2870 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنِديُّ، قال (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ) هو ابنُ عمرو الأزديُّ، قال (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاريُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بن أبي عيَّاش الأسديِّ المدينيِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ سَابَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ، فَأَرْسَلَهَا مِنَ الْحَفْيَاءِ) بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها تحتانية. وحكى الحازميُّ بتقديم التحتانية على الفاء. وحكى القاضي عياض ضم أوله وخطأه،
ج 13 ص 372
وقد مرَّ آنفًا [خ¦2868] .
(وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ فَقُلْتُ) القائل هو أبو إسحاق (لِمُوسَى) أي ابن عقبة (فَكَمْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ) وفي الرواية السابقة (( قال سفيان من الحيفاء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة ) )، وهذا اختلافٌ قريب. وقد وقع في رواية الترمذيِّ من طريق عبيد الله بن عمر إدراجُ ذلك في نفس الخبر، والخبر بالستة وبالميل.
(وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ، فَأَرْسَلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَانَ أَمَدُهَا مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ قُلْتُ) القائل أبو إسحاق أيضًا (فَكَمْ بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا مِمَّنْ سَابَقَ إِلَيْهَا) أي بالخيل التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق.
وفي الحديث مشروعيَّة المسابقة، وأنَّه ليس من العبث، بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرةٌ بين الاستحباب والإباحة، بحسب الباعث على ذلك، وجعلها بعضهم سنَّةً، وبعضهم مباحة.
وقال القرطبيُّ لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدَّواب وعلى الأقدام، وكذا الترامي بالسِّهام، واستعمال الأسلحة؛ لما في ذلك من التَّدريب على الحرب. انتهى.
وفيه جواز إضمار الخيل ولا يخفى اختصاص استحبابه بالخيل المعدَّة للجهاد. وفيه تجويع البهائم على وجه الإصلاح عند الحاجة إلى ذلك، فهو خارجٌ من تعذيب البهائم. وفيه أنَّ المسابقةَ بين الخيل يجب أن يكون أمدُها معلومًا، وأن تكون الخيلُ متساويةَ الأحوال، أو متقاربة، وأن لا يسابق المضمر مع غيره، وهذا مُجْمَعٌ عليه؛ لأنَّ صبر الفرس المجوَّع في الجري أكثرُ من صبر المعلوف؛ فلذلك جعلت غاية المضمرة ستَّة أميال أو سبعة، وجعلت غاية المعلوفة ميلًا واحدًا.
وفيه تنزيل الخلق منازلهم؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم غاير بين منزلة المُضَمَّر وغير المُضَمَّر، ولو خلطها لأتعب غير المُضَمَّر.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وفيه نسبة الفعل إلى الآمر به؛ لأنَّ قوله (( سابق ) )أي أمر وأباح.
ج 13 ص 373
وتعقَّبه العينيُّ بما لا طائل تحته حيث قال ليت شعري ما وجه هذه النِّسبة.
وقد صرَّح ابن عمر رضي الله عنهما بأنَّه صلى الله عليه وسلم سَابَقَ، وهو في الحقيقة إسناد السِّباق إلى نفسه، ولا معنى للعدول عن الحقيقة إلى المَجاز من غير داعٍ ضروريٍّ، وقد صرَّح أحمد في «مسنده» من رواية عبد الله بن عمر، المكبَّر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وراهن ) ). انتهى.
وأنت خبيرٌ بأنَّ الظَّاهر أنَّ هذا إسنادٌ مجازيٌّ لا حقيقيٌّ، فافهم. ولم يتعرَّض في هذا الحديث للمراهنة على ذلك.
قد ترجم الترمذيُّ له باب المراهنة على الخيل، ولعلَّه أشار إلى الحديث الذي رواه أحمد، وقد أجمع العلماء على جواز المسابقة بلا عوض، لكن قصرها مالك والشافعيُّ على الخفِّ والحافر والنَّصل.
وخصَّه بعض العلماء بالخيل، وأجازه عطاء في كلِّ شيء، وأمَّا المسابقة بعوضٍ فإن كان المال شرط من جانبٍ واحدٍ بأن يقول أحدهما لصاحبه إن سبقتني فلك كذا، وإن سبقتك فلا شيء لي، فهو جائز، وحكي عن مالك أنَّه لا يجوز؛ لأنَّه قِمار ولو شُرِطَ المال من الجانبين حَرُمَ بالإجماع، إلَّا إذا أدخلا ثالثًا بينهما بشرط أن لا يُخْرِجَ من عنده شيئًا؛ ليَخْرُجَ العقدُ عن صورة القمار، وقالا للثالث إن سبقتنا فالمالان لك، وإن سبقناك فلا شيءَ لنا عليك، وهو فيما بينهما، أيُّهما سَبَقَ أَخَذَ الجُعْلَ عن صاحبه.
وسأل الأشهب مالكًا عن المحلِّل قال لا أحبُّه.
ولنا ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( من أدخل فرسًا بين فرسين، وهو لا يأمن أن يسبق فليس قمارًا، وإن أمن أن يُسبق فهو قمار ) ).
فلهذا يشترط أن يكون فرس المحلِّل مكافئًا لفرسيهما، أو بعيريهما، وإن لم يكن مكافئًا بأن كان بطئًا فهو قِمار. وقال محمد إدخال الثالث إنَّما يكون حِيْلَةً إذا توهَّم سبقه، كذا في «التتمة» .
وقد اتَّفقوا على جواز المسابقة بعوض بشرط أن يكون العوضُ من غير المتسابقين كالإمام؛ حيث لا يكون له معهم فرس.
وفيه أنَّ المراد بالمسابقة بالخيل
ج 13 ص 374
كونها مركوبةً لا إرسال الفرسين بغير راكبٍ؛ لقوله في الحديث (( وأنَّ عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها ) )كذا استدلَّ به بعضهم.
وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الذي لا يشترط الرُّكوب لا يمنع صورة الركوب، وإنَّما احتجَّ الجمهور بأنَّ الخيل لا تهتدي بأنفسها لقصد الغاية بغير راكبٍ وربما تفرَّقت. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الاهتداء لا يختصُّ بالركوب، فلو أنَّ السَّائس كان ماهرًا في الجري؛ بحيث لو كان مع كلِّ فرسٍ ساعٍ يهديها إلى الغاية لأمكن. وفيه جواز إضافة المسجد إلى قومٍ مخصوصين، وقد ترجم له البخاري في كتاب الصلاة [خ¦420] .
تتمة يشترط في المسابقة في الحيوان تحديد المسافة كما سبق، وكذا في المناضلة بالرمي، والمسابقة بالأقدام تجوز إذا كان المال مشروطًا من جانبٍ واحدٍ، وبه قال الشافعيُّ في قول، وقال في المنصوص لا تجوز، وبه قال مالك وأحمد.
ولا تجوز المسابقة في البِغال والحمير، وبه قال الشافعيُّ في قول، ومالك وأحمد إذا كان بجعل، وعن الشافعيِّ في قول تجوَّز.
ومطابقةُ الحديث للترجمة ظاهرة، وأخرجه مسلمٌ أيضًا في المغازي.