرجع عليك إنَّك تأخذ البيعة بالأَيْمان أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك، فاستحسن كلامه ورضي عنه، كذا في «الكشاف» .
وفيه ما كان الله تعالى خصَّ به الأنبياء عليهم السَّلام من صحَّة البنية، وكمال الرُّجولية مع ما كانوا فيه من المجاهدات في العبادة، والعادة في مثل ذلك لغيرهم الضَّعْفُ عن الجماع، لكن خرق الله تعالى لهم العادة في أبدانهم كما خرقها لهم في معجزاتهم وأحوالهم، فحصل لسليمان عليه السَّلام من الإطاقة أن يطأ في ليلة مائة امرأة يُنْزِل في كلِّ واحدةٍ منهنَّ ماء، وليس في الأخبار ما يحفظ فيه صريحًا غير هذا إلَّا ما ثبت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه أعطي قوة ثلاثين رجلًا في الجماع.
وقال مجاهد أعطي قوة أربعين رجلًا، كلُّ رجلٍ من أهل الجنة. وهي قوَّة أكثر من قوَّة سليمان عليه السَّلام، وكان إذا صلَّى الغداة دخل على نسائه فطاف عليهنَّ، ثمَّ يَبِيْتُ عند التي هي ليلتها، وذلك لأنَّه كان قادرًا على توفية حقوق الأزواج، وليس يقدر على ذلك غيره مع قلَّة الأكل.
فإن قيل قالت عائشة رضي الله عنها (( يدخل على نسائه فيدنو من كلِّ امرأةٍ منهنَّ يقبِّل ويلمس من غير مسيس ولا مباشرة ) ).
ج 13 ص 257
رواه الدَّارقطني من حديث أبي الزِّناد، عن هشام، عن أبيه.
فالجواب أنَّ هذا ضعيفٌ، قاله العيني.
وقال أيضًا وسمعت بعض المشايخ الكبار الثِّقات أنَّ كلَّ نبي عليه السَّلام من الأنبياء عليهم السَّلام أعطي قوة أربعين رجلًا، ونبينا صلى الله عليه وسلم أعطي قوة أربعين نبيًّا، فيكون له قوة ألف وستمائة رجلٍ، فاعتبر من هذا صبره وزهده كيف قنع بتسع نسوةٍ صلى الله عليه وسلم.
وفيه أنَّه لو قال إن شاء الله لم يحنث، وفيه أنَّه أقسم على شيئين الوطء والولادة، وفعل الوطء حقيقةً والاستيلاد لم يتمَّ، وهذا محمولٌ على أنَّ نبينا صلى الله عليه وسلم أوحي إليه بذلك، وهذا من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم أنَّه يطلع على أخبار الأنبياء السَّالفة والأمم الماضية.
وفيه جواز قوله لو ولولا بعد وقوع المقدَّر، وقد جاء في القرآن كثيرٌ من ذلك، وكذا في كلام الصَّحابة والسَّلف.
وسيأتي ترجمة البخاري هذا باب ما يجوز من اللَّو، وأمَّا النَّهي عنه وأنَّه يفتحُ عمل الشَّيطان فمحمولٌ على من يقول ذلك معْتَمِدًا على الأسباب معرضًا عن المقدور أو متضجرًا منه.
وفيه أنَّه صلى الله عليه وسلم نبَّه هنا على آفة التَّمني والإعراض عن التَّفويض والتَّسليم، ومن آفته نسيان سليمان عليه السَّلام الاستثناء ليمضي فيه القدر السَّابق، كما سبق. وفيه أنَّ الاستثناء لا يكون إلَّا باللفظ ولا يكفي فيه النِّية، وهو قول الأئمَّة الأربعة والعلماء كافَّة، وادَّعى بعضهم أنَّ قياس قول مالكٍ أنَّ اليمين تنعقد بالنِّية ويصحُّ الاستثناء بها من غير لفظه ومنع ذلك. وفيه جواز الإخبار عن الشَّيء ووقوعه في المستقبل بناء على الظَّن، فإنَّ هذا الإخبار راجعٌ إلى ذلك، وقال بعض الشَّافعية أجاز أصحابنا الحلف على الظَّن الماضي، وقالوا يجوز أن يحلفَ على خطِّ مُوَرِّثه إذا وثقَ بخطه، وجوَّزوا العمل بذلك.
وفيه استحباب التَّعبير باللَّفظ الحسن عن غيره
ج 13 ص 258
فإنَّه عبَّر عن الجماع بالطَّواف، نعم لو دعت ضرورة شرعيَّة إلى التَّصريح به لم يعدل عنه.
فإن قيل من أين لسليمان عليه السَّلام أنَّ الله تعالى يخلق من مائة في تلك الليلة مائة غلامٍ؟ لا جائزٌ أن يكون بوحي؛ لأنَّه ما وقع، ولا أن يكون الأمر في ذلك إليه؛ لأنَّه لا يكون إلَّا ما يريد الله تعالى.
فالجواب ما قاله ابن الجوزي أنَّه من جنس التَّمني على الله والسُّؤال له عزَّ وجلَّ أن يفعلَ، والقسم عليه كقول أنس بن النَّضر والله لا تكسر ثنيَّة الرُّبيِّع، قيل عليه قول أنسٍ ليس بتمنٍّ ألا ترى أنَّ الشَّارع سمَّاه قسمًا، فقال (( إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه ) )، فسمَّاه قسمًا ولم يسمِّه تمنيًا. وفيه أنَّه في معنى التَّمني، والله تعالى أعلم.
[1] في هامش الأصل والسائلون هم اليهود. منه.
[2] في هامش الأصل وتفصيله في تفسير القاضي والكشاف. منه.