فهرس الكتاب

الصفحة 4765 من 11127

3045 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو) بالواو، وقال بعضُ أصحاب الزُّهري عُمر، بِضَمِّ العين من غير واو، وقال يونسُ من رواية أبي صالح، عن اللَّيث، عن يونس وابن أخي الزُّهري وإبراهيم بن سعد عُمر، بضم العين، غير أنَّ إبراهيم نسبَه إلى جدِّه فقال عمرُ بن أسيد. وقال البخاريُّ في (( تاريخه ) )إنَّ الصَّحيح عَمرو، بالواو.

(ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة (ابْنِ جَارِيَةَ) بالجيم (الثَّقَفِي، وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ) بضم الزاي وسكون الهاء (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ رَهْطٍ) الرَّهط من الرِّجال ما دون العشرة، وقيل إلى الأربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظهِ.

وقال محمَّد بن إسحاق حدَّثنا عاصمُ بن عمر بن قتادة قال قدمَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطٌ من عضل والقارة، وقالوا يا رسول الله، إنَّ فينا إسلامًا فابعثْ معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننَا في الدِّين، ويقرؤوننَا القرآن، ويعلِّموننَا شرائع الإسلام، فبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 14 ص 38

نفرًا ستَّة من أصحابه وهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطَّلب، وهو أمير القوم، وخالد بن بكير اللَّيثي حليف بني عديٍّ، وثابت بن أبي الأفلح، وخبيب بن عديٍّ، وزيد بن الدَّثِنَّة، وعبد الله بن طارق، والأصح ما قاله البخاري عشرة رهط، وأميرهم عاصمُ بن ثابت.

(سَرِيَّةً) نصب على البيان، والسريَّة طائفةٌ من الجيش يبلغُ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدوِّ وجمعها السَّرايا، سمُّوا بذلك؛ لأنَّهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشَّيء السري؛ أي النَّفيس. وقيل سمَّوا بذلك؛ لأنَّهم ينفذون سرًّا وخفية، وليس بوجه؛ لأنَّ لام السرِّ راء، وهذه ياء وهذه السريَّة تسمَّى سرية الرَّجيع، وهي غزوة الرَّجيع. قال ابن سعد كانت في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا. وذكرها ابنُ إسحاق في صفر سنة أربع من الهجرة، والرَّجيع على ثمانية أميال من عسفان.

وقال الواقديُّ سبعة أميال، وقال البكري الرَّجيع، بفتح أوله وبالعين المهملة في آخره ماء لهذيل، لبني لحيان منهم بين مكَّة وعسفان بناحية الحجاز، وعسفان قريةٌ جامعةٌ منها إلى كُراع الغميم ثمانية أميال، والغميم، بالغين المعجمة واد، والكراع جبلٌ أسود عن يسار الطَّريق شبيه بالكراع، ومن كراع الغميم إلى بطن مرَّ خمسة عشر ميلًا، ومن مرَّ إلى سَرف سبعة أميال، ومن سَرف إلى مكَّة ستَّة أميال.

(عَيْنًا) أي جاسوسًا، وانتصابه على أنَّه بدل من سريَّة (وَأَمَّرَ) بتشديد الميم، من التَّأمير؛ أي جعل أميرًا (عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ) بالمثلثة والموحدة، هو ابنُ أبي الأفلح، واسمه قيسُ بن عصمة بن النُّعمان بن مالك بن أميَّة بن ضُبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عَمرو بن عوف بن مالك بن الأوس (الأَنْصَارِيَّ) يُكنى أبا سليمان شهد بدرًا (جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه لأمِّه، وذلك لأنَّ أمَّ عاصم جميلة بنت ثابت بن أبي الأفلح

ج 14 ص 39

أخت عاصم بن ثابت، وكان اسمها عاصية فسمَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم جميلة، وقيل هو خاله لا جدَّه.

(فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدْأَةِ) بفتح الهاء وسكون الدال وفتح الهمزة، موضع (وَهْوَ بَيْنَ عُسْفَانَ) بضم العين، كعثمان موضع على مرحلتين من مكَّة (وَمَكَّةَ ذُكِرُوا) على البناء للمفعول (لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ) هو ابنُ مُدركة بن إلياس بن مضر. قال ابن دريد من الهزل، وهو الاضطراب.

(يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ) بكسر اللام، وحكى صاحب «المطالع» فتحها، ولحيان بن هذيل.

وقال الرَّشاطي إنَّهم من بقايا جُرهم دخلوا في هذيل، وعن ابن دريد اشتقاقه من اللَّحي من قولهم لحيت العود ولحوته إذا قشرته.

(فَنَفَّرُوا) بتشديد الفاء؛ أي استجدُّوا (لَهُمْ) أي لأجلهم (قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ) وفي رواية بتخفيف الفاء؛ أي خرج إليهم، فكأنَّه قال نفَّروا مائتي رجل ولكن ما تبعهم إلَّا مئة، وفي رواية أخرى بالذال المعجمة.

(كُلُّهُمْ رَامٍ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ) أي اتبعوها، وقال ابن التِّين ويجوز بالسين (حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ) اسم مكان غير المبهم، وهو منصوبٌ بتقدير الجار، وذلك جائز نحو رميت مرمى زيد (تَمْرًا) مفعول وجدوا (تَزَوَّدُوهُ) جملة في محلِّ النصب على أنَّها صفة لتمرًا (مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ) مدينة الرَّسول صلى الله عليه وسلم غير منصرف (فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ) كذا هو في «الصَّحيح» ، و «شرح ابن بطَّال» ، وذكره بعض الشُّراح «فلمَّا أحسَّ بهم» ، ثمَّ قال أي علم، قال تعالى {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ} [مريم 98] . وفي (( سنن أبي داود ) ) «حسَّ» بغير ألف.

(لَجَئُوا) أي استندوا (إِلَى فَدْفَدٍ) بفائين مفتوحتين بينهما دال مهملة ساكنة؛ أي الرَّابية المشرفة، والموضع المرتفع الذي فيه غلظ وارتفاعٌ. وقال ابنُ فارس إنَّه الأرض المستوية، وظاهرُ الحديث

ج 14 ص 40

أنَّه مكان مشرف تحصَّنوا فيه. وفي رواية أبي داود (( إلى قَرْدد ) )بقاف مفتوحة وراء ساكنة ثمَّ بدالين مهملتين، وهما سواء.

(وَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمُ انْزِلُوا وَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُمُ الْعَهْدُ) أي الذمَّة (وَالْمِيثَاقُ، وَلاَ نَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لاَ أَنْزِلُ الْيَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ) أي بالسِّهام العربيَّة (فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ) أي في جملة سبعة يعني أنَّ السَّبعة من العشرة قتلوا. وعند ابنِ إسحاق (( الذين قتلوا ثلاثة ) )وقد مرَّ عن قريبٍ أنَّ الذين أرسلهم النَّبي صلى الله عليه وسلم كانوا ستَّة عند ابنِ إسحاق. وقال ابنُ إسحاق غدروا بهم على الرَّجيع، فاستصرخوا عليهم هذيل فلم يرع القوم وهم في رِحالهم إلَّا الرِّجال بأيديهم السُّيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم، وقاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل منهم ثلاثة، وأُسِر منهم ثلاثة وهم زيد بن الدَّثِنَّة، وخبيب بن عديٍّ، وعبد الله بن طارق. وعند البخاري القتلى سبعة والذين أسروا ثلاثة، وهو قوله

(فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مِنْهُمْ) أي من هؤلاء الثَّلاثة (خُبَيْبٌ) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحَّدة وسكون المثناة التحتية بعدها موحدة أخرى، هو ابنُ عديٍّ (الأَنْصَارِيُّ) الأوسي من بني جحجبي بن كُلْفَة بن عَمرو بن عوف من البدريين (وَابْنُ دَثِنَةَ) بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة وسكونها وبالنون، هو زيدُ بن الدَّثِنَّة بن معاوية بن عبيد بن عامر بن بياضة الأنصاري البياضي، شهد بَدْرًا وأُحُدًا، اشتراه صفوان بن أميَّة منهم، وحمله إلى مكَّة وقتله بابنه.

(وَرَجُلٌ آخَرُ) هو عبدُ الله بن طارق بن عَمرو بن مالك البلوي، حليف لبني ظفر من الأنصار، شهد بَدْرًا وأحدًا (فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ) هو عبدُ الله بن طارق (هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ) ويروى (وَاللَّهِ لاَ أَصْحَبُكُمْ إِنَّ فِي هَؤُلاَءِ لأُسْوَةً) بضم الهمزة وكسرها، بمعنى الاقتداء (يُرِيدُ) أي بهؤلاء (الْقَتْلَى) جمع قتيل (فَجَرَّرُوهُ) بالفاء، ويروى بالواو (وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَأَبَى) أي امتنع من الرَّواح معهم (فَقَتَلُوهُ) فقبره بمرِّ الظَّهران. قال أبو عمر لمَّا أسروا الثَّلاثة خرجوا بهم إلى مكَّة حتَّى إذا كانوا بمرِّ الظَّهران انتزع عبدُ الله بن طارق يدهُ من الوثاق، وأخذَ سيفه واستأخرَ عنه القوم فرمَوه بالحجارةِ فقتلوه.

(فَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ دَثِنَةَ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ) متعلِّق بقوله بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ الكلُّ كان بعده لا البيع فقط (فَابْتَاعَ) أي اشترى (خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ) وهو كذلك عند الأكثر. وقال بعضهم لم يكن خبيب قاتله كما قيل أيضًا بأن المعترضين للسريَّة لم يكونوا من بني لحيان، والصَّحيح ما ذكره البخاري.

(فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا) قال ابنُ إسحاق ابتاع خبيبًا حُجَيْر بن أبي إهاب التَّميمي حليفًا لهم، وكان جحير أخا الحارث بن عامر لأمِّه، فابتاعه لعقبة بن الحارث ليقتله بأبيه، وقيل اشترك في ابتياعه أبو إهاب بن عزيز، وعكرمة بن أبي جهل، والأخنس بن شريق، وعَبيدة بن حكيم بن الأوقص، وأميَّة بن أبي عتبة، وبنو الحضرمي، وصفوان بن أميَّة، وهم أبناءُ من قتل من المشركين ببدرٍ ودفعوه إلى عقبة فسجنه حتَّى انقضت الأشهر الحرم فصلبوه بالتَّنعيم.

(فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ) القائل بهذا هو ابنُ شهاب الزُّهري، وعُبيد الله، بضم العين مصغرًا، هو ابنُ عِيَاض بكسر العين المهملة وتخفيف المثناة التحتية وآخره ضاد معجمة، ابن عَمرو القاري من القارة الحجازي، وسمعَ عبيد الله هذا عن عائشة رضي الله عنها وعن غيرها، قاله المنذري، ولم يذكره أحدٌ في رجال البخاري، كما ادَّعاه الدِّمياطي. نعم ذكره المزني في (( الأطراف ) )وهو والد محمَّد.

(أَنَّ بِنْتَ الْحَارِثِ) قال ابنُ إسحاق اسمها ماوية، وقيل ماريةَ، وهي مولاةُ حجير

ج 14 ص 42

بن أبي إهاب، وكانت زوجَ عقبة بن الحارث، وسماها ابن بطَّال حويزة، وفي «معجم البغوي» ماوية بنت حجير بن أبي إهاب. وقال الواقديُّ هي مولاة بني عبد مناف. وقال الحميديُّ في (( جمعه ) )رواية عبيد الله عنها هنا إلى قوله (( فلمَّا خرجوا من الحرم ) ).

(أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا) أي لقتله، وفي رواية أي على قتله (اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى) وجاز صرفه لأنَّه مُفْعَل، وعدم صرفهِ لأنَّه فعلى على خلافٍ بين الصَّرفيِّين (يَسْتَحِدُّ بِهَا) من الاستحداد، وهو حلقُ شعر العانة، وهو استفعالٌ من الحديد استعمل على طريق الكناية والتَّورية، وذلك لئلا يظهر شعر عانتهِ عند قتله.

(فَأَعَارَتْهُ فَأَخَذَ ابْنًا لِي) أي فأخذ خبيب ابنًا لي (وَأَنَا غَافِلَةٌ) أي والحال أنا غافلة (حِينَ أَتَاهُ) ويروى واسم الابن أبو الحسين بن الحارث بن عامر بن نوفل، وهو جدُّ عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي حسين المكِّي شيخ مالك رحمه الله.

(قَالَتْ فَوَجَدْتُهُ) أي وجدت خبيبًا (مُجْلِسَهُ) بضم الميم وسكون الجيم وكسر اللام، من الإجلاس؛ أي مجلس ابني (عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ) والواو للحال (فَفَزِعْتُ فَزْعَةً) أي خفت خوفًا (عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فِي وَجْهِي، فَقَالَ أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ) بكسر القاف وسكون الطاء المهملة؛ أي عنقود.

(عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ) أي لمربوط (فِي الْحَدِيدِ) والواو للحال، وكذا الواو في قوله (وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ) بالثاء المثلثة وفتح الميم (وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللَّهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ ذَرُونِي) أي اتركوني (أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) أي صلَّى ركعتين، وهو أوَّل من صلَّى ركعتين عند القتل.

(ثُمَّ قَالَ لَوْلاَ أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ) بفتح الجيم والزاي، وهو نقيضُ الصَّبر (لَطَوَّلْتُهَا اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا) دعاء عليهم بالهلاكِ

ج 14 ص 43

استئصالًا؛ أي لا تبق منهم أحدًا، ويروى بعده بفتح الموحدة بمعنى التفرُّق.

وقال السُّهيلي ومن رواه بكسر الباء، فهو جمع بدة، وهي الفرقةُ والقطعةُ من الشَّيء المتبدِّد، ونصبَه على الحال من المدعو، وبالفتح مصدر.

~(ما أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي

~ وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ)

قوله في ذات الإله؛ أي في وجهِ الله وطلبِ ثوابه، والأوصال جمع وصل، وهو المفصل والأوصال المفاصل، والشِّلْو، بكسر الشين المعجمة وسكون اللام العضو، والممزَّع المقطَّع، والمزعة القطعة، والبيتان من بحر الطَّويل، ويروى وهو الصَّحيح، وعلى الرِّواية الأولى فيه ما فيه، وكأنَّه سقط منه أما، وهما من قصيدة أولها وهو قوله

~لَقَدْ جَمَعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلَّبُوا قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلَّ مَجْمَع

~وَقَدْ قَرَّبُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنَّعِ

~وَكُلُّهُم يُبْدِي العَدَاوةَ جَاهِدًا عَلَيَّ لأَنِّي فِي وَثَاقٍ مُضَيَّعِ

~إِلَى اللَّهِ أَشْكُو غُرْبَتِي بَعْدَ كُرْبَتِي وَمَا جَمَع الأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِ

~يَذَا العَرْشِ صَبِّرَنِي عَلَى مَا أَصَابني وَقَدْ بَضَّعُوا لَحْمِي وَقَد قَلَّ مَطْمَعِ

~وذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وإِنْ يَشَأ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

~وقَدْ عَرَضُوا بِالكُفْرِ وَالمَوتِ دُوْنَه وَقَدْ ذَرَفَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيرِ مَدْمَعِ

~وَمَا بِي حِذَارُ المَوْتِ إِنِّي لَمَيِّتٌ وَلَكِنْ حِذَارِي حَرَّ نَارٍ تَلْفَعِ

~فَلَسْتُ بِمُبْدٍ لِلعَدُوِّ تَخَشُّعًا وَلَا جَزَعًا إِنِّي إِلَى اللَّهِ مَرْجِعِ

~وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ للَّهِ مَضْجَعِ

وقال ابن هشام أكثر أهل العلم بالشِّعر ينكرها له.

قوله الأحزاب الجمع من طوائف مختلفة. قوله وألَّبوا؛ أي جمعوا. قال الجوهري ألَّبْتُ الجيش إذا جمعته، وتألَّبوا تجمَّعوا. قوله مُضَيَّع؛ أي الهلاك. قوله يَذا العرش أصله يا ذا العرش حُذِفَتْ الألفُ للضَّرورة. قوله بضعوا؛ أي قطعوا قطعًا. قوله ملفع، من لفعته النَّار إذا شملته من نواحيهِ وأصابه لهيبها. قوله

ج 14 ص 44

فلست بمُبْدٍ؛ أي بمظهر. قوله ولا جزعًا؛ الجزع قلَّة الصَّبر.

(فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحَارِثِ) هو عقبةُ بن الحارث، وقيل أخوه، وكلاهما أسلم بعد ذلك، وقال أبو عمر روى سفيان بن عُيينة، عن عَمرو بن دينار، عن جابر أنَّه سمعه يقول الذي قتل خبيبًا أبو سِرْوَعَة عقبةُ بن الحارث بن عامر بن نوفل، وكان القتلُ بالتَّنعيم وصلبه ثَمَّة، وأبو سِرْوَعة بكسر السين المهملة، وقيل بفتحها وفتح الراء، وقيل بفتح السين وضم الراء.

(فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِئٍ قُتِلَ صَبْرًا) والصَّبر الحبسُ والتَّوقيف (فَاسْتَجَابَ اللَّهُ) أي أجاب الله دعاءَه بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم (لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ يَوْمَ أُصِيبَ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ وَمَا أُصِيبُوا) أي ما جرى عليهم، وفيه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

(وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمٍ حِينَ حُدِّثُوا) على البناء للمفعول؛ أي حين أخبروا بقتل عاصم بن ثابت (لِيُؤْتَوْا) على صيغة المجهول أيضًا (بِشَيْءٍ مِنْهُ) أي من عاصم؛ أي بقطعة منه نحو الرَّأس (يُعْرَفُ) به أنَّه مقتول (وَكَانَ) أي وكان عاصم (قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ) أي من أشرافهم وأكابرهم (يَوْمَ بَدْرٍ) وهو عقبةُ بن أبي مُعيط بن أبي عَمرو بن أميَّة بن عبد شمس، وكان عاصم قتل يوم أُحد فتيين من عبد الدَّار أخوين أمهما سلافة بنت سعد بن شهيد، وهي التي نذرتْ إن قدرت على قحف عاصم لتشربنَّ فيه الخمر.

(فَبُعِثَ عَلَى عَاصِمٍ مِثْلُ الظُّلَّةِ) بضم الظاء المعجمة وتشديد اللام، وهي السَّحابة المظلَّة كهيئة الصِّفة (مِنَ الدَّبْرِ) بفتح الدال المهملة وسكون الموحدة وآخره راء، وهي ذكور النَّحل، وهي الزَّنابير الكبيرة. وقال القزَّاز الزَّنابير، واحدها دَبْرة، وقال ابنُ فارس هي النَّحل جمعه دبور. وقال ابنُ بطَّال الدَّبر جماعة النَّحل لا واحدَ لها، وفي المثل لدَغتْني دبرة زَنَابيره.

(فَحَمَتْهُ) أي حفظته،

ج 14 ص 45

فلهذا سمِّي عاصم بحميِّ الدَّبر، فعيل بمعنى المفعول (مِنْ رَسُولِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعَ مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا) ويقال لمَّا عجزوا قالوا إنَّ الدَّبر تذهب باللَّيل، فلمَّا جاء اللَّيل أرسل الله سيلًا، فاحتمله فلم يجدوه، وقيل إنَّ الأرضَ ابتلعتْه.

والحكمةُ والله أعلم في أنَّ الله تعالى حماهُ من قطعِ شيءٍ من جسدهِ، وما حماهُ من القتل أنَّ القتل موجب للشَّهادة، ولا ثوابَ في القطع مع ما فيه من هتك حُرمته، وفي نزول خُبيب وصاحبيه جواز أن يستأسرَ الرَّجل.

قال المهلَّب إذا أراد أن يأخذَ بالرُّخصة في إحياء نفسه فعل كفعل هؤلاء. وعن الحسن لا بأسَ أن يستأسرَ الرَّجل إذا خاف أن يغلبَ. وقال الثَّوري أكره للأسير المسلم أن يمكِّن من نفسه إلَّا مجبورًا.

وعن الأوزاعي لا بأس للأسير المسلم أن يأبى أن يمكِّن من نفسه، بل يأخذ بالشدَّة والإباء من الأسر والأنفة من أن يجريَ عليه ملك كافر كما فعل عاصم. وفيه استنان الاستحداد لمن أُسِرَ ولمن يُقتل، والتَّنظيف لمن يصنع [1] بعد القتل؛ لئلَّا يُطَّلَع منه على قبحِ عورة. وفيه أداء الأمانة إلى المشرك أو غيره. وفيه التورُّع من قتلِ أطفال المشركين رجاء أن يكونوا مؤمنين. وفيه كرامةٌ عظيمةٌ لخبيب في أكله من قِطْفِ عِنَبٍ في غير أوانهِ.

وقال ابن بطَّال هذا يمكن أن يكون آية لله تعالى على الكفَّار، وتصحيحًا لرسالة نبيِّه صلى الله عليه وسلم عند الكفَّار من أجلِ ما كانوا عليه من تكذيبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه علامة من علامات النُّبوَّة بإجابة دَعوة عاصم بأن أخبرَ الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالخبرِ قبل بلوغه على ألسنة المخلوقين.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة أمَّا للجزء الأوَّل وهو قوله هل يستأسر الرَّجل، ففي قوله (( فنزلَ إليهم ثلاثة رهطٍ بالعهد والميثاق ) )، وأمَّا للجزء الثَّاني وهو قوله ومن لم يستأسر، ففي قوله (( قال عاصم بن ثابت أمير السريَّة أمَّا أنا فوالله لا أنزل

ج 14 ص 46

اليوم في ذمَّة كافر )) . وأمَّا للجزء الثَّالث وهو قوله ومن صلَّى ركعتين عند القتل، ففي قوله (( قال لهم خُبيب ذَرُوني أركع ركعتين فتركوه فركعَ ركعتين ) ).

وقد أخرجه البخاري في (( التَّوحيد ) ) [خ¦7402] ، و (( المغازي ) ) [خ¦3989] ، وأخرجه أبو داود في (( الجهاد ) )، والنَّسائي في (( السِّير ) )، وفيه الشِّعر دون الدُّعاء.

[1] كذا في مطبوع العمدة وفي التوضيح (( لمن يضيع ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت