فهرس الكتاب

الصفحة 473 من 11127

278 -279 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) بفتح النون وسكون المهملة، السعدي البخاري، وقد يذكره المؤلِّف تارةً في هذا الكتاب بالنسبة إلى أبيه بأن يقول إسحاق بن إبراهيم بن نصر، وتارة بالنسبة إلى جده كما هاهنا، وقد تقدم ذكره في باب فضل من علم وعلم [خ¦79] .

(قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام الصنعاني (عَنْ مَعْمَرٍ) أي ابن راشد (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم في الأول وبكسر الباء الموحدة في الثاني، وقد تقدم ذكرهم في باب حسن إسلام المرء [خ¦42] .

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وفي هذا الإسناد رواية تابعي عن تابعي، وقد أخرج متنه مسلم أيضًا في أحاديث الأنبياء عليهم السلام (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ) أي جماعتهم، وهو كقوله تعالى {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا} [الحجرات 14] ، وقد مرَّ أن إسرائيل اسمُ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله وسلامه على نبينا

ج 2 ص 448

وعليهم أجمعين، وكان بنو يعقوب عليه السلام اثني عشر رجلًا وهم روبيل، ويهوذا، وشمعون، ولاوي، وداني، ويفتالي، وزبولون، وجاد، ويساخر، وآشير، ويوسف، وبنيامين، وهم الذين سماهم الله تعالى الأسباط؛ لأن كل واحدٍ منهم قبيلة، والسبط في كلام العرب الشجرة الملتفة الكثيرة الأغصان، والأسباط من بني إسرائيل كالشعوب من العجم، والقبائل من العرب، وموسى عليه السلام من ذريةِ لاوي؛ لأنه موسى ابن عمران بن قاهث بن لاوي.

(يَغْتَسِلُونَ) حال كونهم (عُرَاةً) جمع عار، كقضاة جمع قاض (يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) وهو أيضًا حالٌ، وظاهره أن ذلك كان جائزًا في شرعهم، وإلا لما أقرهم موسى عليه السلام على ذلك، بل أنكره عليهم، ويحتمل أن يكون حرامًا عندهم أيضًا، لكنهم كانوا يتساهلون في ذلك، قيل [1] وهو الظاهر؛ لأن الأول لا ينهض أن يكون دليلًا لجواز مخالفتهم له في ذلك.

ويؤيده قول القرطبي كانت بنو إسرائيل تفعل ذلك؛ معاندة للشرع ومخالفة لموسى عليه السلام، وهذا من جملة عتوِّهم وقلَّة مبالاتهم باتباع شرعهم.

(وَكَانَ مُوسَى) وزاد الأَصيلي قوله (يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ) يعني كان يختار الخلوة تنزهًا وحياءً ومروءة، وأخذ بالأفضل أو لحرمة التعري (فَقَالُوا) أي بنو إسرائيل (وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا) أمر من الأمور [2] (إِلاَّ أَنَّهُ آدَرُ) بالمد وفتح الدال وتخفيف الراء كآدم، وقيل على وزن فَعَّل؛ أي عظيم الخصيتين منتفخهما. قال الجوهري الأدرة نفخةٌ في الخصية وهي بفتحات، وحكي ضم أوله، وإسكان الدال.

(فَذَهَبَ) موسى عليه السلام (مَرَّةً يَغْتَسِلُ) جملة وقعت حالًا، وهي حال منتظرة (فَوَضَعَ ثَوْبَهُ) الذي كان يلبسه (عَلَى حَجَرٍ) ، قال سعيد بن جبير هو الحجر الذي كان يحمله معه في الأسفار، فيضربه، فينفجر منه الماء.

(فَفَرَّ الْحَجَرُ) ملابسًا (بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ موسى) عليه السلام، وفي رواية أي ذهب يجري جريًا عاليًا، وكل شيءٍ مضى على وجهه فقد جمح، وقال نفطويه الدابة الجموح هي التي تميل في أحد شقيها (فِي إِثْرِهِ) بكسر الهمزة وسكون المثلثة، وفي بعض الأصول بفتحهما، وفي (( القاموس ) )خرج في إثره وأَثَره بعده.

(يَقُولُ) أي حال كونه يقول رُدَّ أو أعطني (ثَوْبِي يَا حَجَرُ، ثَوْبِي يَا حَجَرُ) مرتين، وإنما خاطبه مع

ج 2 ص 449

أنه جماد؛ لأنه أجراه مجرى من يعقل؛ لكونه فرَّ بثوبه، فانتقل عنده من حكم الجماد إلى حكم الحيوان.

(حَتَّى) أي فر الحجر بثوبه وأتى مجتمع بني إسرائيل حتى (نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى) عليه السلام (فَقَالُوا) وفي رواية بالواو (وَاللَّهِ مَا) نافية (بِمُوسَى) عليه السلام، وهو خبر ما.

وقوله (مِنْ بَأْسٍ) اسمها وحرف الجر زائدٌ (وَأَخَذَ) موسى عليه السلام (ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ) بكسر الفاء وفتحها، وفي رواية بالواو؛ أي أسرع وجعل يضرب (الْحَجَر ضَرْبًا) فالحجر منصوب بفعل مقدر كذا في رواية الكُشميهني والحمُّويي، وأما في رواية الأكثرين بزيادة الموحدة؛ أي جعل ملتزمًا وملابسًا به يضربه ضربًا، وإنما فعله؛ لكونه ناداه فلم يُطِعْه.

وقال النووي يجوز أن يكون أراد موسى عليه السلام بضرب الحجر إظهار معجزةٍ لقومه بتأثير ضربه في الحجر، أو أنه أُوحِيَ إليه أن اضْرِبْه لإظهار الإعجاز، ومشيُ الحجر إلى بني إسرائيل بالثوب أيضًا معجزة أخرى لموسى عليه السلام.

(فَقَالَ) وفي روايةٍ (أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه هو إما من تتمة مقول همام فيكون مسندًا، وإما تعليقٌ من البخاري، وبالأول جزم الحافظ العسقلاني (وَاللَّهِ إِنَّهُ) أي ضرب موسى عليه السلام (لَنَدَبٌ) بفتح النون والدال وفي آخره موحدة، والندب أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، وعن الأصمعي هو الجرح إذا بقي منه أثر مشرف، يقال ضربه حتى أندبه ويقال نُدِبَ ظهره نَدبًا وندوبة وندوبًا فهو نَدِبٌ صار فيه ندوب، وأندب بظهره، وفي ظهره غَادَرَ فيه نُدُوْبًا.

(بِالْحَجَرِ، سِتَّةٌ) بالرفع على البدلية؛ أي ستة آثار، أو بتقدير المبتدأ ويجوز النصب على الحال من الضمير المستكن في قوله بالحجر؛ فإنه ظرف مستقر، والمعنى إنه لَنَدَبٌ استقر بالحجر حال كونه ستة (أَوْ سَبْعَةٌ) شكٌّ من الراوي (ضَرْبًا بِالْحَجَرِ) بالنصب على التمييز، فافهم.

ووجه مطابقة الحديث للترجمة اغتسال موسى عليه السلام عريانًا وحده خاليًا عن الناس، وهو مبنيٌّ على أنَّ شرعَ مَن قبلنا شرعٌ لنا إذا قصَّ الله ورسوله من غير نكير.

ففي الحديث جواز التعري في الخلوة للغسل وغيره بحيث يأمن من أعين الناس؛ لأنه من الذين أمرنا الله أن نقتدي بهداهم، وفيه جواز النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية إليه من مداواة، أو براءة من العيوب، أو إثباتها كالبرص وغيره مما يتحاكم الناس فيه مما لا بد فيه من رؤية البصر بها.

وأبدى [ابن] الجوزي احتمال أن يكون عليه مئزرٌ؛ لأنه يظهر ما تحته بعد البلل، واستحسن ذلك ناقلًا له عن بعض مشايخه.

وفيه جواز الحلف

ج 2 ص 450

على الأخبار لحلف أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه دليلٌ على أن الله تعالى كمل أنبياءه عليهم السلام خَلْقًا وخُلُقًا، ونزههم عن المعايب والنقائص، وعن كل ما يتنفر عنه الناس، وفيه ما ابتلي به الأنبياء من أذى الجهال، وصبرهم على ذلك.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وهو معطوفٌ على الإسناد الأول.

وقال الحافظ العسقلاني وجزم الكِرماني بأنه تعليقٌ بصيغة التمريض فأخطأ، فإن الحديثين ثابتان في نسخة همام بالإسناد المذكور، وقد أخرج البخاري هذا الثاني من رواية عبد الرزاق بهذا الإسناد في أحاديث الأنبياء.

وقال محمود العيني إن الكِرماني لم يجزم بذلك، وإنما قال تعليق التمريض بناء على الظاهر. انتهى، وفيه نظر.

(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ بَيْنَا) بالألف من غير ميم، وهو كما مرَّ يدخل على الجملة الاسمية والعامل فيه قوله (خر) ، وما قيل إنَّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله؛ لأن فيه معنى الجزائية، إذ (بين) متضمنة للشرط، فجوابه إنَّا لا نسلم عدم عمله سيما في الظرف، إذ فيه توسعٌ، أو العامل (خرّ) المقدر، والمذكور مفسر له، وإنما لم يؤت في جوابه بإذ أو إذا الفجائية؛ لأن الفاء تقوم مقامهما كعكسه في قوله تعالى {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم 36] ، فبينهما معاوضة ومقارضة.

(أَيُّوبُ) هو اسمٌ أعجميٌّ، وهو ابن آموص بن رزاح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وهذا هو المشهور، وقيل ابن رزاح بن روم بن عيص بن إسحاق، وأمه بنت لوط عليه السلام، وكان أعبد أهل زمانه، وهو النبيٌّ المبتلى الصابر، وعاش ثلاثًا وتسعين أو ستين سنة، ومدة بلائه سبع سنين.

(يَغْتَسِلُ) في محل الرفع على أنه خبر المبتدأ، وهو قوله أيوب (عُرْيَانًا) بالنصب على الحال (فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ) سمي به؛ لأنه يجرد الأرض فيأكل ما عليها.

وفي (( الصحاح ) )الجراد معروفٌ، والواحدة الجرادة يقع على الذكر والأنثى، وليس الجراد بِذَكَرٍ للجرادة، وإنما هو اسم جنسٍ كالبقر والبقرة والحمام والحمامة والتمر والتمرة، فحق مؤنثه أن لا يكون من لفظه؛ لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع.

(مِنْ ذَهَبٍ) وهل كان جرادًا ذا روح إلا أنَّ جسمَه ذهبٌ أو كان على شكل الجراد، وليس فيه روح، قال في (( شرح التقريب ) )الأظهر هو الثاني.

(فَجَعَلَ أَيُّوبُ) عليه السلام (يَحْتَثِي) على وزن يفتعل من حثى يحثي ويحثو

ج 2 ص 451

والياء أعلى، ويقال الحثية باليدين جميعًا عند أهل اللغة وزعم ابن قُرقول أنه يكون باليد الواحدة أيضًا، والمعنى يأخذه بيده ويرمي (في ثَوْبِهِ) ووقع [3] في رواية ابن عساكر والقابسي عن أبي زيدٍ بالنون بدل الياء، وقال العيني (أمعنت النظر في كتب اللغة فما وجدت له وجهًا في هذا) .

(فَنَادَاهُ رَبُّهُ) تعالى (يَا أَيُّوبُ) بأن كلمه كموسى أو بواسطة الملك، والأول أولى بظاهر اللفظ (أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ) بفتح الهمزة (عَمَّا تَرَى) من جراد الذهب (قَالَ بَلَى وَعِزَّتِكَ) أغنيتني (وَلَكِنْ لاَ غِنَى بِي) بقصر غنى بغير تنوين، على أن لا لنفي الجنس، وروي بالتنوين والرفع التقديري، على أن لا بمعنى ليس، ومعناهما واحدٌ؛ لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، وخبر (لا) يحتمل أن يكون قوله (( بي ) )ويحتمل أن يكون قوله (عَنْ بَرَكَتِكَ) أي خيرك الكثير، ومما يستنبط منه ما قاله ابن بطال من جواز الاغتسال عريانًا؛ لأن الله تعالى عاتب أيوب عليه السلام على جَمْعِ الجراد، ولم يعاتبه على الاغتسال عريانًا، ومنه جواز الحلف بصفةٍ من صفات الله تعالى.

وقال الداودي وفيه فضل الكفاف على الفقراء؛ لأن أيوب عليه السلام لم يكن يأخذ ذلك مفاخرًا ولا مكاثرًا إنما أخذه ليستعين به فيما لا بد له منه، ولم يكن الرب جل وعلا ليعطيه ما ينقص به حفظه.

وفيه جواز الحرص على المال الحلال، وفيه فضل الغنى؛ لأنه سماه بركة، وهو بركة من ربه؛ لأنه قريب العهد بتكوين الله، أو أنه نعمة جديدة خارقة للعادة، فينبغي تلقيها بالقبول، وفي ذلك شكرٌ لها وتعظيمٌ لشأنها، وفي الإعراض عنها كفرٌ لها.

(وَرَوَاهُ) أي هذا الحديث المذكور (إِبْرَاهِيمُ) هو ابن طَهمان بفتح المهملة، أبو سعيد الخراساني، مات بمكة سنة ثلاث وستين ومئة (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضم المهملة وسكون القاف وفتح الموحدة، التابعي المتقدم ذكره في باب إسباغ الوضوء [خ¦139] .

(عَنْ صَفْوَانَ) بفتح المهملة (بْنِ سُلَيْم) بضم المهملة وفتح اللام، التابعي المدني أبو عبد الله الإمام القدوة، يقال إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنةً، وكان لا يقبل جوائز السلطان، وقال أحمد يستنزل بذكره القطر، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ومئة.

(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) وقد تقدم في باب كفران العشير [خ¦29] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)

ج 2 ص 452

رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ بَيْنَا) بغير ميم، وقوله (( قال بينا ... إلى آخره ) )بدلٌ من الضمير المنصوب في رواه إبراهيم (أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا) الحديث إلى آخره، وهذه الرواية موصولة أخرجها النسائي عن أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم.

وأخرجه الإسماعيلي فقال حدَّثنا أبو بكر عبيد الشعراني، وأبو عمرو أحمد بن محمد الحيري، قالا حدَّثنا أحمد بن حفص حدثني أبي حدثني إبراهيم، عن موسى بن عقبة، إلى آخره.

ولما ذكره الحميدي قال قال عطاء تعليقًا عن أبي هريرة ثمَّ قال لم يزد _ يعني البخاري _ على هذا الحديث من رواية عطاء، وقد أخرجه ولم يذكر اسم شيخه وأرسله.

وقال الكِرماني فإن قلت لم أخر الإسناد عن المتن؟، قلت لعل له طريقًا آخر غير هذا، وتركه وذكر الحديث تعليقًا لغرض من الأغراض التي تتعلق بالتعليقات، ثمَّ قال ورواه إبراهيم إشعارًا بهذا الطريق الآخر، وهذا أيضًا تعليق؛ لأن البخاري لم يدرك عصر إبراهيم، ثمَّ إن المحدثين كثير منهم يذكرون الحديث أولًا، ثمَّ يأتون بالإسناد، لكن الغالب عكسه.

[1] في هامش الأصل القائل هو القسطلاني. منه.

[2] (( أمر من الأمور ) )ليست في (خ) .

[3] في (خ) (( وقد وقع ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت