2825 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) أي ابن بحر بن كثير، أبو جعفر الباهلي البصري قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن سعيدٍ القطَّان قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) أي ابن جبر (عَنْ طَاوُسٍ) أي ابن كيسان اليماني.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ) أي فتح مكَّة، قال الخطَّابي وغيره كانت الهجرة فرضًا في أوَّل الإسلام على من أسلم لقلَّة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلمَّا فتح الله مكَّة، دخل النَّاس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة وبقيَ فرض الجهاد
ج 13 ص 273
والنيَّة على من قام به أو نزل به عدو. انتهى.
وكانت الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على من أسلم ليَسلم من أذى ذويه من الكفار، فإنَّهم كانوا يعذِّبون من أسلم منهم إلى أن يرجعَ عن دينه، وفيهم نزلت {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء 97] الآية.
وهذه الهجرة باقية الحكم في حقِّ من أسلم في دار الكفر وقَدِرَ على الخروج منها، وقد روى النَّسائي من طريق بَهْزٍ بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا (( لا يقبل الله من مشركٍ عَمَلًا بعد ما أسلمَ أو يفارق المشركين ) ). ولأبي داود من حديث سمُرة مرفوعًا (( أنا بريءٌ من كلِّ مسلمٍ يُقيم بين أظهر المشركين ) )، وهذا محمولٌ على من لا يأمن على دينه.
وسيأتي مزيد لذلك في أبواب الهجرة، من أول كتاب (( المغازي ) ) [خ¦2782] ، إن شاء الله تعالى.
(وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) هذا الاستدراك يقتضِي مخالفة ما بعده لما قبله، والمعنى أنَّ الهجرة، التي هي مفارَقَةُ الوطن التي كانت مطلوبةً على الأعيان، إلى المدينة قد انقطعتْ، إلَّا أنَّ المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نيةٍ صالحةٍ، كالفرارِ من دار الكفرِ، والخروج في طلب العلمِ، والفرار بالدِّين من الفتن، والله تعالى أعلم.
(وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) قال النَّووي يريد أنَّ الخير الذي انقطعَ بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنِّية الصَّالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصَّالحة فاخرجوا إليه.
وقال الطِّيبي قوله (( ولكن جهاد ) )معطوفٌ على محلٍّ مدخولِ (( لا هجرة ) )؛ أي الهجرة من الوطن إمَّا للفرار من الكفَّار، أو إلى الجهاد، أو إلى غير ذلك لطلبِ العلم، فانقطعتِ الأولى وبقيتْ الأخريان، فاغتنموها ولا تقاعدوا عنها، بل إذا استُنْفِرْتُم فانفِرُوا.
وقال الحافظ العسقلاني وليس الأمر في انقطاع الهجرة من الفرار من الكفَّار على ما قال، وقد تقدَّم تحرير ذلك.
وقال ابنُ العربي الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 13 ص 274
واستمرَّت بعده لمن يخاف على نفسهِ ولكن انقطعت أصلًا وهي القصدُ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم حيث كان.
وفي الحديث بشارة بأنَّ مكَّة تبقى دار الإسلام أبدًا، وكذا المدينة نوَّرنا الله تعالى برؤيتهما، وفيه وجوب تعين الخروج في الغزو على من عيَّنه الإمام، وأنَّ الأعمال تعتبر بالنِّيات.
فائدة قال ابنُ أبي جمرَة ما مُحَصَّلُه إنَّ هذا الحديث يمكن تنزيله على أحوال السَّالك؛ لأنَّه أولًا يؤمر بهجرةِ مألوفاتِه حتَّى يحصل له الفتح، فإذا حصل أمر بالجهاد وهو مجاهدة النَّفس والشَّيطان مع النِّية الصَّالحة في ذلك، والحديث قد مضى في باب فضل الجهاد [خ¦2783] .