3012 - 3013 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة، قال (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هو ابنُ عبد الله بن عتبة بن مسعود، ووقع في رواية الحُميدي في «مسنده» عن سفيان، عن الزُّهري أخبرني عبيد الله (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ) بلفظ الصَّعب ضد السَّهل، وجَثَّامة، بفتح الجيم وتشديد المثلثة، هو ابن قيس بن ربيعة اللَّيثي، وقد مرَّ في جزاء الصَّيد [خ¦1825] .
(قَالَ مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالمد، من عمل الفَرْع من المدينة، بينها وبين الجحفة ممَّا يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، سمِّيت بذلك؛ لتبوء السُّيول بها، وبها توفِّيت أمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(أَوْ بِوَدَّانَ) شكٌّ من الرَّاوي، وهو، بفتح الواو وتشديد الدال المهملة وبعد الألف نون قرية جامعة بينها وبين الأبواء ثمانية أميال قريب من الجحفة، وهي أيضًا من عمل الفَرْع.
(وَسُئِلَ) على البناء للمفعول، والواو فيه للحال، ويروى بالفاء (عَنْ أَهْلِ الدَّارِ) أي أهل دار الحرب (يُبَيَّتُونَ) على البناء للمفعول وقعت حالًا من أهل الدَّار من التبييت، وهو أن يغار عليهم باللَّيل بحيث لا يعرف رجل من امرأة (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) بيان أهل الدَّار.
قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسم السَّائل،
ج 13 ص 582
ثمَّ وجدت في «صحيح ابن حبَّان» من طريق محمَّد بن عمرو، عن الزُّهري بسنده عن الصَّعب قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم؟ قال (( نعم ) ). فظهر أنَّ الرَّاوي هو السَّائل، ثمَّ في رواية مسلم سئل عن الدَّار من المشركين يبيَّتون من نسائهم وذراريهم، فقال (( هم منهم ) ).
وفي لفظ له عن الصَّعب قال قلت يا رسول الله، إنَّا نصيب في البيات من ذراري المشركين، قال (( هم منهم ) ). وفي لفظ له أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قيل له لو أنَّ خيلًا أغارت من اللَّيل فأصابت من أبناء المشركين، قال (( هم من آبائهم ) )، وترجم مسلم على هذا باب ما أصيب من ذراري العدوِّ في البَيَات.
وقال النَّووي هكذا هو في أكثر نسخ بلادنا (( سئل عن الذَّراري ) )، وفي بعضها (( سئل عن الدَّار من المشركين ) ). ونقل القاضي عياض هذه عن رواية جمهور رواة «صحيح مسلم» قال وهي الصَّواب، فأمَّا الرِّواية الأولى فقال ليست بشيء، بل هي تصحيف، قال وما بعده يبيِّن غلطه.
وقال النَّووي وليست باطلة كما ادَّعى القاضي، بل لها وجه وتقديره سئل عن حكم صبيان المشركين الذين يبيَّتون فيُصَابُ من نسائهم وذراريهم بالقتل، فقال (( هم من آبائهم ) )أي لا بأس بذلك؛ لأنَّ أحكام البلد جارية عليهم في الميراث، وفي النِّكاح، وفي القصاص والدِّيات وغير ذلك، والمراد إذا لم يُتَعَمَّد من غير ضرورة.
(فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ) وفي رواية مسلم (( إنَّا نصيب في البيات من ذراري المشركين ) )كما مرَّ.
قال النَّووي والمراد بالذَّراري هنا النِّساء والصِّبيان. قال العيني كيف يراد من الذَّراري النِّساء، وقد رأيت في رواية البخاري عطف الذَّراري على النِّساء؟
(قَالَ هُمْ مِنْهُمْ) أي النِّساء والذَّراري من أهل الدَّار من المشركين في الحكم في تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلَّا بوطء الذُّرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم، قاله الخطَّابي.
وأمَّا نهي النَّبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النِّساء
ج 13 ص 583
والصِّبيان على ما سيجيء من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الباب الآتي [خ¦3014] ، والذي يليه [خ¦3015] ، فكان ذلك على القصد إليهم من غير قتال منهم، فإذا قاتلوا فقد ارتفع الحظر، وكذلك ما رواه مسلم عن بريدة رضي الله عنه (( اغزوا فلا تقتلوا وليدًا ولا تمثِّلوا ) ).
وما رواه التِّرمذي عن سَمْرة رضي الله عنه (( اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم ) )وقال حسن صحيح غريب. وما رواه النَّسائي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَقْتُلْهم فلا تَقْتُلْهم يقوله لنجدة الحروري ) ).
وما رواه أبو داود والنَّسائي من حديث رِياح، بكسر الراء وبالمثناة التحتية، ابن الرَّبيع، وفيه فقال لخالد رضي الله عنه (( لا تقتلنَّ امرأة ولا عسيفًا [1] ) ). وما رواه أحمد من حديث الأسود بن سريع، وفيه (( ألا لا تقتلوا ذريَّة، ألا لا تقتلوا ذريَّة ) ).
وما رواه أحمد أيضًا من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وفيه (( ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصَّوامع ) ). وما رواه الطَّبراني في «الأوسط» من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النِّساء والصِّبيان وقال (( هما لمن غلب ) ). وما رواه أيضًا من حديث أبي ثعلبة قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النِّساء والولدان ) ).
وما رواه أبو داود من حديث أنس رضي الله عنه فيه (( ولا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا صغيرًا، ولا امرأة ) ). وما رواه أبو يعلى الموصلي من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه وفيه (( ولا تقتلوا الولدان ) ). وما رواه البزَّار في «مسنده» من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه (( ولا تقتلوا وليدًا ) ). وما رواه أيضًا من حديث عوف بن مالك وفيه (( ولا تقتلوا النِّساء ) ). وما رواه أحمد في «مسنده» من حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من قتل صغيرًا، أو كبيرًا، أو أحرق نخلًا، أو قطع شجرة مثمرةً، أو ذبح شاة لأهلها لم يرجع كفافًا ) ).
وما رواه الطَّبراني من حديث كعب
ج 13 ص 584
(( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النِّساء والولدان ) ). ولما روى التِّرمذي حديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي فيه (( نهى عن قتل النِّساء والصِّبيان ) )، قال والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم كرهوا قتل النِّساء والولدان، وهو قول الثَّوري والشَّافعي، ورخَّص بعض أهل العلم في البيات وقتل النِّساء فيهم والوالدان، وهو قول أحمد وإسحاق.
وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي وما حكاه التِّرمذي عن الثَّوري والشَّافعي من كراهة قتل النِّساء والصِّبيان ظاهر في ترك القتل مطلقًا في البَيَات وغيره، وليس كذلك، أمَّا قتلهم في غير البيات فأجمعوا على تحريمه إذا لم يقاتلوا، كما حكاه النَّووي في «شرح صحيح مسلم» فإن قاتلوا فقال في «شرح صحيح مسلم» حكاية عن جماهير العلماء يُقْتلون.
وقال الطَّحاوي باب ما يُنْهَى عن قتله من النِّساء والولدان في دار الحرب، ثمَّ أخرج عن تسعة أنفس من الصَّحابة رضي الله عنهم في النَّهي عن قتل الولدان والنِّسوان، وقد مرَّت أحاديث أكثرهم آنفًا. ثمَّ قال فذهب قوم إلى أنَّه لا يجوز قتل النِّساء والولدان في دار الحرب على حال، وأنَّه لا يحلُّ أن يقصدَ إلى قتل غيرهم، إذا كان لا يؤمن في ذلك تلفهم من ذلك، فأهل الحرب إذا تترَّسوا بصبيانهم، وكان المسلمون لا يستطيعون رميهم إلَّا بإصابة صبيانهم، فحرام عليهم رميهم في قول هؤلاء.
وكذلك إن تحصَّنوا بحصن وجعلوا فيه الولدان، فحرامٌ عليهم رمي ذلك الحصن إذا خيف في ذلك تلف نسائهم وولدانهم. واحتجُّوا في ذلك بهذه الأحاديث التي ذكرت، وأراد الطَّحاوي بهؤلاء القوم الأوزاعيَّ ومالكًا والشَّافعي في قول، وأحمد في رواية.
وقال أبو عمر اختلفوا في رمي الحصون بالمنجنيق إذا كان فيها أطفال المشركين، أو أُسارى المسلمين. فقال مالك لا يُرْمَى الحِصْنُ ولا تحرق سفينة الكفَّار إذا كان فيها أُسارى المسلمين.
ج 13 ص 585
وقال الأوزاعي إذا تترَّس الكفَّار بأطفال المسلمين لم يُرْمَوا ولا يحرق المركب فيه أسارى المسلمين. وقد أخرج ابن حبَّان في حديث الصَّعب زيادة في آخره (( ثمَّ نهى عنهم يوم حنين ) )، وهي مدرجة في حديث الصَّعب. وبيَّن ذلك في «سنن أبي داود» فإنَّه قال في آخره قال سفيان قال الزُّهري (( ثمَّ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن قتل النِّساء والصِّبيان ) ).
ويؤيِّد كون النَّهي في غزوة حنين ما في حديث رياح بن الرَّبيع الآتي فقال لأحدهم (( الحق خالدًا فقل له لا تقتل ذريَّة ولا عسيفًا ) )والعسيف، بمهملتين وفاء الأجير وزنًا ومعنى.
وخالد أوَّل مشاهده مع النَّبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، وفي ذلك العام كانت غزوة حنين. وقال الثَّوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّد والشَّافعي في «الصَّحيح» وأحمد وإسحاق إذا كان لا يوصَلُ إلى قتلهم إلَّا بتلف الصِّبيان، أو النِّساء فلا بأس به.
وقال أبو عمر قال أبو حنيفة وأصحابه والثَّوري لا بأس برمي حصون المشركين وإن كان فيه أُسارى المسلمين وأطفالهم، أو أطفال المشركين، ولا بأس أن تُحْرَقَ السُّفن ويُقْصَدَ به المشركون، فإن أصابوا واحدًا من المسلمين بذلك فلا دية ولا كفَّارة.
وقال الثَّوري إن أصابوه ففيه الكفَّارة ولا دية. وجنحَ بعضهم إلى الجمع بين الحديثين وقالوا إذا قاتلت المرأة جاز قتلها. وقال ابنُ حبيب من المالكيَّة لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت إلَّا إن باشرت القتل، أو قصدت إليه، قال وكذلك الصَّبي المراهق، ويؤيِّد ذلك ما أخرجه أبو داود والنَّسائي وابن حبَّان من حديث رياح بن الرَّبيع التَّميمي قال كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فرأى النَّاس مجتمعين، فرأى امرأة مقتولة فقال (( ما كانت هذه لتقاتل ) )فإنَّ مفهومه أنَّها لو قاتلت لقتلت، فليتأمَّل.
واتَّفق الجميع كما نقل ابن بطَّال وغيره على منع القصد إلى قتل النِّساء والولدان، أما النِّساء فلضعفهنَّ، وأمَّا الوالدان
ج 13 ص 586
فلقصورهم عن فعل الكفر، ولما في استبقائهم جميعًا من الانتفاع بهم إمَّا بالرقِّ وإمَّا بالفداء فيمن يجوز أن يُفادي به، وهم الشَّافعية.
وحكى الحازمي قولًا بجواز قتل النِّساء والصِّبيان على ظاهر حديث الصَّعب، وزعم أنَّه ناسخ لأحاديث النَّهي، وهو غريب. وقد مرَّ أنَّ حديث رياح بن الرَّبيع يدلُّ على أنَّ النَّهي متأخِّر عن حديث الصَّعب؛ لأنَّ خالدًا رضي الله عنه إنَّما كان مع النَّبي صلى الله عليه وسلم سنة ثمان سنة الفتح.
وسيأتي الكلام على قتل المرأة المرتدَّة في كتاب القصاص إن شاء الله تعالى [خ¦6922]
(وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ) أي قال الصَّعب بن جثَّامة سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول، ويروى بالفاء، وهي رواية أبي ذرٍّ، والأوَّل أصح وأظهر (لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ) هذا حديث مستقلٌّ مضى في كتاب المساقاة في باب لا حمى إلَّا لله ولرسوله [خ¦2370] .
وقوله لا حمى، بدون التنوين، ويروى بالتنوين، فعلى هذا، يكون لا بمعنى ليس، والفرق بينهما أنَّ الأولى موجبة لإرادة الاستغراق، والثَّانية مجوِّزة لها، وقد مرَّ معنى الحديث في الباب المذكور، وكان أهل الجاهليَّة إذا غزا الرَّجل منهم يحمي الأرض بقدر مدى صوت الكلب، ويمنع النَّاس أن يرعوا حوله فأبطل الشَّرع هذا النَّوع من الحمى، وقد حمى عمر رضي الله عنه، فلو لم يجز لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله عمر.
والحاصل أنَّه لا حمى إلَّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يقوم مقامه. وأمَّا وجه ذكر هذا الحديث في أثناء حديث الباب فهو أنَّهم كانوا يحدِّثون بالأحاديث على نحو ما كانوا يسمعونها.
- (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) هو موصول بالإسناد الأوَّل (أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أنَّه قال (حَدَّثَنَا الصَّعْبُ فِي الذَّرَارِيِّ) أشار بهذا إلى أنَّ في هذه الرِّواية عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما حدَّثنا الصَّعب في الذَّراري؛ أي سئل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الذَّراري، وكذا وقع في بعض النُّسخ لمسلم (( سئل عن الذَّراري ) ). وقد مرَّ آنفًا عن النَّووي أنَّه قال المراد بالذَّراري هنا النِّساء والصِّبيان.
(كَانَ عَمْرٌو يُحَدِّثُنَا) أي قال سفيان بن عُيينة كان عَمرو بن دينار يحدِّثنا (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) وهو الزُّهري (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مرسلًا، ويروى عن ابن عبَّاس بدل ابن شهاب، وهو أيضًا صحيحٌ من جهة أنَّ عمرو بن دينار أدرك ابن عبَّاس رضي الله عنهما، لكن الحديث من مسانيد الصَّعب، فلابدَّ أن يقول عن ابن عبَّاس، عن الصَّعب، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ ليتَّصل الإسناد، وعلى النُّسختين فالإسناد مقطوعٌ، لكن الظَّاهر هو الأوَّل.
ج 13 ص 587
قال الحافظُ العسقلاني في سياق هذا الباب عن الزُّهري، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم يوهم أنَّ رواية عَمرو بن دينار، عن الزُّهري هكذا بطريق الإرسال، وبذلك جزم بعض الشُّرَّاح، وليس كذلك، فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق العبَّاس بن يزيد ثنا سفيان قال كان عمرو يحدِّثنا قبل أن يقدم الزُّهري، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عبَّاس، عن الصَّعب بن جثَّامة قال فقدم علينا الزُّهري فسمعته يعيده ويبدؤه، فذكر الحديث. انتهى.
وأراد ببعض الشُّرَّاح الكِرماني حيث قال؛ أي قال سفيان بن عُيينة وكان عَمرو بن دينار يحدِّثنا هذا الحديث عن ابن شهاب مرسلًا، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( هم من آبائهم ) ).
قال العيني والصَّواب معه، فإنَّ صورة ما وقع هنا صورة الإرسال، ولا نزاعَ في ذلك بحسب الظَّاهر، ولا تَنْدَفِع صورة الإرسال هنا بإخراج الإسماعيلي كما ذكره، فافهم.
(فَسَمِعْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ) أي فسمعنا الحديث بعد ذلك عن الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ) رضي الله عنهم، أنَّه (قَالَ هُمْ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ عَمْرٌو) أي ابن دينار (هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ) .
وقال التِّرمذي حدَّثنا نصر بن علي الجهضمي ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال أخبرني الصَّعب بن جثَّامة قال قلت يا رسول إنَّ خيلنا أوطأت من نساء المشركين وأولادهم قال (( هم من آبائهم ) )هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي الحديث دليل على جواز العمل بالعامِّ حتَّى يرد الخاص؛ لأنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم تمسَّكوا بالعمومات الدَّالة على قتل أهل الشِّرك، ثمَّ نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النِّساء والصِّبيان، فخصَّ ذلك العموم، ويحتمل أن يستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. ويستنبط منه الردُّ على من يتخلَّى عن النِّساء وغيرهن من أصناف
ج 13 ص 588
الأموال زهدًا؛ لأنَّهم وإن كان قد يحصل منهم الضَّرر في الدِّين، لكن يتوقَّف تجنُّبهم على حصول ذلك الضَّرر، فمتى حصل اجتنب، وإلَّا فليتناول من ذلك بقدر الحاجة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وسئل عن أهل الدَّار ) )إلى قوله (( وسمعته ) ). والحديث أخرجه مسلم في المغازي، وأبو داود، وابن ماجه في الجهاد، والتِّرمذي، والنَّسائي في السِّير.
[1] في هامش الأصل العسيف_ بمهملتين وفاء _ الأجير وزنًا ومعنى. منه.