فهرس الكتاب

الصفحة 4774 من 11127

3051 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ) بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون المثناة التحتية وآخره سين مهملة، اسمه عُتْبة، بضم العين المهملة

ج 14 ص 50

وسكون المثناة الفوقية، ابن عبد الله الهلالي، وقد مرَّ في (( كتاب الأيمان ) ) [خ¦45] (عَنْ إِيَاسِ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية وبالسين المهملة (ابْنِ سَلَمَةَ) بفتح اللام (ابْنِ الأَكْوَعِ) المدني، مات سنة تسع عشرة ومئة، وفي رواية الطَّحَّاوي من طريق أخرى عن أبي نُعيم، عن أبي العُمَيس حدَّثنا إياس.

(عَنْ أَبِيهِ) سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيْنٌ) أي جاسوس (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسم ذلك العين، وسمِّي الجاسوس عينًا؛ لأنَّ جلَّ عمله بعينه، أو لشدَّة اهتمامه بالرُّؤية واستغراقه فيها كأنَّ جميع بدنه صار عينًا.

(وَهْوَ فِي سَفَرٍ) بيَّنه مسلم، فإنَّه أخرج الحديث في المغازي عن زهير بن حرب، عن عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمَّار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه غزونا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم هوازن يعني حنينًا، فبينما نحن نتضحَّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءَ رجل على جملٍ أحمرَ فأناخَه، ثمَّ انتزعَ طلقًا من جعبتهِ فقيَّد به الجملَ، ثمَّ تقدَّم يتغدَّى مع القوم، وجعلَ ينظر وفينا ضَعَفةٌ ورقَّةٌ من الظَّهر، وبعضنا مشاة إذ خرج يشتدُّ فأتى جمله فأطلق قيده، ثمَّ قعدَ عليه فاشتدَّ به الجمل فأتبعَه رجل من أسلم على ناقةٍ ورقاءَ، قال سلمة وخرجتُ أشتدُّ فكنتُ عند ورك النَّاقة، ثمَّ أخذتُ بخطامِ الجمل فأنختُه، فلمَّا وضعَ ركبته على الأرضِ ضربتُ رأسه فبدر.

وفي رواية (( فخرجت أعدو حتَّى أخذت بخطامِ الجمل فأنختُه، فلمَّا وضعَ ركبتَه على الأرض اخترطتُ سيفِي فأضرب رأسه فبدَر، فجئتُ راحلتَه وما عليها أقودها ) ). وفي رواية (( ثمَّ جئتُ بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحَه، فاستقبلني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والنَّاس معه، فقال من قتل الرَّجل؟ قالوا ابن الاكوع قال له سلبه أجمع ) ). وعند الإسماعيليِّ فقال صلى الله عليه وسلم (( عليَّ بالرَّجل اقتلوهُ فابتدره

ج 14 ص 51

القوم )) ، وفي رواية (( قام رجل من عند النَّبي صلى الله عليه وسلم فأخبر أنَّه عين من المشركين، فقال من قتلَه فله سَلَبه ) ).

(فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ) صلى الله عليه وسلم (يَتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ) أي ثمَّ انصرف، وفي رواية النَّسائي من طريق جعفر بن عون، عن أبي العُمَيس (( فلمَّا طعم انسلَّ ) ) (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ) وفي رواية أبي نُعيم في «المستخرج» من طريق يحيى الحِمَّاني، عن أبي العُميس (( أدركوه فإنَّه عين ) )، وزاد أبو داود عن الحسن بن علي، عن أبي نُعيم فيه (( فسبقتهم إليه فقتلته ) )وفاعل سبقتهم سلمة بن الأكوع، وكذلك فاعل فقتلته.

(فَقَتَلَهُ) أي سلمة، وفيه التفات من التكلُّم إلى الغيبة، وكأنَّ السِّياق يقتضي فقتلتُه بالإخبار عن نفسه، كما في رواية أبي داود، وهكذا أيضًا روي هنا (فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ) أي نفَّلني رسول الله صلى الله عليه وسلم سلب هذا العين، ففيه التفاتٌ أيضًا على قول، والمعنى أعطاهُ ما سلب منه.

والسَّلَب، بفتح اللام مَرْكَبُ المقتول وثيابُه وسلاحُه وما معه على الدَّابة من ماله في حقيبته أو في وسطه، وما عدا ذلك فليس بسَلَبٍ، وكذلك ما كان مع علامة على دابة أخرى.

وقال الكِرماني والسَّلَبُ ما كان مع كافر أزال مسلم قوته عند قيام الحرب، وأمَّا النَّفل في اصطلاح الفقهاء ما شرطه الأمير لتعاطِي خطر، وقد ظهر من رواية عكرمة الباعث على قتله، وأنَّه اطلع على عورة المسلمين، وبادر ليُعْلِمَ أصحابَه فيغتنمون غرَّتهم، وكان في قتله مصلحة للمسلمين.

قال النَّووي وفي الحديث قتل الجاسوس الحربي الكافر، وعليه الإجماع، وأمَّا الجاسوسُ المعاهد أو الذِّمِّي فقال مالكٌ والأوزاعي ينتقضُ عهده بذلك، فإن رأى الإمام استرقاقه أرقَّه، ويجوز قتله، وعند الشَّافعية خلاف، وعند الجمهور لا ينتقضُ عهده بذلك إلَّا أن يشترطَ عليه انتقاضه به فينتقضَ عهدُه اتفاقًا.

وأمَّا الجاسوس المسلم فعند أبي حنيفة والشَّافعي وبعض المالكيَّة يعزَّر

ج 14 ص 52

بما يراه الإمام إلَّا القتل، وقال مالك يجتهدُ فيه الإمام. وقال القاضِي عياض قال كبارُ أصحابه يقتل واختلفوا في تركهِ بالتَّوبة، فقال ابنُ الماجشون إن عرف بذلك قتل وإلَّا عُذِر، وفيه حجَّة لمن قال إنَّ السَّلب كله للقاتل، وأجاب من قال لا يستحقُّ بذلك إلَّا بقول الإمام إنَّه ليس في الحديث ما يدلُّ على أحد الأمرين بل هو محتمل لهما، لكن أخرجه الإسماعيليُّ من طريق محمَّد بن ربيعة، عن أبي العُمَيس بلفظ قامَ رجلٌ فأخبرني النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه عين للمشركين، فقال (( من قتلَه فله سَلَبه ) )قال فأدركتُه فقتلتُه فنفَّلني سلبه، فهذا يؤيِّد الاحتمال الثاني، بل قال القرطبيُّ لو كان القاتل يستحقُّ السَّلب بمجرَّد القتل لم يكن لقول النَّبي صلى الله عليه وسلم له سلبه أجمع مزيد فائدة.

وتعقِّب باحتمال أن يكون هذا الحكم إنَّما ثبت من حينئذٍ، وقد استدلَّ به على جوازِ تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأنَّ قوله تعالى {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنفال 41] عامٌّ في كلِّ غنيمة، فبيَّن صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بزمن طويل أنَّ السَّلب للقاتل سواء قيَّدنا بذلك بقول الإمام أم لا.

وقال القرطبيُّ فيه أنَّ للإمام أن ينفل جميع ما أخذته السريَّة من الغنيمة لمن يراه منهم، وهذا يتوقَّف على أنَّه لم يكن هناك غنيمة إلَّا ذلك السَّلب.

قال الحافظ العسقلاني وما أبداه احتمالًا هو الواقع، فقد وقع في رواية عكرمة بن عمَّار أنَّ ذلك كان في غزوة هوازن، وقد اشتهرَ ما وقع فيها بعد ذلك من الغنائم.

قال ابن المنيِّر ترجمَ بالحربي إذا دخل بغير أمانٍ، وأورد الحديث المتعلِّق بعين المشركين وهو جاسوسهم، وحكمُ الجاسوس مخالفٌ لحكم الحربيِّ المطلق الدَّاخل بغير أمان، فالدَّعوى أعم من الدَّليل.

وأُجيب بأنَّ الجاسوس المذكور أوهم أنَّه ممَّن له أمان، فلمَّا قضى حاجتَه من التجسُّس انطلق مسرعًا ففطنَ له،

ج 14 ص 53

فظهر أنَّه حربي دخل بغير أمان، وقد تقدَّم بيان الاختلاف فيه.

هذا وقد ترجم عليه النَّسائي قتل عيون المشركين، والحديث أخرجه أبو داود في الجهاد، والنَّسائي في السير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت