2898 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابن سعيدٍ، قال (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمَّد، وقد مضى عن قريبٍ [خ¦2893] (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ) كان ذلك في غزوة خيبر، وقال ابنُ الجوزي كان يوم أحد.
(فَاقْتَتَلُوا، مَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ) قيل اسمه قُزْمان، بضم القاف وسكون الزاي وبالنون، وهو معدودٌ في المنافقين، وكان تخلف يوم أحدٍ فعيَّره النِّساء وقلن له ما أنت إلَّا امرأة، فخرج فكان أوَّل من رمى بسهمٍ، ثمَّ كَسَرَ جَفْن سَيْفِه ونادى يا آل الأوس، قاتلوا على الأحساب، فلمَّا جُرِحَ مرَّ به قتادة بن النُّعمان فقال له هنيئًا لك الشَّهادة فقال إنِّي والله ما قاتلت على دين، ما قاتلت إلَّا على الحِفَاظ، ثمَّ قَتَلَ نَفْسَه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله ليؤيِّد
ج 13 ص 415
هذا الدِّين بالرَّجل الفاجر )) .
(لاَ يَدَعُ) أي لا يترك (لَهُمْ شَاذَّةً وَلاَ فَاذَّةً) الشَّاذة بشين وذال معجمتين، والفاذَّة بالفاء وتشديد الذال المعجمة. قال الخطَّابي الشَّاذة هي التي كانت في القوم، ثمَّ شذَّت منهم، والفاذة من لم يختلط معهم أصلًا. وقال الدَّاودي الشَّاذة والفاذَّة ما صغر وكبر ويركب كلُّ صعب وذلول، والتَّأنيث باعتبار النَّفس والنَّسمة، أو على وجه المبالغة كما قالوا علاَّمة ونسَّابة.
(إِلاَّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ) يعني أنَّه لا يُبْقِي شيئًا إلَّا أتى عليه (فَقَالَ) أي قال قائلٌ (مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلاَنٌ) أجزأ بجيم وزاي وهمزة، يعني ما أغنى ولا كفى.
وقال القرطبيُّ كذا صحَّت فيه روايتنا رباعيًّا، وفي «الصحاح» أجزأني الشَّيء كفاني، وجزأ عنِّي هذا الأمر؛ أي قضي، ويقال أجزأت عنك؛ أي أغنيت عنك.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أَنَا صَاحِبُهُ، قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وقف مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ فَجُرِحَ) على البناء للمفعول (الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ، وَذُبَابَهُ) ذباب السَّيف طرفه الذي يضرب به، وقال ابنُ فارس ذباب السَّيف حدُّه.
(بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) قال ابن فارس الثَّدي للمرأة، والجمع الثَّدي، يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وثندوة الرَّجل كثدي المرأة، وهو مهموز إذا ضُمَّ أولُه، فإذا فُتِحَ لم يُهمز، ويقال هو طرف الثَّدي.
(ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ) أي مال عليه، يقال تحاملتُ على الشَّيء إذا تَكَلَّفتَ الشَّيءَ على مشقَّة(فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ، وَذُبابهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ
ج 13 ص 416
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو)أي يظهر (لِلنَّاسِ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) .
وفي الحديث إشارةٌ إلى أنَّ الشَّهيد لا يدخل النَّار؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال إنَّه من أهل النَّار، وقد تقدَّم أنَّه كان معدودًا في المنافقين، فلا يرد أنَّه لم يتبيَّن منه إلَّا قتل نفسه، وهو بذلك عاصٍ لا كافر.
ولا حاجة إلى أن يقال إنَّه يحتمل أن يكون النَّبي صلى الله عليه وسلم اطَّلع على كُفْرِه في الباطن، أو إنَّه استحلَّ قتل نفسه، أو إنَّ المراد بكونه من أهل النَّار أنَّه من العصاة الذين يدخلون النَّار، ثمَّ يخرجون منها على ما قال الكِرماني.
وفي الحديث وقوع ما أخبر به الشَّارع معنى، وهو من علامات النُّبوة، وفيه جواز طلب ما يطمئن به قلبُ المؤمن. وفيه أنَّ الاعتبار بالنِّيات وبالخواتيم، وفيه أنَّ الله يؤيِّد دينه بالرَّجل الفاجر.
ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّهم شهدوا برجحانه في أمر الجهاد، فلو كان قتل لم يمتنع أن يشهدوا له بالشَّهادة.
وقد ظهر منه أنَّه لم يقاتل لله، وإنَّما قاتل غضبًا، فلا يطلق على كلِّ مقتولٍ في الجهاد بأنَّه شهيدٌ؛ لاحتمال أن يكون مثل هذا وإن كان مع ذلك يُعْطى حكم الشَّهادة في الأحكام الظَّاهرة. ولذلك أطبق السَّلف على تسمية المقتولين في بدر وأحد وغيرهما شهداء، والمراد بذلك الحكم الظَّاهري المبني على الظَّن الغالب، والله أعلم.
وروى سعيد بن منصور، بإسنادٍ صحيحٍ، عن مجاهد قال لمَّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك قال (( لا يخرج معنا إلَّا مقوًّى ) )فخرج رجلٌ على بكْرٍ ضعيفٍ فوقصَ فمات، فقال النَّاس الشَّهيد الشَّهيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا بلال، نادِ إنَّ الجنَّة لا يدخلها عاصٍ ) ).
فسقط ما قال المهلَّب إنَّ حديث الباب ضد ما ترجم به البخاري؛ لأنَّه قال لا يقال فلان شهيدٌ، والحديث فيه ضد الشَّهادة، فكأنَّه لم يتأمَّل مراد البخاري، وهو ظاهرٌ.
والحديث أخرجه البخاري في المغازي أيضًا [خ¦4207] ، وأخرجه مسلم في الإيمان والقدر.
ج 13 ص 417