3041 - (حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بتشديد الكاف والياء، اسم علميٌّ على لفظ النَّسبة، هو ابنُ إبراهيم بن بشير بن فرقد البرجمي التَّميمي الحنظلي البلخي، قال (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ) من الزيادة (ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمةَ بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ) هو ابنُ الأكوع (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الْغَابَةِ) بالغين المعجمة وبعد الألف موحدة، وهي على بريدٍ من المدينة في طريق الشَّام، وهي في الأصل الأجمة، وقوله ذاهبًا حال من التاء في خرجتُ.
(حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الْغَابَةِ) الثنيَّة في الجبل كالعقبة فيه(لَقِيَنِي غُلاَمٌ
ج 14 ص 27
لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قُلْتُ وَيْحَكَ)نصب على الترحم (مَا بِكَ؟ قَالَ أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) على البناء للمفعول، واللِّقاح، بكسر اللام، والواحد لقوح أو لقحة، وهي الحلوب.
وقال ابنُ سعد كانت لقاح سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين لقحة ترعى بالغابة، وكان أبو ذرٍّ فيها.
(قُلْتُ مَنْ أَخَذَهَا قَالَ غَطَفَانُ) بالمعجمة ثمَّ بالمهملة المفتوحتين وبالفاء (وَفَزَارَةُ) بفتح الفاء وبالزاي الخفيفة وبالراء، قبليتان من العرب، وكان رأسُ القوم الذين أغاروا عُيينةَ بن حصن بن حذيفة بن بدرٍ الفزاري في خيل من غطفان.
(فَصَرَخْتُ ثَلاَثَ صَرَخَاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا) أي لابتي المدينة، واللَّابة الحرَّة، وقد مرَّ غير مرَّة [خ¦1869] (يَا صَبَاحَاهْ يَا صَبَاحَاهْ، ثُمَّ انْدَفَعْتُ) أي أسرعت في السَّير (حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ، وَأَقُولُ أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ) الأكوع لقب، واسمه سنانُ بن عبد الله (وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ) بضم الراء وتشديد الضاد المعجمة بعدها عين مهملة، بصيغة الجمع، والمراد بهم اللِّئام؛ أي اليوم يوم هلاك اللِّئام.
قال ابنُ الأنباري هو الذي رضع اللُّؤم من ثدي أمِّه؛ أي غذِّي به، وقيل هو الذي يرضع ما بين أسنانه يستكثرُ من الجشع بذلك، والجشعُ أشدُّ الحرص. وقالتْ امرأة من العرب تذمُّ رجلًا إنَّه لأُكُلَةٌ ثُكُلَة يأكُلُ من جشعه خَلَلَه؛ أي ما يتخلَّل بين أسنانه.
وقال أبو عَمرو هو الذي يرضعُ الشَّاة أو النَّاقة قبل أن يحلبَها من شدَّة الشَّره. وقال قوم الرَّاضع الرَّاعي لا يُمْسِكُ معه محلبًا، فإذا جاءه إنسان فسأله أن يسقيَه احتجَّ أنَّه لا محلب معه، وإذا أراد هو أن يشربَ رضع النَّاقة أو الشَّاة، وقيل هو رجلٌ كان يرضعُ الغنم ولا يحلبها؛ لئلَّا يُسْمَعَ صوتُ الحَلْبِ فيُطلَبَ منه.
وفي (( الموعب ) )رضعَ الرَّجل رضاعة، مثل كرم، وهو رضيعٌ، وراضع للئيم وجمعه راضعون. وقال ابنُ دريد أصلُ الحديث أنَّ رجلًا
ج 14 ص 28
من العمالقة طرقه ضيف ليلًا فمصَّ ضرعَ شاته لئلا يسمع الضَّيف صوت الحلبِ فيطلبُ منه، فكثر حتَّى صار كل لئيم راضعًا فعل ذلك أو لم يفعله.
وقال الجوهريُّ زعموا أنَّ رجلًا كان يرضع غنمه ولا يحلبها؛ لئلَّا يُسْمَعَ صوتُ حَلْبه فيُطلب منه، ثمَّ قالوا رضع الرَّجل كأنَّه كالشَّيء يطبع عليه. وقيل هو الذي يرضعُ طرف الخلال التي تخل بها أسنانه، ويمصُّ ما يتعلَّق به، وحاصله أنَّه يراد به اللَّئيم.
وقال بعضهم معنى قوله واليوم يوم الرُّضع، اليوم يُعْرَفُ من رَضَع كريمةً فأنجبته أو لئيمة فهجنته، أو اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره وتدرَّب بها من غيره. وقال السُّهيلي اليوم يوم الرُّضع برفعهما وبنصب الأول ورفع الثَّاني.
وقال العيني وجه رفعهما كونهما مبتدأ وخبرًا، ووجه النصب الظَّرفية، ويكون يوم الرضع مبتدأ، وخبره الظَّرف قبله، تقديره في هذا اليوم يوم الرُّضع يعني يوم هلاك اللِّئام.
(فَاسْتَنْقَذْتُهَا) أي استخلصتها (مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا) أي الماء بدليل، قوله إنَّ القوم عطاش. أقول والظَّاهر من السَّوق قبل أن يشربوا من لبن اللِّقاح، فافهم.
(فَأَقْبَلْتُ بِهَا) أي باللِّقاح (أَسُوقُهَا) أي حال كوني أسوق اللِّقاح التي أخذها غطفان وفزارة (فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وكان ذلك عشاء، ومع النَّبي صلى الله عليه وسلم ناس، وتوضيح ذلك أنَّ عيينة بن حصن الفزاري لمَّا أغار على لقاحِ النَّبي صلى الله عليه وسلم في خيل من غطفان أربعين فارسًا، وكان في ليلة الأربعاء جاء الصَّريخ فنودي يا خيلَ الله اركبوا، وكان أوَّل ما نوديَ بها فركبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج غداة الأربعاء في الحديد مقنعًا فوقف، فكان أوَّل من أقبل إليه المقداد، وعليه الدِّرع والمِغْفر شاهرًا سيفه فعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء في رمحه، وقال (( امض حتَّى تلحقَك الخيول وأنا في إثركَ ) )واستخلفَ على المدينة ابنَ أمِّ مكتوم، وخلف سعد بن عبادة في ثلاث مئة من قومهِ يحرسون المدينة.
قال المقداد فأدركت أخريات العدوِّ، وقد قتل أبو قتادة
ج 14 ص 29
مسعدةَ، وقتل عكاشةُ أبانَ بن عمرو، وقتل المقدادُ حبيبَ بن عيينة، وقرفةَ بن مالك بن حذيفة بن بدر، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم وهو على رجليه، فجعل يراميهم بالنَّبل ويقول خذها وأنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرُّضع، حتَّى انتهى بهم إلى ذي قَرَد، بفتح القاف والراء وبالدال المهملة، ويقال بضمتين.
وقال السُّهيلي كذا ألفتيه مقيَّدًا عن أبي علي، والقرد في اللُّغة الصُّوف الرَّديء، وهو على نحو يوم من المدينة. قال سلمة فلحقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والنَّاس عشاء، وهذا معنى قوله (( فلقيني النَّبي صلى الله عليه وسلم ) ).
(فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ) وهو جمع عطشان (وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ) بكسر السين وسكون القاف، وهو الحظُّ من الشَّراب. وقوله أن يشربوا، مفعول له؛ أي كراهة أن يشربوا (فَابْعَثْ فِي إِثْرِهِمْ) أي قال سلمة يا رسول الله ابعثْ في إثرهم، وفي رواية ابنِ سعد قال سلمة فلو بعثني في مئة رجلٍ استنقذتُ ما بأيديهم من السَّرح، وأخذتُ بأعناقِ القوم، فقال؛ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (يَا ابْنَ الأَكْوَعِ مَلَكْتَ) من المملكة، وهي أن يغلبَ عليهم فيستعبدهُم وهم في الأصل أحرار (فَأَسْجِحْ) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وكسر الجيم وآخره حاء مهملة، من الإسجاحِ وهو حسنُ العفو؛ أي ارفقْ ولا تأخذْ بالشدَّة، وهذا مثل من أمثال العرب.
(إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ) من القرى؛ أي يضافون (فِي قَوْمِهِمْ) يعني أنَّهم وصلوا إلى غطفان، وهم يضيفونهُم ويساعدونهم، فلا فائدة في الحال في البعث؛ لأنَّهم لحقوا بأصحابهم، ويُقرَون، بضم الياء وفتح الراء، من القرى. وقال ابن الجوزي يُقرُون، بضم الياء والراء، وفسَّره بأنَّهم يجمعون بين الماء واللَّبن. وقيل يغزون، بغين معجمة وزاي وهو تصحيفٌ، وإنَّما لم يبعث صلى الله عليه وسلم
ج 14 ص 30
في إثرهم رجاء توبتهم وإنابتهم.
وفي كتاب (( الدَّلائل ) )للبيهقي إنَّهم ليغبقون الآن في غطفان، فجاء رجلٌ من غطفان فقال مروا على فلان الغطفاني فنحرَ لهم جزورًا، فلمَّا أخذوا يكشطوا جلدها رأوا غبرة فتركوها، وخرجوا هرابًا. انتهى.
وتمام القصَّة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا لقي سلمة لم تَزَل الخيل تأتي، والرِّجال على أقدامهم حتَّى انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قَرَد فاستنقذوا عشر لقائح، وأفلت القوم بما بقي وهي عشر، وصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قَرَد صلاة الخوف، وأقام بها يومًا وليلة.
وفي (( الإكليل ) )للحاكم باب غزوة ذي قَرَد قال أبو عبد الله هذه الغزوة هي الثَّالثة لذي قرد، فإنَّ الأولى سرية زيد بن حارثة في جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرًا من الهجرة، والثَّانية خرج فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه إلى فزارة، وهي على رأس تسعة وأربعين شهرًا من الهجرة، وهذه الثَّالثة التي أغار عبد الرَّحمن بن عُيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج أبو قتادة وابن الأكوع في طلبها، وذلك في سنة ستٍّ من الهجرة.
وقال ابنُ إسحاق في غزوة ذي قرد إنَّه كان أوَّل من بدر بهم سلمة بن عَمرو بن الأكوع الأسلمي غدا يريد الغابة متوشِّحًا قوسه ونبله، ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس له يقوده حتَّى إذا علا ثنية الوداع نظرَ إلى بعض خيولهم فأشرفَ في ناحية سلع ثمَّ صرخ واصباحاه، ثمَّ خرج يشدُّ في آثار القوم، وكان مثل السَّبع حتَّى لحق بالقوم، فجعل يردُّهم بالنبل، ويقول إذا رماها خذها وأنا ابن الأكوع اليوم يوم الرضَّع.
قال ابن إسحاق وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الأكوع فصرخ بالمدينة الفزع الفزع، فترامت الخيولُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أوَّل من انتهى إليه المقداد بن الأسود وجماعة آخرون ذكرهم ابن إسحاق قال
ج 14 ص 31
وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى نزل بالخيل من ذي القرد، وتلاحق به النَّاس، فأقام عليه يومًا وليلة، وقال له سلمة بن الأكوع يا رسول الله لو سرحتني في مئة رجل لاستنقذت بقيَّة السَّرح، وأخذت بأعناق القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( [إنَّهم] الآن ليُغْبَقون في غطفان ) )وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلِّ مئة رجل جزورًا، وأقاموا عليها، ثمَّ رجع حتَّى قدم المدينة، انتهى. وقيل كانت غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس ليال. انتهى.
وفي الحديث جواز الأخذ بالشدَّة، ولقاء الواحدِ أكثر من المثلين؛ لأنَّ سلمة رضي الله عنه كان وحده وألقى بنفسه إلى التَّهلكة. وفيه تعريف الإنسان بنفسه في الحرب بشجاعته وتقدُّمه كقوله أنا ابن فلان. وفيه فضل الرَّمي. وفيه جواز قول يا صاحباه؛ للإنذار بالعدوِّ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وهذا الحديث هو الثَّاني عشر من ثلاثيات البخاري، وأخرجه أيضا في المغازي، وسيأتي بأتم من هذا في (( غزوة ذي قرد ) )إن شاء الله تعالى [خ¦4194] . وأخرجه مسلم في (( المغازي ) )، والنَّسائي في (( اليوم واللَّيلة ) ).