فهرس الكتاب

الصفحة 4730 من 11127

3022 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) بكسر اللام المخففة، ابن سعيد أبو الحسن الطُّوسي، سكن بغداد وهو من أفراد البخاري، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ) واسم أبي زائدة الميمون الهمداني الكوفي، مات يحيى سنة ثلاث وثمانين ومئة بالمدائن قاضيًا بها.

(قَالَ

ج 13 ص 610

حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) زكرياء الهمداني الكوفي الأعمى (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله الهمداني السَّبيعي الكوفي (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) الأنصاري الخرزجي الأوسي (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ) الرَّهط الجماعة من الرِّجال ما بين الثَّلاثة إلى التِّسعة، ولا يكون فيهم امرأة، وهم عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن عتبة، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة، والأسود بن خزاعي، ومسعود بن سنان، وعند ابن عقبة كان معهم أيضًا سعد بن حرام، حليف بني سَوَادة. قال السُّهيلي لا نعرف أحدًا ذكره غيره.

وقال العينيُّ ذكره الحاكم أيضًا في «الإكليل» عن الزُّهري، وعند الكلبيِّ عبد الله بن أنيس هو ابن سعد بن حرام.

(إِلَى أَبِي رَافِعٍ) ضدُّ الخافض، هو عبد الله، وقيل سلام بن أبي الحُقَيق، بضم المهملة وفتح القاف الأول على صيغة التصغير، اليهودي، ثمَّ المُوجِبُ لبعثه صلى الله عليه وسلم هؤلاء الرَّهط إلى أبي رافع، على ما ذكره ابن إسحاق، أنَّه لمَّا انقضى أمر الخندق، وأمر بني قريظة، وكان أبو رافع ممَّن حزَّب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله، فأذن لهم فخرجوا.

وفي «طبقات ابن سعد» كان أبو رافع قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب، وجعل لهم من الجعل العظيم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين ذُكِرُوا، وأمَّا وقت هذا البعث، فقال ابنُ سعد كان في شهر رمضان سنة ستٍّ من الهجرة، وقيل في ذي الحجَّة سنة خمس.

وفي «الإكليل» كان بعد بدر، وقيل بعد غزوة السَّويق. وقال النَّيسابوري قبل دومة الجندل. وقال ابن حبَّان بعد بدر الموعد آخر سنة أربع. وقال أبو معشر بعد غزوة ذات الرِّقاع، وقيل سرية عبد الله بن رواحة. وقال الزُّهري هو بعد كعب بن الأشرف.

(لِيَقْتُلُوهُ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) هو عبد الله بن عَتِيك، بفتح المهملة وكسر المثناة التحتية، الأنصاري من بني عمرو بن عوف، استشهد يوم اليمامة. قال أبو عمر وأظنُّه وأخاه جابر بن عتيك شهد بدرًا، ولم يختلف أنَّ عبد الله

ج 13 ص 611

شهد أحدًا. وقال ابن الكلبي وأبوه إنَّه شهد صفِّين مع عليٍّ رضي الله عنه، فإن كان هذا صحيحًا فلم يُقتل يوم اليمامة.

(فَدَخَلَ حِصْنَهُمْ) يقال إنَّه حصن بأرض الحجاز، والظَّاهر أنَّه خيبر (قَالَ فَدَخَلْتُ فِي مَرْبِطِ دَوَابَّ لَهُمْ، قَالَ وَأَغْلَقُوا بَابَ الْحِصْنِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ، فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ، فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ، أُرِيهِمْ) بضم الهمزة وكسر الراء، من الإراءة.

(أَنِّي أَطْلُبُهُ مَعَهُمْ، فَوَجَدُوا الْحِمَارَ فَدَخَلُوا وَدَخَلْتُ، وَأَغْلَقُوا بَابَ الْحِصْنِ لَيْلًا، فَوَضَعُوا الْمَفَاتِيحَ فِي كُوَّةٍ) بضم الكاف وفتحها، هي الثُّقب في جدار البيت (حَيْثُ أَرَاهَا، فَلَمَّا نَامُوا أَخَذْتُ الْمَفَاتِيحَ، فَفَتَحْتُ بَابَ الْحِصْنِ) فإن قيل كان هو داخل الحصن فما معناه؟ فالجواب أنَّه كان للحصن مغالق وطبقات.

(ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ، فَأَجَابَنِي فَتَعَمَّدْتُ الصَّوْتَ) أي اعتمدت الصَّوت إذ كان الموضع مظلمًا (فَضَرَبْتُهُ فَصَاحَ، فَخَرَجْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ كَأَنِّي مُغِيثٌ، فَقُلْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ، وَغَيَّرْتُ صَوْتِي، فَقَالَ مَا لَكَ؟) كلمة ما للاستفهام مبتدأ ولك خبره (لأُمِّكَ الْوَيْلُ) القياس أن يقال على أمِّك الويل، وإنَّما ذكر اللام لإرادة الاختصاص بها.

(قُلْتُ مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ لاَ أَدْرِي مَنْ دَخَلَ عَلَيَّ فَضَرَبَنِي قَالَ فَوَضَعْتُ سَيْفِي فِي بَطْنِهِ، ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ) أي تكلفته على مشقَّة (حَتَّى قَرَعَ الْعَظْمَ) أي أصابه، ومنه قرعته الدَّاهية؛ أي أصابته، وأصل القَرْع الضَّرب.

(ثُمَّ خَرَجْتُ وَأَنَا دَهِشٌ) بفتح الدال وكسر الهاء، صفة مشبهة من الدَّهشة؛ أي متحيِّر مدهوش، والجملة اسميَّة وقعت حالًا (فَأَتَيْتُ سُلَّمًا لَهُمْ لأَنْزِلَ مِنْهُ فَوَقَعْتُ، فَوُثِئَتْ رِجْلِي) بضم الواو وكسر المثلثة، من الوثاء، وهو أن يصيبَ العظم وَصْمٌ لا يبلغ الكسر.

وذكر ثعلب هذه المادَّة في باب المهموز من الفعل، يقال وثئت يده فهي موثوءة، ووثأتها أنا، وأمَّا ابن فارس فقال وقد يهمز.

ج 13 ص 612

وقال الخطَّابي والواو مضمومة على بناء الفعل لما لم يُسَمَّ فاعله.

(فَخَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ مَا أَنَا بِبَارِحٍ) أي بذاهب (حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ) بالنون وكسر العين المهملة على وزن الفاعلة، من النَّعي وهو الإخبار بالموت، ويروى أي الصَّارخة التي تندب القتيل، والوعي الصَّوت. قال صاحب «العين» الوعي جَلَبة وأصواتٌ للكلاب في الصَّيد. وقال الدَّاودي الدَّاعية التي تدعو بالويل وهي النَّائحة.

(فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى سَمِعْتُ نَعَايَا أَبِي رَافِعٍ) كذا الرِّواية، قيل وصوابه نعاي، بغير ألف، كذا تقوله النُّحاة. وقال الخطَّابي هكذا يروى نعايا أبي رافع، وحقُّه أن يقال نعاي أبا رافع؛ أي انعوا أبا رافع، كقولهم دراك بمعنى أدركوا.

وزعم سيبويه أنَّه يطرد هذا الباب في الأفعال الثُّلاثية كلها أن يقال فيها فعال بمعنى أفعل نحو حَذَار ومَنَاع ونَزَال، كما تقول انْزل واحْذر وامْنع.

وقال الأصمعي كانت العرب إذا مات فيهم ميِّت له قَدْرٌ رَكِبَ راكبٌ فرسًا، وجعل يسير في النَّاس ويقول نعاء فلانًا؛ أي نائعه، وأظهر خبر وفاته. قال أبو نصر وهي مبنيَّة على الكسر. وقال الدَّاودي نعايا، جمع ناعية، والأظهر أنَّه جمع نعي، مثل صفايا، جمع صفي.

وفي «المطالع» نعايا أبي رافع، هو جمع نعي؛ أي أصوات المنادي بنعيه من الرِّجال والنِّساء، وقد يحتمل أن تكون هذه الكلمة، كما جاء في الخبر الآخر في حديث شدَّاد بن أوس (( نعايا العرب ) ).

قال الأصمعي إنَّما هو يا نعاء العرب؛ أي يا هؤلاء انعوا العرب. وقال الكرماني يحتمل أن نعاء من أسماء الأفعال، وقد جمع على نحو خطايا شاذًّا، ويحتمل أن يكون جمع نعي أو ناعية.

وتعقَّبه العيني بأنَّه من أسماء الأفعال بلا احتمال؛ لأنَّه بمعنى انعوا. وقوله أو ناعية، نقله من كلام الدَّاودي. انتهى، فليُتَأمَّل.

(تَاجِرِ أَهْلِ الْحِجَازِ) بالجرِّ بدل من أبي رافع أو بيان له (قَالَ فَقُمْتُ وَمَا بِي قَلَبَةٌ) بالقاف واللام والباء الموحدة المفتوحات؛ أي وما بي علَّة.

ج 13 ص 613

قال الفرَّاء أصله من القلاب، وهو داءٌ يصيب الإبل. وزاد الأصمعي تموت من يومها، فقيل ذلك لكلِّ سالم ليس به علَّة.

وقال ابنُ الأعرابي معناه ليست به علَّة يقلب لها فينظر إليه، وأصل ذلك في الدَّواب. وعن الأصمعي معناه ما به داء، وهو من القلاب داء يأخذ الإبل في رؤوسها فيقلبها إلى فوق.

وقال الفرَّاء ما به علَّة يخشى عليه، وهو من قولهم قَلَبَ الرَّجل إذا أصابه وجع في قلبه، وليس يكاد يفلت منه. وقال غيره ما به شيء يُقْلقله فيقلب منه على فراشه.

وقال النحَّاس حكى عبد الله بن مسلم أنَّ بعضهم يقول في هذا ما به حول، ثمَّ استعير من هذا الأصل لكلِّ سالم ليست به آفة.

(حَتَّى أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْنَاهُ) أي أخبرنا النَّبي صلى الله عليه وسلم بموت أبي رافع، ثمَّ إنَّ الذي يظهر من هذا الحديث أنَّ الذي قتله هو عبد الله بن عتيك.

وقال ابن سعد وغيره لمَّا ذهب الجماعة المذكورون إلى خيبر كمنوا، فلمَّا هدأت الأرجل جاءوا إلى منزله فصعدوا درجه وقدَّموا عبد الله بن عتيك؛ لأنَّه كان ينطق باليهوديَّة، واستفتح وقال جئت أبا رافع بهديَّة، ففتحت له امرأته، فلمَّا رأت السِّلاح أرادت أن تصيحَ، فأشار إليها بالسَّيف فسكتتْ، فدخلوا عليه فما عرفوه إلَّا ببياضه كأنَّه قبطية فكلموه بأسيافهم.

قال ابنُ أنيس وكنت رجلًا أعشى لا أبصر فأتكئ بسيفي على بطنه حتَّى سمعت حسَّه في الفراش، وعرفت أنَّه قضى، وجعل القوم يضربونه جميعًا، ثمَّ نزلوا وصاحت امرأته فتصايح أهل الدَّار، واختبئ القوم في بعض مياه خيبر، وخرج الحارث أبو زينب في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنِّيران فلم يجدوا فرجعوا ومكث القوم في مكانهم يومين حتَّى سكن الطَّلب، ثمَّ خرجوا إلى المدينة وكلُّهم يدَّعي قتله، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيوفهم فنظر إليها فإذا أثر الطَّعام في ذبابة سيف ابن أنيس فقال هذا قتله.

وفي كتاب «دلائل النبوَّة» قتله ابن عتيك، ووقف عليه ابن أنيس. وفي «الإكليل» عن ابن أنيس قال ظهرت أنا وابن عتيك،

ج 13 ص 614

وقعد أصحابنا في الحائط فاستأذن ابنُ عتيك، فقالت امرأة ابن أبي الحقيق إنَّ هذا لصوت ابن عتيك، فقال ابن أبي الحقيق ثكلتك أمُّك، ابن عتيك بيثرب، أنَّى هو هذه السَّاعة؟ افتحي، فإنَّ الكريم لا يردُّ عن بابه هذه السَّاعة أحدًا، ففتحت فدخلت أنا وابن عتيك، فقال [1] لابن عتيك دونك، فشهرت عليه السَّيف، فأخذ ابن أبي الحقيق وسادة فاتَّقاني بها، فجعلت أريد أن أضربه فلا أستطيع فوخزته بالسَّيف وخزًا، ثمَّ خرجت إلى ابن عتيك فقال أقتلته؟ قلت نعم.

وقال الواقدي كانت أم ابن عتيك التي أرضعته يهوديَّة بخيبر، فأرسل إليها يعلمها بمكانه فخرجت إلينا بجرابٍ مملوء تمرًا لينًا وخبزًا، ثمَّ قال لها يا أمَّاه أما لو أمسينا لبتنا عندك فأدخلينا خيبر فقالت وكيف تطيق خيبر، وفيها أربعة آلاف مقاتل، ومن تريد فيها؟ قال أبا رافع، قالت لا تقدر عليه، ثمَّ قالت ادخلوا عليَّ ليلًا، فدخلوا عليها ليلًا لمَّا نام أهل خيبر في حمر النَّاس، وأعلمتهم أنَّ أهل خيبر لا يغلقون عليهم أبوابهم فرقًا أن يتطرَّقهم ضيف، فلمَّا هدأت الأرجل قالت انطلقوا حتَّى تستفتحوا على أبي رافع فقولوا إنَّا جئنا بهديَّة، فإنَّهم سيفتحون لكم، فلمَّا انتهوا إليه استهموا عليه فخرج سهم ابن أنيس.

وفي الحديث جواز الاغتيال على من أعان على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد أو مالٍ أو رأي، وكان أبو رافع يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤلِّب النَّاس عليه.

وفيه جواز التجسُّس على المشركين وطلب غرَّتهم. وفيه الاغتيال بالحرب والإيهام بالقول. وفيه الأخذ بالشدَّة في الحرب، والتعرُّض لعدد كثير من المشركين. وفيه الإلقاء إلى التَّهلكة باليد في سبيل الله، وأمَّا الذي نهي عنه من ذلك فهي في الإنفاق في سبيل الله؛ لئلَّا يخلي يده من المال

ج 13 ص 615

فيموت جوعًا أو ضياعًا.

ويؤخذ منه جواز قتل المشرك من غير دعوة إذا كان قد بلغته الدَّعوة قبل ذلك، وأمَّا قتله إذا كان نائمًا فمحلُّه أن يُعْلَم أنَّه مستمرٌّ على كفره، وأنَّه قد يُئِس من فلاحه، وطريق العلم بذلك إمَّا الوحي وإمَّا القرائن الدالَّة على ذلك، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ الصَّحابي طلب قتل أبي رافع وهو نائم، وإنَّما ناداه ليتحقَّق أنَّه هو لئلَّا يقتل غيره ممَّن لا غرض له إذ ذاك في قتله، وبعد أن أجابه كان في حكم النَّائم؛ لأنَّه حينئذٍ استمرَّ على حال نومه، بدليل أنَّه بعد أن ضربه لم يفرَّ من مكانه، ولا تحوَّل من مَضْجعه حتَّى عاد إليه فقتله.

[1] في هامش الأصل في نسخة ظاهرة فقلت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت