3004 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) واسم أبي ثابت قيس بن دينار، أبو يحيى الأسدي الكاهلي الكوفي، وقد مرَّ في الصَّوم [خ¦1979] .
(قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ) بتشديد الموحَّدة، واسمه السَّائب بن فروخ (الشَّاعِرَ) المكِّي الأعمى، وقد مرَّ في التهجُّد [خ¦1153] (وَكَانَ لاَ يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ) وإنَّما قال ذلك؛ لئلا يتوهَّم بسبب أنَّه شاعرٌ متَّهم في الحديث، وقد تقدَّم القول في ذلك في باب صوم داود من كتاب الصِّيام [خ¦1979] .
(قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) وقد خالف الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن بَابَاه، عن عبد الله بن عمرو، فلعلَّ لحبيب فيه إسنادين. ويؤيِّده أنَّ بكر بن بكَّار رواه عن شعيب، عن حبيب، عن عبد الله بن بَابَاه كذلك.
(يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قيل يحتمل أن يكون هو جَاهِمَة بن العبَّاس بن مِرْداس، فقد روى النَّسائي وأحمد من طريق معاوية بن جَاهِمَة أنَّ جَاهِمَة جاء إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، أردت الغزو وجئت لأستشيرك فقال (( هل لك من أم؟ ) )قال نعم قال (( الزمها ) )الحديث.
ورواه البيهقي من طريق ابن جريج، عن محمَّد بن طلحة بن ركانة، عن معاوية بن جَاهِمَة السُّلمي، عن أبيه قال (( أتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم أستأذنه في الجهاد ) ). وقد اختلف في إسناده اختلافًا شديدًا، بيَّنه الحافظ العسقلاني في ترجمة جَاهِمَة من كتابه في الصَّحابة المسمَّى بـ «الإصابة» .
وقال أبو عمر جاهمة السُّلمي حجازي، ثمَّ قال حدَّثنا عبد الوارث بن سفيان ثنا قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير ثنا عبد الرَّحمن بن المبارك ثنا سفيان بن حبيب ثنا ابن جريج، عن محمَّد بن طلحة، عن معاوية بن جَاهِمَة، عن أبيه قال أتيت النَّبي صلى الله تعالى عليه وسلم أستشيره
ج 13 ص 560
في الجهاد فقال (( ألك والدة؟ ) )قلت نعم قال (( اذهب فأكرمها، فإنَّ الجنَّة تحت رجليها ) ). ورواه النَّسائي وأحمد أيضًا من طريق معاوية بن جَاهِمَة.
وروى ابن أبي عاصم بسندٍ صحيحٍ بينا نحن عند النَّبي صلى الله عليه وسلم في ظلِّ شجرة بين مكَّة والمدينة، إذ جاء أعرابي من أخلق الرِّجال وأشدِّهم فقال يا رسول الله، إنِّي أحبُّ أن أكون معك وأجد بي قوَّة، وأحبُّ أن أقاتل العدو معك، وأقتل بين يديك، فقال (( هل لك من والدين؟ ) )قال نعم قال (( انطلق فالحق بهما وبرَّهما واشكر لله ولهما ) )قال إنِّي أجد قوَّة ونشاطًا لقتال العدوِّ قال (( انطلق فالحق بهما ) )فأدبر فجعلنا نتعجَّب من خَلقه وجِسْمِه.
وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رجلًا هاجر إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال (( هل لك أحد باليمن ) )قال أبواي، فقال (( أَذِنَا لك؟ ) )قال لا، قال (( ارجع إليهما فاستأذنْهما، فإن أَذِنَا لك فجاهد وإلَّا فبرَّهما ) )، وصحَّحه ابن حبَّان.
فإن قيل روى ابن حبَّان من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما من طريق غير طريق حديث الباب جاء رجلٌ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أفضل الأعمال فقال (( الصَّلاة ) )قال ثمَّ مه؟ قال (( الجهاد ) )، قال فإنَّ لي والدين، فقال (( آمرك بوالديك خيرًا ) )فقال والذي بعثك نبيًا لأجاهدنَّ ولأتركنَّهما، قال (( فأنت أعلم ) ).
فالجواب أنَّ هذا يحمل على جهاد فرض العين توفيقًا بينه وبين حديث الباب، والله أعلم بالصَّواب.
(فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَحَيٌّ وَالِدَاكَ قَالَ نَعَمْ، قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) أي ففي الوالدين فجاهد، الجارُ والمجرور متعلِّق بمقدَّر هو جاهد، ولفظ جاهد المذكور مفسِّرٌ له؛ لأنَّ ما بعد الفاء الجزائيَّة لا يعمل فيما قبلها، ومعناه خصِّصْهما بالجهاد؛ أي بجهاد النَّفس في رضاهما، ويستفاد منه جوازُ التَّعبير عن الشَّيء بضدِّه إذا فُهِمَ المعنى؛
ج 13 ص 561
لأن صيغة الأمر في قوله فجاهد، ظاهرها إيصال الضَّرر للغير.
وليس ذلك مرادًا قطعًا، فإنَّما المراد إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد، وهو بذل المال وتعب البدن، فيؤولُ المعنى ابذل مالك وأتعبْ بَدَنَك في تحصيل رضا والديك، ويؤخذ منه أنَّ كلَّ شيءٍ يُتْعِبُ النَّفسَ يُسمَّى جهادًا.
وفيه تأكيدُ أَمْر برِّ الوالدين، وتعظيمُ حقِّهما وكثرةُ الثَّواب على برِّهما، بل هو قد يكون أفضل من الجهاد. وفيه أنَّ المستشار يشير بالنَّصيحة المحضة، وأنَّ المكلَّف ينبغي له أن يستفصل عن الأفضل في أعمال الطَّاعة ليعمل به؛ لأنَّه سمع فضل الجهاد فبادَرَ إليه، ثمَّ لم يقتنع حتَّى استأذن فيه، فدُلَّ على ما هو أفضل منه في حقِّه، ولولا السُّؤال ما حصل له العلم بذلك.
وفي رواية مسلم وسعيد بن منصور من طريق ناعمٍ مولى أم سلمة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم في نحو هذه القصَّة قال (( ارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ) ). ولأبي داود وابن حبَّان من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو (( ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما ) ). وأصرحُ من ذلك حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند أبي داود بلفظ (( ارجعْ فاستأْذِنْهما، فإن أَذِنَا لك في هذا وإلَّا فبرَّهما ) ). وصحَّحه ابن حبَّان.
واستدلَّ به على تحريم السَّفر بغير إذْن؛ لأنَّ الجهاد إذا منع مع فضيلته فالسَّفر المباح أولى. نعم إن كان سفرُه لِتَعَلُّمِ فَرْضِ عَيْنٍ يتعيَّن السَّفر طريقًا إليه، فلا منع، وإن كان فرض كفاية ففيه خلاف.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( ففيهما فجاهد ) )بطريق الاستنباط؛ لأنَّ أمره بالمجاهدة فيهما يقتضي رضاهما، ومِن رضاهما الإذن له عند الاستئذان في الجهاد. والحديث أخرجه البخاري في الأدب [خ¦5972] ، وأخرجه مسلم فيه أيضًا، وأخرجه أبو داود في الجهاد، وكذا التِّرمذي والنَّسائي فيه.