فهرس الكتاب

الصفحة 4702 من 11127

3007 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة، قال (قال عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ) أي قال سفيان سمعته من عمرو مرَّتين (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بتكبير الابن، وهو حسن بن محمَّد بن الحنفيَّة، أبو محمَّد الهاشمي المدني، مات في زمن عبد الملك بن مروان.

(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (عُبَيْدُ اللَّهِ) بصيغة التصغير (ابْنُ أَبِي رَافِعٍ) واسم أبي رافع أسلم مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم (قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا) هو تأكيد للضمير المنصوب، وقد توضع الضمائر بعضها موضع بعض استعارة، وفي نسخة على الأصل.

(وَالزُّبَيْرَ

ج 13 ص 568

وَالْمِقْدَادَ) بكسر الميم وسكون القاف وبالمهملتين (ابْنَ الأَسْوَدِ) الكندي، مرَّ في آخر العلم [خ¦132] ، وفي بعض الرِّوايات ولا منافاة بينهما؛ لاحتمال أنَّه بعث الأربعة (وقَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ) بخاء معجمتين بينهما ألف. وقال السُّهيلي كان هشيم يصحِّفها فيقول خاج، بخاء وجيم. وذكر البخاري أنَّ أبا عوانة كان يقولها كما يقول هشيم، وذكر ياقوت مائة وثلاثين روضة في بلاد العرب منها روضة خاخ، وهو موضع بين مكَّة والمدينة.

(فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً) بفتح الظاء المعجمة وكسر العين المهملة وبالنون، وهي المرأة في الهودج، ولا يقال لها ظعينة إلَّا وهي كذلك؛ لأنَّها تظعن بارتحال الزَّوج. وقيل أصلها الهودج، وسمِّيت بالمرأة؛ لأنَّها تكون فيه.

وقال ابن فارس الظَّعينة المرأة، وهو من باب الاستعارة. وأمَّا الظَّعائن فالهوادج كانت فيها نساء أو لم تكن. وكان اسمها سارة، وقيل أم سارة، وقيل كنود مولاة لقريش، وقيل لعمران بن صيفي، وقيل كانت من مزينة من أهل العرج [1] .

وفي «الإكليل» للحاكم وكانت مغنِّية نوَّاحة، تغنِّي بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها يوم الفتح فقُتِلَتْ. وذكرها أبو نُعَيم وابن منده في جملة الصَّحابيات.

ووقع في كتاب «الأحكام» للقاضي إسماعيل في قصَّة حاطب قال للَّذين أرسلهم (( إنَّ بها امرأة من المسلمين معها كتاب إلى المشركين ) )وإنَّهم لمَّا أرادوا أن يخلعوا ثيابها قالت أولستُم مسلمين؟ انتهى.

وذلك مشكل؛ لأنَّ سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا دخل مكَّة ذكرها في المستثنين بالقتل، ولما قال الحاكم أيضًا. ويؤيِّده ما ذكره أبو عبيدة البكري فإنَّ بها امرأة من المشركين.

وقال الواحدي قال جماعة المفسِّرين إنَّ هذه الآية، يعني قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة 1] نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أنَّ سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

ج 13 ص 569

من مكَّة، وهو يتجهَّز فقال (( ما جاء بك؟ ) )قالت الحاجة، قال (( فأين أنت عن شباب أهل مكَّة ) )وكانت مغنِّية قالت ما طلب منِّي شيء بعد وقعة بدر، فكساها وحملها، وأتاها حاطب بن أبي بلتعة، فكتب معها كتابًا إلى أهل مكَّة، وأعطاها عشرة دنانير وكتب في الكتاب إلى أهل مكَّة إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم وأحذركم، فنزل جبريل عليه السَّلام بخبرها، فبعث عليًّا وعمَّارًا وعمر والزُّبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مرثد، وكانوا كلُّهم فرسانًا وقال (( انطلقوا حتَّى تأتوا روضة خاخ، فإنَّ بها ظعينة معها كتاب إلى المشركين فخذوه وخلُّوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها ) ).

وفي «تفسير النَّسفي» أتت سارة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكَّة إلى المدينة بعد بدر بسنتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهَّز لفتح مكَّة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أمسلمة جئت؟ ) )قالت لا، قال (( أمهاجرة جئت؟ ) )قالت لا، قال (( فما حاجتك؟ ) )قالت ذهب الموالي؛ تعني قتلوا يوم بدر، فاحتجتُ حاجةً شديدة، فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني، فحثَّ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطَّلب وبني المطَّلب فكسوها وحملوها وأعطوها نفقة. فأتاها حاطب فكتب معها إلى أهل مكَّة، وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردًا، واستحملها كتابًا إلى أهل مكَّة نسخته (( من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكَّة، اعلموا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم ) ).

قال السُّهيلي الكتاب أمَّا بعد فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجَّه إليكم في جيش كاللَّيل يسير كالسَّيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلَّا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له بوعده فيكم، فإنَّ الله وليه وناصره.

وفي «تفسير ابن سلام» أنَّ فيه إنَّ محمَّدًا رسول الله قد نفر إمَّا لكم وإمَّا إلى غيركم،

ج 13 ص 570

فعليكم الحذر، وقيل كان فيه أنَّه صلى الله عليه وسلم أذن في النَّاس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، فقد أحببت أن يكون لي عندكم يد بكتابي إليكم.

(وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا) بلفظ الماضي؛ أي تجاري وتباعد، أو بلفظ المضارع بحذف إحدى التاءين (حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ) بكسر الياء وفتحها (الثِّيَابَ) قال ابن التِّين صوابه في العربيَّة بحذف الياء. وقال العيني تبعًا للكِرماني القياس ما قاله، لكن صحَّت الرِّواية بالياء فتُأوَّل الكسرةُ بأنَّها لمشاكلة لتخرجن، وباب المشاكلة واسع فيجوز كسر الياء وفتحتها، فالفتحة بالحمل على المؤنَّث الغائبة على طريقة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.

وقال الكرماني ويروى بفتح القاف، ورفع الثِّياب.

(فَأَخْرَجَتْهُ) أي الكتاب (مِنْ عِقَاصِهَا) بكسر العين المهملة وبالقاف وبالصاد المهملة، وهو الشَّعر المضفور، ويقال هي التي تتَّخذ من شعرها مثل الوقاية، وكل خصلة منه عقيصة، والعقص لَيُّ خصلات الشَّعر بعضها ببعض. وقال المنذري هو لَيُّ الشَّعر بعضه على بعض على الرَّأس، ويدخل أطرافه في أصوله، قال ويقال هي التي تتَّخذ من شعرها مثل الرُّمانة.

قال وقيل العِقاص هو الخيط الذي يجمع فيه أطراف الذَّوائب، وعقصُ الشَّعر ضَفْرُه، ويقال العِقاص السَّير الذي تجمع به شعرها على رأسها، والعقص الضَّفْر، والضَّفْرُ الفتل.

وقال ابن بطَّال وفي رواية (( أخرجته من حجزتها ) ).

(فَأَتَيْنَا بِهِ) أي بالكتاب، ويروى أي بالصَّحيفة. وقال الكِرماني أو بالمرأة، ونظر فيه العيني بما نقل عن الواحدي أنَّ في روايته (( معها كتاب إلى المشركين فخذوه وخلُّوا سبيلها ) ) (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ)

ج 13 ص 571

بالحاء المهملة وبكسر الطاء المهملة، وبَلْتَعة بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الفوقانية وبالمهملة، واسم أبي بلتعة عامر، ومات حاطب سنة ثلاثين (إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) قال الكرماني هو كلام الرَّاوي وُضِعَ موضع إلى فلان وفلان المذكورين في الكتاب.

وقال العيني لم يطَّلع الكِرماني على أسماء المكتوب إليهم فلذلك قال هكذا، والذين كُتِبَ إليهم هم صفوان بن أميَّة، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل.

(يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لاَ تَعْجَلْ عَلَيَّ) بتشديد الياء (إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ) أي مضافًا إليهم، ولست منهم، وأصل ذلك من إلصاق الشَّيء بغيره ليس منه، ولذلك قيل للدَّعي في قوم ملصق، وقيل معناه حليفًا، ولم يكن من نفس قريش وأقربائهم.

(وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ) كذا في الرِّواية الصَّحيحة، وعند مسلم (( ممَّن معك ) )بزيادة من، والصَّواب إسقاطها؛ لأن مَن لا تُزَاد في الموجب عند البصريِّين، وأجازه بعض الكوفيِّين.

(مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ، يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ) كلمة إذ بمعنى حين، وذلك إشارة إلى قوله لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم.

(أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا) كلمة أنْ مصدرية في محلِّ النصب على أنَّه مفعول أحببت، وقوله يدًا؛ أي يد نعمة ومنَّة عليهم (يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ) أي ذلك (كُفْرًا) أي لأجل الكفر (وَلاَ ارْتِدَادًا) عطف على كفرًا (وَلاَ رِضًَا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَمِ) عطف على ما قبله أيضًا.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَدَقَكُمْ. قَالَ عُمَرُ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ) إنَّما أطلق عمر رضي الله عنه اسم النِّفاق عليه؛ لأنَّه والَى كفَّار قريش وباطنهم، وإنَّما فعل حاطب ذلك متأوِّلًا في غير ضرر لرسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 13 ص 572

وعَلِمَ اللهُ صِدْقُ نيَّته فنجاه من ذلك.

وقال الجاحظ قال عمر دعني أضرب عنقه؛ يعني كفر. وقال الباقلاني في قضيَّة هذا الكتاب هذه اللَّفظة ليست بمعروفة، وقيل يحتمل أن يكون المراد بها كفر النِّعمة.

وقال ابن التِّين يحتمل أن يكون قول عمر رضي الله عنه بهذا قبل قوله صلى الله عليه وسلم (( قد صدقكم ) )، وقد أثبت الله له الإيمان في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} [الممتحنة 1] الآية، وكانت أمُّه بمكَّة فأراد أن يحفظوها فيها.

وعن الطَّبري كان هذا من حاطب هفوة، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما روته عَمْرة عن عائشة رضي الله عنها (( أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ) ).

قال فإن ظنَّ ظانٌّ أنَّ صفحه عنه كان لِما عَلِمَ الله من صِدْقه؛ فلا يجوز لمن بعد الرَّسول صلى الله عليه وسلم أن يعلمَ ذلك، فقد ظنَّ خطأ؛ لأنَّ أحكام الله عزَّ وجلَّ في عباده إنَّما تجري على ما ظهر منهم لا بما بطن.

(قَالَ إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ) كلمة لعلَّ استعملت استعمال عسى. قال النَّووي معنى الترجِّي فيه راجع إلى عمر رضي الله عنه؛ لأنَّ وقوع هذا الأمر محقَّق عنده صلى الله عليه وسلم وقال وما يدريك على التَّحقيق؛ بعثًا له على التفكُّر والتأمُّل.

(فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) معناه الغفران لهم في الآخرة، وإلَّا فلو توجَّه على أحد منهم حدٌّ استُوفِيَ منه. وقال ابن الجوزي ليس هو على الاستقبال، وإنَّما هو للماضي تقديره اعملوا ما شئتم أيَّ عمل كان لكم فقد غُفِرَ. ويدلُّ على هذا شيئان

أحدهما أنَّه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر.

والثَّاني أنَّه كان يكون إطلاقًا في الذُّنوب، ولا وجه لذلك.

وقال القرطبي هذا التَّأويل وإن كان حسنًا، لكن فيه بعد؛ لأنَّ اعملوا صيغة أمر، وهو موضوعة للاستقبال، ولم تضع العرب قطُّ صيغة الأمر موضع الماضي لا بقرينة ولا بغير قرينة،

ج 13 ص 573

كذا نصَّ عليه النَّحويون، وصيغة الأمر إذا وردت بمعنى الإباحة إنَّما هي بمعنى الإنشاء والابتداء لا بمعنى الماضي، فكان كقول القائل أنت وكيلي وقد جعلت لك التصرُّف كيف شئت، فإنَّه إنَّما يقتضي إطلاق التصرُّف من وقت التَّوكيل لا قبل ذلك.

قال وقد ظهر لي وجه، وهو أنَّ هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف تضمَّن أنَّ هؤلاء القوم حصلت لهم حالةٌ غُفِرَ لهم بها ذنوبهم السَّالفة، وتأهلوا لأن تُغْفَرَ لهم ذنوبٌ مستأنَفَةٌ إن وقعتْ منهم، لا أنَّهم نجزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذُّنوب اللَّاحقة، بل لهم صلاحيَّة أن يغفرَ لهم ما عساه أن يقعَ، ولا يلزم من وجود الصَّلاحية لشيء ما وجود ذلك الشَّيء، إذ يلزم من وجود أهليَّة الخلافة وجودها لكل من وجدت منه أهليَّتها، وكذلك القضاء وغيره، وعلى هذا فلا يأمن من حصلت له أهليَّة المغفرة من المؤاخذة على ما عساه أن يقعَ من الذُّنوب.

ثمَّ إنَّ الله عزَّ وجلَّ أظهر صدق رسوله في كلِّ من أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنَّهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنَّة إلى أن توفُّوا، ومن وقع منهم في أمرٍ ما، أو مخالفة لجأَ إلى توبة، ولازمها حتَّى لقي الله عزَّ وجلَّ عليها، يَعْلَمُ ذلك قطعًا من حالهم مَنْ طالع سِيرَهَم وأخبارَهم.

(قَالَ سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (وَأَيُّ إِسْنَادٍ هَذَا) تعظيم لهذا الإسناد وصحَّته وقوَّته؛ لأنَّ رجاله هم الأكابر العدول الثِّقات الحفَّاظ، فكأنَّه قال عجبًا لجلالة رجاله، وصراحة اتِّصاله. وفي الحديث هتك ستر الجاسوس رجلًا كان أو امرأة إذا كانت في ذلك مصلحة، أو كان في السَّتر مفسدة.

وقال الدَّاودي الجاسوس يُقْتل، وإنَّما نفى القتل عن حاطب؛ لِمَا عَلِمَ النَّبي صلى الله عليه وسلم منه. ولكن مذهب الشَّافعي وطائفة أنَّ الجاسوس المسلم يُعَزَّر ولا يجوز قَتْلُه، وإن كان ذا هيئة عُفِيَ عنه؛ لهذا الحديث. وعن أبي حنيفة والأوزاعي يوجَع عقوبة، ويطال حبسُه. وقال ابن وهب من المالكيَّة يُقْتل إلَّا أن يتوب. وعن بعضهم أنَّه يقتل إذا كانت عادته ذلك، وبه قال ابن الماجشون.

ج 13 ص 574

وقال ابن القاسم تُضْرَبُ عنقه؛ لأنَّه لا تُعْرَفُ توبته، وبه قال سحنون، ومن قال بقتله فقد خالف الحديث وأقوال المتقدِّمين.

وقال الأوزاعي فإن كان كافرًا يكون ناقضًا للعهد. وقال أصبغ الجاسوس الحربي يُقْتل، والمسلم والذِّمي يعاقبان، إلَّا أن يظاهرا على الإسلام فيقتلان، وفيه كما قال الطَّبري أنَّه إذا ظهر للإمام من رجل من أهل السِّتر أنَّه قد كاتب عدوًا من المشركين ينذره ممَّا أسرّه المسلمون فيهم من عزم، ولم يكن معروفًا بالغش للإسلام وأهله، وكان ذلك من قِبَله هفوة وزَلَّة من غير أن يكون لها أخوات يجوز العفو عنه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحاطب من عفوه عن جرمه بعد ما اطَّلع عليه من فعله.

وفيه البيان عن بعض أعلام النبوَّة، وذلك إعلام الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بخبر المرأة الحاملة كتاب حاطب إلى قريش، ومكانها الذي هي به، وذلك كلُّه بالوحي. وفيه هتك ستر المريب وكشف المرأة العاصية. وفيه أنَّ الجاسوس لا يخرجه تجسُّسه عن الإيمان.

وفيه الحجَّة لترك إنقاذ الوعيد من الله لمن شاء ذلك له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) ). وفيه جواز غفران ما تأخَّر من الذُّنوب قبل وقوعه. وفيه جواز تجريد العورة من السِّترة عند الحاجة، قاله ابن العربي.

وفيه دَلالة على أنَّ حكم المتأوِّل في استباحة المحظور خلاف حكم المتعمِّد؛ لاستحلاله من غير تأويل، قاله ابن الجوزي. وفيه أنَّ من أتى محظورًا، وادَّعى في ذلك ما يحتمل التَّأويل كان القول قوله في ذلك، وإن كان غالب الظَّن خلافه.

ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ تلك الظَّعينة التي معها كتاب كان حكمها حكم الجاسوس.

وقد أخرج البخاري الحديث في المغازي [خ¦4274] ، والتَّفسير [خ¦4890] ، وأخرجه مسلم في الفضائل، وأبو داود في الجهاد، والتِّرمذي

ج 13 ص 575

في التَّفسير، وكذا النَّسائي.

[1] في هامش الأصل العَرْج أول تهامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت