فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 11127

269 - (قال حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام الطيالسي، وقد تكرر ذكره [خ¦17] [خ¦32] [خ¦107] (قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قُدامة بضم القاف وتخفيف الدال، أبو الصَّلت الثَّقفي الكوفي، كان صاحب سنة ورعًا صدوقًا، مات سنة ستين ومئة غازيًا في الرُّوم (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمان بن عاصم، الكوفي التابعي، وقد تقدم في آخر باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم [خ¦110] .

(عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيب السُّلَمي بضم المهملة وفتح اللام مقرئ الكوفة أحد أعلام التابعين، صام ثمانين رمضان مات سنة خمسٍ ومئة (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالب رضي الله عنه.

ورجال هذا الإسناد ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعي، وقد أخرج متنه المؤلِّف في العلم [خ¦132] ، والطهارة [خ¦178] ، ومسلم في الطهارة، والنسائي فيها، وفي العلم أيضًا.

(قَالَ) أي إنَّه قال (كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) كثير المذي، ولما كان المذي يغلب على الأقوياء الأصحَّاء حَسُن ذكر الرُّجولية معه؛ لأنه يدلُّ على معناها، وزاد أحمد (( فإذا مذيتُ اغتسلتُ ) )، ولأبي داود (( فجعلت أغتسل حتَّى تشقق ظهري ) )، وفي الرواية السَّابقة في باب الوضوء من المخرجين [خ¦178] (( فاستحييت أن أسأل ) ).

(فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) وإنما استحيى وأمر غيره أن يسأله (لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) أي لكون ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها كانت تحت نكاحه، وفي رواية مسلم من طريق ابن الحنفية عن علي رضي الله عنه (( من أجل فاطمة رضي الله عنها ) ) (فَسَأَلَ) أي كما في رواية الحمُّويي والسَّرخَسي، ذلك الرجل.

واختلف في ذلك السائل بناءً على اختلاف الروايات في الحديث فإنه أخرجه جماعةٌ؛ فلفظ البخاري قد مر سابقًا [خ¦178] والآن أيضًا، وأما النسائي فقد أخرجه عن علي رضي الله عنه قال كنت رجلًا مذاءً وكانت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم تحتي فاستحييت أن أسأله فقلت لرجل جالسٍ إلى جنبي سله فسأله فقال (( فيه الوضوء ) )، وقد أخرجه الطحاوي عن علي رضي الله عنه أيضًا قال

ج 2 ص 428

كنت رجلًا مذاءً، وكانت عندي ابنة النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( توضَّأ واغسله ) )، وفي رواية للطَّحاوي عن علي رضي الله عنه قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال (( فيه الوضوء، وفي المني الغسل ) )، وفي روايةٍ له عن هانئ، بن هانئ عن علي رضي الله عنه قال كنت رجلًا مذاءً وكنت إذا أمذيت اغتسلت فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال (( فيه الوضوء ) )، وبنحو إسناده رواه أحمد ولفظه (( رجلًا مذاءً فإذا أمذيت اغتسلت ) )، فأمرت المقداد فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فضحك فقال (( فيه الوضوء ) ).

وروى الترمذي عن علي رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال (( من المذي الوضوء، ومن المني الغسل ) )قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.

وروى الطحاوي من حديث محمد بن الحنفية، عن أبيه قال كنت أجد مَذْيًا فأمرت المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، واستحييت أن أسأله؛ لأن ابنته عندي، فسأله فقال (( إنَّ كلَّ فحْلٍ يُمْذِي، فإذا كان المني ففيه الغسل، وإذا كان المذي ففيه الوضوء ) ).

وأخرج مسلم أيضًا نحوه عن محمد بن الحنفية ولفظه فكنت أستحيي أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فأمرت المقداد فسأله فقال (( يَغْسلُ ذَكَره ويتوضَّأ ) ).

وأخرج الطَّحاوي أيضًا من حديث رافعِ بن خديج أنَّ عليًا رضي الله عنه أمر عمَّارًا أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي فسأل فقال (( يغسل مذاكيره ويتوضَّأ ) )، وأخرجه النَّسائي أيضًا نحوه.

وأخرجه الطَّحاوي أيضًا من حديث ابن عباس قال قال عليٌّ رضي الله عنه قد كنت رجلًا مذاء فأمرت رجلًا، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال (( فيه الوضوء ) ).

وأخرجه مسلم من حديث ابن عبَّاس، عن عليٍّ رضي الله عنه، ولفظه أرسلت المقداد بن الأسود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يَفْعَلُ به؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( توضَّأ وانضح فرجك ) ).

وأخرج الطَّحاوي أيضًا من حديث حُصَين بن قُبَيْصة، عن علي رضي الله عنه قال كنت رجلًا مذاءً، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال (( إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل

ج 2 ص 429

ذكرك، وإذا رأيت المني فاغتسل )) .

