2840 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هو إسحاقُ بن إبراهيم بن نصر السَّعدي البخاري، وكان ينزلُ بالمدينة بباب بني سعد، يروي عنه
ج 13 ص 304
البخاري في غير موضعٍ من كتابه مرَّة يقول إسحاق بن نصر [خ¦278] [خ¦388] ، فينسبه إلى جدِّه، ومرةً يقول إسحاق بن إبراهيم بن نصر [خ¦978] [خ¦3361] ، فينسبه إلى أبيه.
قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابنُ همام، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز بن جريج (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاري (وَسُهَيْلُ) مصغر سهل (ابْنُ أَبِي صَالِحٍ) لم يخرج له البخاري موصولًا إلَّا هذا ولم يحتجَّ به، ولهذا قرنه بيحيى بن سعيد، وقد اختلف في إسناده على سهيل؛ فرواه الأكثر عنه هكذا، وخالفهم شعبة؛ فرواه عنه عن صفوان بن يزيد، عن أبي سعيد، أخرجه النَّسائي، ولعلَّ لسُهَيل فيه شيخين.
وأخرجه النَّسائي أيضًا من طريق أبي معاوية، عن سهيل، عن المَقْبُري عن أبي سعيدٍ، ووهم فيه أبو معاوية، وإنَّما يرويه المقبري عن أبي هريرة لا عن أبي سعيدٍ.
وإنَّما رواه سهيل من حديث أبي سعيد، عن أبيه عنه، لا عن المَقْبُري، وكذلك أخرجه النَّسائي من طريق سعيد بن عبد الرَّحمن، عن سهيل، عن أبيه، وكذا أخرجه أحمد، عن أنس بن عياض، عن سُهَيل، والله تعالى أعلم.
(أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ) بضم النون (بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ) بفتح العين المهملة وتشديد المثناة التحتية وبالشين المعجمة، واسمه زيد بن الصَّلت، وقيل زيد بن النُّعمان الزُّرَقي، بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف الأنصاري، وثَّقه يحيى وابن حبَّان كذلك.
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك الخدري الأنصاري رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ) أي ذاته أو عضوه المخصوص وهو كنايةٌ عن الكلِّ (عَنِ النَّارِ) قال النَّووي وغيره إنَّ المباعدة عن النَّار يراد بها المعافاة منها دون أن يكون المرادُ منها بُعْدَ المسافةِ المذكورة في الحديث.
وقال العينيُّ لا مانع من الحقيقة كما لا يخفى، ثمَّ هذا يقتضي إبعاد النَّار عن وجه الصَّائم،
ج 13 ص 305
فإذا كان المراد من الوجه الذَّات، كما في قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص 88] كان المراد إبعاد الصَّائم نفسه، كما في بعض الرِّوايات، وإن كان المراد حقيقة الوجه يكون الإبعاد من الوجه فقط، وليس فيه إنْ بقي الجسد أن تنالَه النَّارُ إلاَّ أنَّ الوجه كان أبعدَ من النَّار من سائر جسده، وذلك لأنَّ الصِّيام يحصل منه الظَّمأ، ومحله الفم؛ لأنَّ الريَّ يحصل بالشُّرب في الفم انتهى. والظَّاهر ما ذكرناه آنفًا.
(سَبْعِينَ خَرِيفًا) أي سنةً؛ لأنَّ السَّنة تستلزم الخريف، فهو من باب الكناية، واختلفت الرِّوايات في مقدار المباعدة من النَّار.
ففي حديث عقبة بن عامرٍ رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أخرجه النَّسائي (( من صام يومًا في سبيل الله باعد الله منه جهنَّم مائة عامٍ ) ). وفي حديث عَمرو بن عنبسة، أخرجه الطَّبراني في «الكبير» كذلك (( مائة عامٍ ) )، وكذا في حديث عبد الله بن سفيان، أخرجه الطَّبراني أيضًا. وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه أخرجه ابن عدي في «الكامل» (( من صام يومًا في سبيل الله تباعد عنه جهنَّم مسيرة خمسمائة عامٍ ) ). وفي حديث أبي أمامة رضي الله عنه، أخرجه التِّرمذي، وتفرَّد به عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من صام يومًا في سبيل الله جعل الله بينه وبين النَّار خندقًا كما بين السَّماء والأرض ) ). وكذا رواه الطَّبراني في «الصغير» عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه، وكذا رواه عن جابرٍ، وفي رواية ابن عساكر (( أبعده الله من النَّار مسيرة مائة سنةٍ حُضْرَ الفَرَسِ الجَواد ) ).
وفي حديث عتبة بن المنذر، أخرجه الطَّبراني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من صام يومًا في سبيل الله فريضةً باعد الله منه جهنَّم، كما بين السَّماوات والأرضين السَّبع، ومن صام يومًا تطوعًا باعد الله منه جهنَّم ما بين السَّماء والأرض ) ). وفي حديث سلامة بن قيصر، أخرجه الطَّبراني في «الكبير» قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من صام يومًا ابتغاء وجه الله بعَّده الله من جهنَّم بعد غراب طار وهو فرخ حتَّى مات هرمًا ) ).
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه التِّرمذي أنَّه قال (( من صام
ج 13 ص 306
يومًا في سبيل الله زحزحه الله عن النَّار سبعين خريفًا )) أحدهم؛ أي أحد الرُّواة، يقول سبعين، والآخر يقول أربعين.
وقال التِّرمذي هذا حديثٌ غريبٌ، وفي حديث سهل بن معاذ، عن أبيه، أخرجه أبو يعلى الموصلي (( من صام يومًا في سبيل الله متطوعًا في غير رمضان بُعِّدَ من النَّار مائة عامٍ سير المُضَمَّر المَجيد ) ). وفي حديث ابن عساكر، عن ابن عمر رضي الله عنهما (( من صام يومًا في سبيل الله فهو بسبعمائة يوم ) ).
ووجه التَّوفيق بين هذه الرِّوايات أنَّ ذِكْرَ العَدَدِ ليس للتَّحديد بل للتَّكثير، وقال القرطبي إنَّه وَرَدَ ذِكْرُ السِّبعين لإرادة التَّكثير كثيرًا، وقد يقال إنَّ الأصل أن يرجح ما طريقه صحيحةٌ، وأصحُّها روايةً (( سبعين خريفًا ) )فإنَّها متفقٌ عليها من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
وجواب آخر إنَّ الله تعالى أَعْلَمَ نبيَّه صلى الله عليه وسلم أولًا بأقلِّ المسافات في الأبعاد ثمَّ أَعْلَمَه بعد ذلك بالزِّيادة على التَّدريج في مراتب الزِّيادة، ويحتمل أن يكون ذلك بحسب اختلاف أحوال الصَّائمين في كمال الصَّوم ونقصانه، والله تعالى أعلم.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقد أخرجه مسلم في الصَّوم، والتِّرمذي في الجهاد، والنَّسائي في الصوم، وكذا ابن ماجه.