2845 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) أبو محمد الحجبيُّ البصريُّ، قال (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الهُجَيميُّ، بضم الهاء وفتح الجيم، وقد مرَّ في استقبال القبلة [خ¦393] ، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبدُ الله بن عَون، بفتح العين المهملة، وقد مرَّ في العلم [خ¦67] (عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ) أي ابن مالك أنَّه (قَالَ وَذَكَرَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ) الواو فيه للحال، وفي رواية الحمُّويي بلا واو، واليَمَامة، بفتح الياء المثناة التحتية وتخفيف الميم، هي مدينةٌ من اليمن على مرحلتين من الطَّائف، سمِّيت باسم جارية زرقاء كانت تبصر الرَّاكب من مسيرة ثلاثة أيَّام.
وقال الجوهريُّ اليمامة بلاد، وكان اسمها الجو، فسمِّيت باسم هذه المرأة لكثرة ما أضيف إليها، وذكر الجاحظ أنَّ اليمامة كانت من بنات لقمان بن عاد، وأنَّ اسمها عنز، وكانت زرقاء.
وقال المسعوديُّ هي يمامة بنت رباح بن مرَّة، ويوم اليمامة هو اليوم الذي كانت فيه الوقعة بين المسلمين وبين بني حنيفة أصحاب مسيلمة الكذَّاب، وكانت في ربيع الأول من سنة اثنتي عشرة من الهجرة، في خلافة أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه، وقيل كانت في أواخر سنة إحدى عشرة.
والجمع بين القولين أنَّ ابتداءها كان في سنة إحدى عشرة، وانتهاءها في السنة الثَّانية عشر، وقتل فيها جماعة من المسلمين وهم أربعمائة وخمسون من حَمَلةِ القرآن ومن الصَّحابة رضي الله عنهم منهم ثابت بن قيس بن شماس، وكانت راية الأنصار مع ثابت، هذا، وكان رأس العسكر خالد بن الوليد رضي الله عنه، وكان بنو حنيفة نحوًا من أربعين ألفًا، والمسلمون نحوًا من ألف ومائتين، وقيل غير ذلك، وقتل من بني حنيفة نحو من أحد وعشرين ألفًا فيهم مسيلمة الكذَّاب، قتله وحشيُّ بن حرب، قاتل حمزة رضي الله عنه، رماه بحربةٍ فأصابته وخرجت من الجانب الآخر، وسارع إليه أبو دجانة سماك بن حرثة فضربه بالسيف فسقط.
(قَالَ أَتَى
ج 13 ص 316
أَنَسٌ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ) بارتفاع أنس بالفاعلية، وانتصاب ثابت بالمفعولية، وثابت هذا ابن قيس بن شَمَّاس، بفتح المعجمة وتشديد الميم وبالمهملة، الخزرجيُّ، خطيبُ الأنصار، قتل يوم اليمامة شهيدًا، قال الحميديُّ كذا قال، لم يذكر عن أنس.
وأخرجهُ البرقانيُّ من وجهٍ آخر، فقال عن موسى بن أنس، عن أبيه قال (( أتيتُ ثابت بن قيسٍ ) ).
وقال الحافظ العسقلانيُّ وصله الطبرانيُّ والإسماعيليُّ من طريق ابن أبي زائدة، عن ابن عون.
وقال ابن سعدٍ في «الطبقات» ثنا الأنصاري ثنا ابن عون ثنا موسى بن أنس، عن أنس بن مالك قال (( لمَّا كان يوم اليمامة جئت إلى ثابت بن قيس بن شمَّاس ) ). فذكره.
وأخرجهُ الحاكم في «المستدرك» من طريقٍ أخرى عن الأنصاريِّ كذلك.
(وَقَدْ حَسَرَ) بمهملتين مفتوحتين؛ أي كشف والواو للحال (عَنْ فَخِذَيْهِ وَهْوَ يَتَحَنَّطُ) أي يستعمل الحنوط، والواو للحال أيضًا (فَقَالَ يَا عَمِّ) إنما دعاه بذلك؛ لأنَّه كان أسنَّ منه ولأنَّه من قبيلة الخزرج (مَا يَحْبِسُكَ) أي ما يؤخِّرك (أَنْ لاَ تَجِيءَ) بالنصب، قال الكِرمانيُّ لا زائدة، ويروى (( ألا تجيءُ ) )بالرفع وتخفيف اللام، وفي رواية الأنصاري (( فقلت يا عمِّ، أَلا ترى ما يلقى النَّاس؟ ) )، وزاد معاذ بن معاذ، عن ابن عون عند الإسماعيليِّ (( ألا تجيءُ ) )، وكذا في رواية خليفة في «تاريخه» عن معاذ، وقال في جوابه بلى يا ابن أخي الآن.
(قَالَ الآنَ يَا ابْنَ أَخِي، وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ، يَعْنِي مِنَ الْحَنُوطِ) كذا في الأصول، وكأنَّ قائلها أراد دفع من يتوهَّم أنَّها من الحنطة، أو أراد أن لا يتصحَّف بما يشتقُّ من الخياطة، أو من شيءٍ آخر فتدبَّر، ولم يقع ذلك التَّفسير في رواية الأنصاري.
(ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ) أي ثابت بن قيس (فَذَكَرَ) أي أنس رضي الله عنه (فِي الْحَدِيثِ) أي في حديثه (انْكِشَافًا مِنَ النَّاسِ) أي نوعًا من الانهزام، وفي رواية ابن أبي زائدة (( فجاء حتَّى جلس في الصفِّ والناس ينكشفون ) )؛ أي ينهزمون.
(فَقَالَ هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا)
ج 13 ص 317
أي افسحوا لنا (حَتَّى نُضَارِبَ الْقَوْمَ، مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أشار إلى انفراج بين وجوه المسلمين والكافرين، يعني بل كان الصفُّ الأول لا ينحرف عن موضعه وكان الصفُّ الثاني مساعدًا لهم (بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ) هكذا في رواية الأكثرين. وفي رواية المُسْتَمليِّ ، فعلى الأوَّل أقرانكم بالنَّصب على أنَّه مفعول عوَّدتم، وعلى الثاني بالرفع على أنَّه فاعل عوَّدكم، والأقران النُّظراء وهو جمع قِرن، بكسر القاف وهو الذي يعادل الآخر في الشدَّة والبأس، والقَرن، بفتح القاف من يعادل في السنِّ.
وأراد ثابت رضي الله عنه بهذا الكلام توبيخ المنهزمين؛ أي عوَّدتم نظراءكم في القوة من عدوِّكم الفرار منهم حتَّى طمعوا فيكم، وزاد معاذ بن معاذ والأنصاري وابن أبي زائدة في روايتهم (( فتقدَّم فقاتل حتَّى قتل رضي الله عنه ) ).
وفي الحديث دلالةٌ على الأخذ بالشدَّة في استهلاك النَّفس وغيرها في ذات الله تعالى، وترك الأخذ بالرُّخصة لمن قدر. وفيه أنَّ التطيُّب سنَّةٌ للموت من أجل مباشرة الملائكة للميِّت. وفيه التَّداعي للقتال؛ لأنَّ أنسًا رضي الله عنه قال (( يا عمِّ، ما يحبسك أن لا تجيء؟ ) )وفيه قوَّة ثابت بن قيس وصحَّة يقينه وصدق نيَّته. وفيه التَّوبيخ لمن يفرُّ من الحرب. وفيه الإشارةُ إلى ما كان عليه الصَّحابة رضي الله عنهم في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم من الشَّجاعة والثَّبات في الحرب، واستدلَّ به على أنَّ الفخذ ليست عورة. وقد مضى البحث فيه في أوائل كتاب الصلاة [خ¦371 قبل] ، ومطابقةُ الحديث للترجمة في قوله (( وهو يتحنَّط ... وجعل يتحنَّط ) )، والحديثُ من أفراد البخاريِّ.
(رَوَاهُ) أي روى الحديث المذكور (حَمَّادٌ) هو ابنُ سلمة (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وهذا التَّعليق وصله البرقانيُّ، عن أبي العباس بن حمدان بالإسناد، عن قبيصة بن عقبة، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه بلفظ (( انكشفنا يوم اليمامة فجاء ثابت بن قيس بن شماس، فقال بئسما عوَّدتم أقرانكم منذ اليوم، وقال اللَّهمَّ إني أبرأ إليك ممَّا
ج 13 ص 318
جاء به هؤلاء القوم، وأعوذ بك ممَّا صنع هؤلاء خلُّوا بيننا وبين أقراننا ساعةً، وقد كان تكفَّن وتحنَّط فقاتل حتَّى قتل )) .
قال وقتل يومئذٍ سبعون من الأنصار، فكان أنسٌ رضي الله عنه يقول (( يا رب، سبعين من الأنصار يوم أحدٍ، سبعين يوم مُؤتة، سبعين يوم بئر معونة، سبعين يوم اليمامة ) )، وبالله المستعان.
وقد أخرجهُ ابن سعدٍ والطَّبراني والحاكم من طرق عن ثابت، عن أنسٍ رضي الله عنه ولفظه (( أنَّ ثابت بن قيس بن شمَّاس جاء يوم اليمامة وقد تحنَّط ولبس ثوبين أبيضين يكفَّن فيهما، وقد انهزم القوم فقال اللَّهم إنِّي أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذر إليك ممَّا صنع هؤلاء، ثمَّ قال بئسما عوَّدتم أقرانكم منذ اليوم خلُّوا بيننا وبينهم ساعةً، فحمل فقاتل حتَّى قُتِل، وكانت دِرْعه قد سرقت، فرآه رجلٌ فيما يرى النائم، فقال إنَّها في قدرٍ تحت كانون بمكان كذا وكذا، وأوصاه بوصايا فوجدوا الدِّرع كما قال، وأنفذوا وصاياه ) ).
وأخرج الحاكمُ قصَّة الدِّرع مطوَّلةً من وجهٍ آخر عن بنت ثابت بن قيس المذكور. وفيه (( أنَّه أوصى بعتق بعض رقيقه ) )، وعند الترمذيِّ قال أنس رضي الله عنه (( لمَّا انكشف الناس يوم اليمامة قلتُ لثابت ) ). فذكر الحديث، وفيه (( وكان عليه درع نفيسة فمرَّ به رجلٌ من المسلمين فأخذها ) ).
وفيه لما رُئي في المنام ودلَّ على الدِّرع قال لا تقلْ هذا منام، فإذا جئت أبا بكرٍ رضي الله عنه فأعلمه أنَّ عليَّ من الدين كذا وفلانٌ من رقيقي عتيق، وفلان فأنفذ أبو بكر وصيَّته، ولا يعلم أحدٌ أُجِيْزَتْ وصيتُه بعد موته سواه.
ج 13 ص 319
وسمَّى الواقدي في كتاب «الردة» من أوصى بعتقه وهما سعد وسالم، وأفاد أنَّ رائي المنام هو بلال المؤذِّن رضي الله عنه، وفيه (( أنَّ درعي مع الرفقة الَّذين معهم الفرس الأبلق تحت قدرهم، فإذا أصبحتَ فخُذْها وأدِّها إلى أهلي وإنَّ عليَّ شيئًا من الدَّين فمرهم أن يقضوه عنِّي، فأخبرت أبا بكر رضي الله عنه بذلك فقال نصدِّق قولك ونقضي عنه دينه الَّذي ذكرته ) )، وفيه (( أنَّ عبدِي سَعْدًا وسالمًا حرَّان ) ).
وقال الكَرمانيُّ (( قال له أنس لمَّا انكشف النَّاس يومئذٍ ألا ترى يا عم؟ فقال ما هكذا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بئسما عوَّدتم أقرانكم. ثمَّ قاتل حتَّى قتل، وكان عليه درعٌ نفيسةٌ فمرَّ به رجلٌ من المسلمين فأخذها، فرآه أصحابه في المنام، فقال إنِّي أوصيك بوصيَّةٍ فلا تضيِّعها إني لمَّا قتلت أَخَذَ رجلٌ دِرعي، ومنزله في أقصى النَّاس، وعند خبائه فرس، وقد كفأ على الدِّرع بُرْمة، وفوق البرمة رَحْلٌ فأتِ خالدًا، وكان أمير العسكر، وقُلْ له يأخذ درعي منه، فإذا قدمت المدينة فقل لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني أبا بكر رضي الله عنه إنَّ عليَّ من الدين كذا وكذا، وفلانٌ من رقيقي عتيقٌ، فأتى الرجل خالدًا رضي الله عنه فأخبره، فبعث إلى الدِّرع فأتى بها، وحدَّث أبا بكر رضي الله عنه، فأجاز وصيَّته، ولا نعلمُ أحدًا أُجِيْزَتْ وصيَّته بعد موته غير ثابتٍ ) )، وهو من الغرائب.