وأخرجه أبو داود أيضًا من طريق حصين بن قبيصة، عن علي رضي الله عنه قال كنت رجلًا مذاءً، فجعلت أغتسل حتَّى تشقَّق ظهري، فقال فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أو ذكر له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضَّأ وضوءك للصَّلاة، فإذا فضخت الماء فاغتسل ) )الفضخ _ بالفاء وبالمعجمتين _ الدفق.

وأخرجه أحمد والطَّبراني أيضًا، وفي رواية أحمد (( فليغسل ذكره وأنثييه ) )، وأخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليٍّ رضي الله عنه.

فتلخَّص من مجموع ذلك أن السائل في بعضها هو عليٌّ رضي الله عنه بنفسه، وفي بعضها هو غيره ولكنه حاضر، وفي بعضها هو المقداد، وفي بعضها هو عمَّار رضي الله عنهم، وجمع ابن حبَّان بين هذا الاختلاف أنَّ عليًَّا رضي الله عنه سأل عمَّارًا أن يسأل، ثمَّ أمر المقداد بذلك، ثمَّ سأل بنفسه، وهو جمعٌ جيدٌ إلا بالنِّسبة إلى آخره؛ لكونه مغايرًا لقوله إنَّه استحيى عن السُّؤال بنفسه لأجل فاطمة رضي الله عنها، فيتعين حمله على المجاز بأن الراوي أطلق أنه سأل؛ لكونه الآمر بذلك، وبهذا جزم الإسماعيلي، ثمَّ النَّووي، ويؤيِّد أنَّه أمر كلًا من المقداد وعمَّار بالسؤال عن ذلك ما رواه عبد الرزاق من طريق عائش بن أنس قال تذاكر عليٌّ والمقداد وعمّار رضي الله عنهم المذي فقال عليٌّ رضي الله عنه إنني رجلٌ مذاء، فاسألا عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أحدُ الرَّجلين.

وصحَّح ابن بشكَوال أن الذي تولى السُّؤال عن ذلك هو المقداد، وعلى هذا؛ فنسبة عمَّار إلى أنه سأل عن ذلك محمولة على المجاز؛ لكونه قصده، لكن تولَّى المقداد الخطاب دونه.

وقال محمود العيني (كلاهما كانا مشتركين في هذا السؤال غير أن أحدهما قد سبق به، فيحتمل أن يكون هو المقداد، ويحتمل أن يكون هو عمارًا، وتصحيح ابن بشكوال أن السائل هو المقداد، يحتاج إلى برهان، ودل ما ذكر من الأحاديث أن كلًا منهما قد سأل، والله أعلم) .

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (تَوَضَّأْ) أمرٌ مجزوم؛ خطابٌ للرجل الذي في قوله (( فأمرت رجلًا ) )على الاختلاف في تفسير الرَّجل (وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) أي ما أصابه من المذي كالبول، ويؤيده ما في رواية أي المذي، وهكذا

ج 2 ص 430

وقع هنا بتقدم الأمر بالوضوء على الأمر بغسله.

ووقع في (( العمدة ) )عكسه منسوبًا إلى البخاري، واعترض عليه، ولا يرد؛ لأن الواو لا تدلُّ على الترتيب، على أنه قد وقع في رواية الطحاوي تقديم الغسل على الوضوء في رواية رافع بن خديج، عن علي رضي الله عنه وقد تَقدَّم، واستدل بقوله (( توضَّأ ) )على أن المذي يوجب الوضوء، ولا يوجب الغسل، وصرَّح بذلك في رواية لأبي داود وغيره، وهو إجماعٌ، وقد عقد المؤلِّف له الباب، وعلى أنَّ الأمر بالوضوء منه كالأمر بالوضوء من البول كما تقدَّم استدلال المؤلِّف به في باب من لم ير الوضوء إلَّا من المخرجين [خ¦178] .

وحكى الطحاوي عن قومٍ أنَّهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرَّد خروجه، ثمَّ ردَّ عليهم بما رواه من طريق عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن عليٍّ رضي الله عنه قال (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال(( فيه الوضوء ) )لا أنه يوجب الوضوء بمجرَّده، بل مع إرادة القيام إلى الصَّلاة.

ثمَّ إنَّ قوله عليه السّلام (( واغسل ذكرك ) )هل يقتضي غسل جميع الذَّكر، أو مخرج المذي اختلفوا فيه فذهب بعضهم منهم الزهري وبعض المالكيّة والحنابلة إلى أنه يجب غسل جميع الذَّكر إذا أمذى، وكذا إذا بال؛ عملًا بظاهر الخبر، لكن الجمهور ذهبوا إلى أنه لا يجب غسل الجميع، وإنما يجب غسل مخرج المذي فقط نظرًا إلى المعنى، فإنَّ الموجب لغسله إنما هو خروج الخارج فلا يجب المجاوزة إلى غير محله، ويؤيده ما عند الإسماعيلي في روايةٍ حيث قال (( فقال توضأ واغسله ) )فأعاد الضمير إلى المذي، ونظير هذا قوله (( من مسَّ ذكره فليتوضَّأ ) )فإنَّ النقض على قول من يقول به لا يتوقف على مسِّ جميعه.

وفي (( المغنى ) )لابن قدامة (اختلفت الرواية في حكمه، فروي أنه لا يوجب الاستنجاء والوضوء، والرواية الثانية أنه يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء) .

وقال القاضي عياض اختلف أصحابنا في المذي هل يجزئ منه الاستجمار كالبول أو لابد من الماء؟

هذا، واستدل به ابن دقيق العيد على تعين الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأن ظاهره يعين الغسل والمُعيَّن لا يقع الامتثال إلا به، وهذا ما صحَّحه النوَّوي في (( شرح مسلم ) )وصحَّح في باقي كتبه جواز الاقتصار إلحاقًا له بالبول، وحملًا للأمر بغسله على الاستحباب، أو على أنه خرج مخرج الغالب، وهذا هو المعروف في المذهب.

ثمَّ إنه قد اختلف القائلون

ج 2 ص 431

بوجوب غسل جميعه هل هو معقول المعنى أو هو أمرٌ تعبدي وهل يفتقر إلى النيه أو لا؟

وقال أبو عمر (المذي عند جميعهم يوجب الوضوء كالبول ما لم يكنْ خارجًا من علة أُدرة أو زمانة، وعلى هذا، إن لم يكن سَلَسًَا فهو أيضًا كالبول عند جميعهم، وإن كان سَلَسًَا لا ينقطع فحكمه حكم سلس البول عند جميعهم أيضًا، إلا أن طائفة توجب الوضوء على من كانت هذه حاله، لكل صلاة؛ قياسًا على المستحاضة عندهم، وطائفةٌ تستحبه ولا توجبه، وأما المذي المعهود المتعارف، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله؛ لما يجد من اللذة، أو لطول غُرْبةٍ، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث عليٍّ رضي الله عنه، وعليه يقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته. انتهى.

وقال ابن حزمٍ المذي تطهيره بالماء بغسل مخرجه من الذكر، وينضح بالماء ما مس من الثوب. انتهى.

وقال الطحاوي لم يكن أمره عليه السلام بغسل ذكره لإيجاب غسله كله، ولكنه ليتقلص؛ أي لينزوي وينضم ولا يخرج، كما إذا كان له هديٌ وله لبن، فإنه ينضح ضرعه بالماء ليتقلص ذلك فيه فلا يخرج، ومن خاصية الماء البارد أنه يقطع اللبن ويرده دإلى داخل الضرع، وكذلك إذا أصاب الأنثيين رد المذي وكسره.

ومن أحكام هذا الحديث أيضًا دلالته على نجاسة المذي، وهو ظاهرٌ، ونُقِلَ عن ابن عقيل الحنبلي أنه خرج من قول بعضهم أن المذي من أجزاء المني رواية بطهارته، وتُعُقِّبَ بأنه لو كان منيًا لوجب الغسل منه، ومنها جواز الاستنابة في الاستفتاء، ويؤخذ منه جواز دعوى الوكيل بحضرة موكله. ومنها قبول خبر الواحد والاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، فإن عليًا رضي الله عنه اقتصر على قول المقداد مع تمكنه من سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذا قيل، وفيه نظرٌ؛ لما تقدم أن السؤال كان بحضرة علي رضي الله عنه، ثمَّ لو صحَّ أن السؤال كان في غيبته لم يكن دليلًا على المدَّعَى لاحتمال وجود القرائن التي تحف الخبر فترقيه عن الظن إلى القطع، كما قاله القاضي عياض.

وقال ابن دقيق العيد المراد بالاستدلال به على قبول خبر الواحد مع كونه خبرَ واحدٍ أنه صورةٌ من الصور التي تدلُّ وهي كثيرةٌ تقومُ الحجة بجملتها لا بفرد معين منها. انتهى.

ج 2 ص 432

ومنها استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج يستحب له أن لا يذكر شيئًا يتعلق بالجماع والاستمتاع بهن بحضرة أبيها وأخيها وابنها وغيرهم من أقاربها، ولهذا قال عليٌ رحمه الله (فإن عندي ابنته، وأنا أستحيي) .

وقد تقدم استدلال المؤلِّف به لمن استحيى فأمر غيره بالسؤال؛ لأن فيه جمعًا بين المصلحتين، وعدم التفريط في معرفة الحكم، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت