275 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفي المسندي، وقد تقدم في باب أمور الإيمان [خ¦9] (قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بدون الواو، ابن فارس أبو محمد البصري، مات سنة ثمانٍ ومائتين (قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وقد تقدموا في الوحي [خ¦4] [خ¦6] ، ورجال هذا الإسناد ما بين بصري وأيلي ومدني، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الصلاة أيضًا [خ¦639] ، وأخرجه مسلم فيها أيضًا، والنسائي في الطهارة، وكذا أبو داود.
(قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ) من الإقامة وهي ذكر الألفاظ المخصوصة المشعرة بالشروع في الصلاة وهي أخت الأذان، ومعناه نادى المؤذن بالإقامة فأقيم المسبب مقام السبب (وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ) على البناء للمفعول؛ أي سويت وتعديل الشيء تقويمه، يقال عدلته فاعتدل؛ أي قومته فاستقام، وفي رواية ، وبين البخاري في الصلاة من رواية صالح بن كيسان أنه كان قبل أن يكبر النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة، وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم أن لا يكبر حتى تستوي الصفوف.
(قِيَامًا) جمع قائم كِتجَار بكسر التاء جمع تاجر، فهو منصوبٌ على الحال، والمعنى وعدل صفوف القوم حال كونهم قائمين، ويجوز أن يكون مصدرًا جاريًا على حقيقته، فيكون منصوبًا على التمييز؛ لأن في قوله «وعدلت الصفوف» إبهامًا فيفسره قوله قيامًا؛ أي من حيث القيام.
(فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلاَّهُ) بضم الميم؛ أي موضع صلاته (ذَكَرَ) بقلبه قبل أن يكبر ويدخل في الصلاة (أَنَّهُ جُنُبٌ) فقوله ذكر من الذُّكر بضم الذال لا من الذكر بكسرها؛ لأنه لم يقل ذلك لفظًا، وإنما علم بذلك أبو هريرة رضي الله عنه من قرائن الأحوال، أو بإعلامه له بعد ذلك.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَنَا مَكَانَكُمْ) أي الزموا مكانكم، وفي رواية الإسماعيلي فلذا قال الحافظ العسقلاني (وفيه إطلاق القول على الفعل، ويحتمل أن يكون جمع بين الكلام والإشارة، ولما عرفت أن تذكره ذلك كان قبل أن يكبر، ويدخل في الصلاة كما بينه البخاري في الصلاة من رواية صالح بن كيسان لا يرد أنه إذا كان القول على بابه يلزم أن يكون القول واقعًا في الصلاة، وهو مفسد لها) .
ج 2 ص 439
فإن قيل قد وقع في رواية ابن ماجه (( قام إلى الصلاة وكبر ثمَّ أشار إليهم فمكثوا ثمَّ انطلق فاغتسل، وكان رأسه يقطر ماءً فصلى بهم فلما انصرف قال إني خرجت إليكم جنبًا، وإني أنسيت حتى قمت في الصلاة ) ).
وفي رواية الدارقطني «فكبر وكبرنا معه، ثمَّ أشار إلى القوم كما أنتم» ، وفي روايةٍ لأحمد من حديث علي رضي الله عنه (( كان قائمًا فصلى بهم، إذا انصرف ) ).
وفي روايةٍ لأبي ذرٍ من حديث أبي بكرة رضي الله عنه (( دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده أن مكانكم ) )، وفي أخرى (( ثمَّ جاء ورأسه يقطر فصلى بهم ) )، وفي أخرى له مرسلة (( فكبر، ثمَّ أومأ إلى القوم أن اجلسوا ) )، وفي (( مرسل ) )ابن سيرين وعطاء والربيع بن أنسٍ (( كبر ثمَّ أومأ إلى القوم أن اجلسوا ) ).
فالجواب أن هذا كله لا يقاوم الذي في الصحيح، وأيضًا في حديث أبي هريرة هذا (( ثمَّ رجع فاغتسل ثمَّ خرج إلينا ورأسه يقطر فكبر ) )فلو كان كبر أولًا لما كبر ثانيًا.
وقد اختلف في الجمع بين هذه الروايات فقيل أريد بقوله كبر، أراد أن يكبر عملًا برواية الصحيح قبل أن يكبر، وفي روايةٍ أخرى في البخاري (( فانتظرنا تكبيره ) )، وقيل إنهما قضيتان أبداه القرطبي احتمالًا، وقال النووي إنه الأظهر، وقال ابن حبان في (( صحيحه ) )بعد أن أخرج الروايتين من حديث أبي هريرة وحديث أبي بكرة رضي الله عنهما هذان فعلان في مَوضعين متباينين؛ خرج صلى الله عليه وسلم مرةً فكبر، ثمَّ ذكر أنه جنبٌ فانصرف فاغتسل ثمَّ جاء فاستأنف بهم الصلاة، وجاء مرةً أخرى فلما وقف ليكبر ذكر أنه جنبٌ قبل أن يكبر فذهب فاغتسل، ثمَّ رجع فأقام بهم الصلاة من غير أن يكون بين الخبرين تضاد ولا تهاتر، قال وقول أبي بكرة فصلى بهم أراد بذلك أنه بدأ بتكبير محدث لا أنه رجع فبنى على صلاته، إذ محالٌ أن يذهب عليه السلام ليغتسل ويبقى الناس كلهم قيامًا على حالتهم من غير إمام إلى أن يرجع. انتهى.
ولما رأى مالك هذا الحديث مخالفًا لأصل الصلاة قال إنه خاصٌّ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وروي عن بعض أصحابنا أن انتظارهم له هذا الزمن الطويل بعد أن كبروا من قبيل العمل اليسير فيجوز مثله.
(ثُمَّ رَجَعَ) إلى الحجرة المطهرة (فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ) أي والحال أن رأسه (يَقْطُرُ) من ماء الغسل، ونسبة القطر إلى الرأس مجاز من باب ذكر المحل وإرادة الحال (فَكَبَّرَ) مكتفيًا بالإقامة السابقة كما هو الظاهر من تعقيبه بالفاء، وهو حجةٌ لقول الجمهور إن الفصل جائزٌ بينها
ج 2 ص 440
وبين الصلاة بالكلام سواء كان لمصلحة الصلاة أو لغيرها، وبالفعل إذا كان لمصلحة الصلاة.
ومنعه الآخرون وتأول قوله فكبر بأن معناه كبر مع رعاية ما هو وظيفة للصلاة كالإقامة، أو قوله أولًا أقيمت الصلاة بغير المعنى الاصطلاحي للإقامة، هكذا قاله الكِرماني وتبعه القسطلاني.
وقال محمود العيني هل اقتصر على الإقامة الأولى أو أنشأ إقامةً ثانية؟ لم يصح فيه نقل ولو فعله لنقل.
(فَصَلَّيْنَا مَعَهُ) وفي الحديث تعديل الصفوف، وهو مستحبٌّ بالإجماع، وقال ابن حزمٍ (فرضٌ على المؤمنين تعديل الصفوف الأول فالأول والتراص فيها والمحاذاة بالمناكب والأرجل) ، فإن قيل في رواية (( أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج ) )، وقد جاء (( إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني ) )فكيف التوفيق؟، فالجواب أنه كان مرةً أو مرتين لبيان الجواز أو لعذر، أو لعل قوله (( فلا تقوموا حتى تروني ) )بعد ذلك، وأما الحكمة في هذا النهي فأن لا يطول عليهم القيام، وقد يعرض له عارض فيتأخر بسببه.
وقد اختلف العلماء من السلف فمن بعدهم متى يقوم الناس إلى الصلاة ومتى يكبر الإمام؟ فذهب الشافعي وطائفة إلى أنه يستحب أن لا يقوم أحدٌ حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وكان أنس رضي الله عنه يقوم إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة والكوفيون رحمهم الله يقومون في الصف إذا قال حي على الصلاة، فإذا قال قد قامت الصلاة كبر الإمام، وحكاه ابن أبي شيبة، عن سويد بن غفلة وقيس بن أبي سلمة وحماد.
وقال جمهور العلماء من السلف والخلف لا يكبر الإمام حتى يفرغ المؤذن، ومذهب مالك أن السنة عنده أن يشرع الإمام في الصلاة بعد فراغ المؤذن من الإقامة، وندائه بعد تسوية الصفوف، وعندنا يشرع عند التلفظ بقوله قد قامت الصلاة.
وقال زفر (إذا قال قد قامت الصلاة قاموا، وإذا قال ثانيًا افتتحوا) .
وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يشرع عقيب الفراغ من الإقامة محافظة على القول بمثل ما يقوله المؤذن، وبه قال الشافعي وأحمد رحمهما الله.
وفيه أن الإمام إذا طرأ له ما يمنعه من التمادي استخلف بالإشارة لا بالكلام، وهو أحد القولين لأصحاب مالك، حكاه القرطبي. وفيه جواز البناء في الحدث، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وفيه جواز النسيان على الأنبياء عليهم السلام في العبادات، وفيه كما قال ابن بطال حجة لمذهب مالك، وأبي حنيفة
ج 2 ص 441
رحمهما الله أن تكبير المأموم يقع بعد تكبير الإمام، وهو قول عامة الفقهاء. قال والشافعي أجاز تكبير المأموم قبل إمامه؛ أي فيما إذا أحرم منفردًا ثمَّ نوى الاقتداء في أثناء الصلاة؛ لأنه روى حديث أبي هريرة على ما رواه مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن أبي يسار «أنه عليه السلام كبر في صلاةٍ من الصلوات، ثمَّ أشار إليهم بيده أن امكثوا فلما قدم كبر» ، والشافعي لا يقول بالمرسل، ومالك الذي رواه لم يعمل به؛ لأنه صح عنده أنه لم يكبر. انتهى.
وتعقبه محمود العيني بأنَّ ذِكْرهَ أبا حنيفة مع مالك غيرُ صحيح؛ لأن مذهب أبي حنيفة رحمه الله أن المأموم يجب عليه أن يكبر مع الإمام مقارنًا، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يكبر بعده، ثمَّ قيل الخلاف في الأفضلية.
وفيه ما استدل به البخاري على أن الجنب إذا دخل المسجد ناسيًا فذكر فيه أنه جنبٌ يخرج ولا يتيمم، فلذلك ذكر في الترجمة بقوله يخرج كما هو ولا يتيمم.
وقال ابن بطال من التابعين من يقول إن الجنب إذا نسي فدخل المسجد فإنه يتيمم ويخرج قال والحديث يرد عليهم.
وقال محمود العيني ومن الذين ذهبوا إلى التيمم الثوري وإسحاق، وكذا قول أبي حنيفة رحمه الله في الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماءٍ فإنه يتيمم ويدخل المسجد فيستقي ثمَّ يخرج الماء من المسجد.
وفي (( نوادر ) )ابن أبي زيد من نام في المسجد ثمَّ احتلم ينبغي أن يتيمم لخروجه.
وقال الشافعي رحمه الله له العبور في المسجد من غير لبث كانت له حاجة أو لا، ومثله عن الحسن وابن المسيَّب وعمرو بن دينار وأحمد، وعن الشافعي له المكث فيه إذا توضأ.
وقال داود والمزني يجوز له المكث فيه مطلقًا واعتبروه بالمشرك وتعلقوا بقوله صلى الله عليه وسلم (( المؤمن لا ينجس ) ).
وروى سعيد بن منصور في (( سننه ) )بسندٍ جيد عن عطاء رأيت رجالًا من الصحابة يجلسون في المسجد وعليهم الجنابة إذا توضؤوا للصلاة، وحديث وفد ثقيف، وإنزالهم في المسجد، وأهل الصفة، وغيرهم كانوا يبيتون في المسجد.
وقال أحمد بن حنبل يجلس الجنب فيه، ويمر فيه إذا توضأ، ذكره ابن المنذر، واحتج من أباح العبور بقوله تعالى {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء 43] . قال الشافعي قال بعض العلماء معناه لا تقربوا مواضع الصلاة.
وأجاب من منع كمالك والكوفيين بأن المراد بالآية نفس الصلاة، وحملها على مكانها مجاز على أنا نحمله على عمومها؛ أي لا تقربوا الصلاة ولا مكانها
ج 2 ص 442
على هذه الحالة إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا واقربوا ذلك وصلوا.
وقد نقل الرازي عن أبي عمر وابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بعابري سبيل المسافرون، فعند عدم الماء يتيممون ويصلون والتيمم لا يرفع الجنابة، لكن أبيح لهم الصلاة تخفيفًا.
هذا، وقال الكِرماني إذا وجدت القرينة يجب الحمل على المجاز، وهاهنا العبور قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة، ثمَّ الحمل على العموم ممتنع، إذ يلزم منه إرادة المعنيين الحقيقة والمجاز بإطلاق واحد، ولا يجوز ذلك عندهم انتهى. وفيه بحثٌ ظاهرٌ، فتأمل.
(تَابَعَهُ) أي تابع عثمان ابن عمر السابق ذكره قريبًا [خ¦275] (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى البصري السامي بالسين المهملة (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين (بْنِ رَاشدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن [1] شهاب، وهذه متابعة ناقصة، وتعليقٌ من البخاري، وقد وصله الإمام أحمد عن عبد الأعلى، وقد تابع عثمان بن عمر رواية عن يونس عن عبد الله بن وهب عند مسلم وهي متابعة تامة.
(وَرَوَاهُ) أي روى الحديث المذكور (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) وروايته موصولة عند البخاري في أوائل أبواب الإمامة كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦640] ، ولم يقل وتابعه الأوزاعي كما قال أولًا إما لأنه لم ينقل لفظ الحديث بعينه، بل رواه بمعناه، إذ المفهوم من المتابعة الإتيان بمثله على وجهه بلا تفاوت، والرواية أعم من ذلك، وإما لأنه يكون موهمًا أنه تابع عثمان أيضًا، وليس كذلك إذ لا واسطة فيه بين الأوزاعي والزهري، وإما للتفنن في الكلام، أو لغير ذلك، قاله الكِرماني.
وقال محمود العيني وكلها جياد انتهى، فتأمل.
[1] (( مسلم بن ) )ليست في (خ) .