2956 - 2957 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب، أنَّه (قال حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بالنون، عبد الله بن ذكوان (أَنَّ الأَعْرَجَ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ نَحْنُ الآخِرُونَ) أي في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) أي في الآخرة، ومرَّتْ هذه القطعة في كتاب الوضوء، في باب البول في الماء الدائم [خ¦238] .
- (وَبِهَذَا الإِسْنَادِ) أي الإسناد المذكور، قال صلى الله عليه وسلم (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي) .
قال الخطابيُّ كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة، ولا يُطيعون غير رؤساء قبائلهم، فلمَّا ولي في الإسلام الأمراء
ج 13 ص 500
أنكرته نفوسهم، وامتنع بعضهم من الطَّاعة.
وإنَّما قال صلى الله عليه وسلم لهم هذا القول؛ ليعلمهم أنَّ الطَّاعة للأمراء الذين كان يولِّيهم عليهم، وليس الأمر خاصًّا بمن باشره الشَّارع بتوليته كما نبَّه عليه القرطبيُّ، بل هو عامٌّ في كلِّ أميرٍ عدل للمسلمين، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية.
(وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ) بضم الجيم وتشديد النون؛ أي سُترة؛ لأنَّه يمنع العدوَّ من المسلمين، ويمنع النَّاس بعضهم من بعض، والجُنَّة أيضًا الدِّرع، وسمي المجنُّ مجنًا؛ لأنَّه يستتر به عند القتال، والإمام كالسَّاتر.
وقال الهرويُّ معنى قوله (( الإمام جُنَّة ) )أنَّه يقي الإمام الزَّلل والسَّهو، كما يقي التَّرس صاحبه من وقع السَّلاح.
وقال الخطابيُّ يحتمل أن يكون أراد به جنَّة في القتال، وفيما يكون منه في أمره، والمراد بالإمام كلُّ قائمٍ بأمور النَّاس، كما مرَّ دون غيره.
(يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ) على البناء للمفعول؛ أي يقاتل معه الكفَّار والبغاة وسائر أهل الفساد، فإن لم يُقَاتَل من ورائه، وأُبِيَ عليه، مَرَجَ أمر النَّاس، وأكل القويُّ الضَّعيف، وضيِّعت الحدود والفرائض، وتطاول أهل الحرب إلى المسلمين.
(وَيُتَّقَى بِهِ) على البناء للمفعول، وأصله يوتقي، والتاء مبدلة من الواو وبعد الإبدال تدغم التاء، وذلك لأنَّ أصله من الوقاية. وقال المهلَّب معنى يتَّقي به يُرْجَعُ إليه في الرَّأي والعقل وغير ذلك.
(فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ) أي وإن أمرَ بغير تقوى الله وعدله، والتَّعبير عن الأمر بالقولِ شائعٌ، وقيل معناه وإن فعل بغيره.
وقال الحافظ العسقلانيُّ هذا ليس بظاهرٍ، فإنَّه قسيم قوله فإن أمر، فيحمل على أنَّ المراد وإن أمر، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام واللسان، فنقول قال بيده؛ أي أخذ، وقال برجله؛ أي مشى، وقال بالمال على يده؛ أي قلب، وقال بثوبه؛ أي رفعه، فإذا كان كذلك لا ينكر استعمال قال هنا بمعنى فعل، وقال الخطابي
ج 13 ص 501
قال هنا بمعنى حكمَ، يقال قال الرَّجل واقتال إذا حكم، ثمَّ قيل إنَّه مشتقٌ من القَيْل، بفتح القاف وسكون المثناة التحتية، وهو المَلِكُ الذي يَنْفُذُ حُكْمُه بلغة حِمْيَر.
(فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ) أي وزرٌ، أو حذف في هذه الرواية على طريق الاكتفاء؛ لدَلالة مقابله عليه، وقد ثبتت في غير هذه الرواية كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأغرب العينيُّ تبعًا للكِرمانيِّ حيث قال أي فإنَّ الوبال الحاصل منه عليه لا على المأمور.
وقال الكِرمانيُّ ويحتمل أن يراد أنَّ بعضه عليه، وهذا على تقدير أن تكون مِن تبعيضيَّة، والمعنى فإنَّ عليه وِزْرَ بعضِ ما يقول، والظَّاهر أنَّ المأمور أيضًا لا يسلم عن التَّبعة.
حُكِيَ أنَّ الحسن البصريَّ وعامرًا الشَّعبي حضرا مجلس عمر بن هُبيرة فقال لهما إنَّ أمير المؤمنين يكتب إليَّ في أمورٍ فما تريان؟ فقال الشَّعبيُّ أصلح الله الأمير أنت مأمورٌ، والتَّبعة على آمرك. وقال الحسن إذا خرجت من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فإنَّ الله ينجيك من الأمير، ولا ينجيك الأميرُ من الله تعالى.
ومطابقةُ الحديث للترجمة تؤخذُ من قوله (( وإنَّما الإمام جُنَّة يقاتل من ورائه ويتَّقى به ) )، وأمَّا الجملة الأولى فهي طرفٌ من حديث سبق في كتاب الجمعة [خ¦876] ، وقد سبق في (( الطهارة ) ) [خ¦238] أنَّ من عادته أن يورد ما سمعه على نحو ما سمعه، وقد سمعه هكذا فأورده هكذا.
وتكلَّف ابن المنيِّر فقال وجه مطابقة الترجمة لقوله (( نحن الآخرون السَّابقون ) )الإشارة إلى أنَّه الإمام، وأنَّه يجب على كلِّ أحدٍ أن يقاتلَ عنه وينصره، وأنَّه وإن تأخَّر في الزمان، لكنه متقدِّمٌ في أخذ العهد على كلِّ من تقدَّمه أنَّه إذا أدرك زمانه أن يؤمن به وينصره، فهم في الصُّورة أَمامه، في الحقيقة خلفه، فناسب ذلك قوله (( يقاتل من ورائه ) )لأنَّه أعمُّ من الخلف والأَمَام.
ثمَّ إنَّ قوله (( الإمامُ جُنَّة ) )أخرجهُ النسائيُّ في البيعة، وفي السِّير.